‘……لماذا هذا الوجه؟’
قال روين في الجولة الأولى إنّ الصورة داخل القلادة كانت لوجه رجل لا يعرفه.
لكنّ هذا ، كيفما نظرتُ إليه ، كان صورة صبيّ يُشبه روين كثيرًا.
و حتى لو قيل إنّه غرضٌ متروك تمّ التعامل معه باستخفاف ، فإنّ روين كان قد تلاعب بالقلادة حتى في غرفة التّعذيب.
‘هل يُعقل أنّ روين كان قد ألقى عليها لعنةً حينها؟’
عند النّظر إلى تغيّر الاسم و التّأثير ، يبدو هذا الافتراض معقولًا.
فروين ، على ما يبدو ، يمتلك قدرةً غريبة من نوعٍ ما.
المهمّ هو أنّ هذه القلادة تُساعد كثيرًا في تهدئة عداء أسمير تجاهي.
أغلقتُ الغطاء بحذر ، ثمّ نظرتُ إلى الأسفل بوجهٍ راضٍ.
“شكرًا جزيلًا لكَ يا فين. بفضلك ، أظنّ أنّ علاقتي بأسمير ستتحسّن.”
“….أكثر منّي؟”
“لا. أنتَ الأقرب إليّ على أي حال. أخبرتكَ بهذا قبل قليل ، أليس كذلك؟ نحن لسنا مجرّد أصدقاء ، بل أصدقاء مقرّبون.”
انتشرت ابتسامة على وجهه الناعم.
رغمَ أنّني شعرتُ ببصيصٍ من هوسٍ في طور النّموّ ، قرّرتُ أن أثق بنفسي المستقبليّة.
وضعتُ القلادة بعناية داخل جيبي ، ثمّ بدأتُ أتفقّد الغرفة أكثر.
بحثتُ بدقّة و كأنّني في لعبة البحث عن الكنز ، لكنّني لم أجد قطعة الخريطة.
‘يبدو أنّه لا مفرّ من إيقاظ أسمير و سؤاله.’
بعد هذا القدر من التّفتيش دون نتيجة ، فربّما يكون الأمر حدثًا خاصًّا ، أو ربّما القطعة مخبّئة في مكانٍ لا يخطر على البال.
في كلتا الحالتين ، كان من الواضح أنّه يجب إفقاد ذلكَ الوحش السّائل وعيه و إعادته إلى هيئته البشريّة.
أمسكتُ بالكتاب الذي أحضره فينسترنيس بعناية ، و اقتربتُ بحذر من أسمير (السّائل).
و عند حركاتي المريبة ، جاءني من الخلف صوتٌ ضعيف.
“مير ، هل ستضربينه…؟”
“يبدو أنّه لا بدّ من ذلك. لكنّه بالفعل فاقد للوعي ، فكيف يمكن إيقاظه؟”
“لا داعي لذلك.”
“ماذا؟”
هل توجد وسيلة أخرى غير الإغماء؟
استدرتُ دون وعي و سألتُ مجدّدًا ، فأجاب فين و هو يرمش بعينيه.
“مير ، هو ليس مغمًى عليه.”
“….ماذا؟”
في اللّحظة التّالية ، التصق شيءٌ رطب بكتفي الأيسر.
شعرتُ و كأنّ قطعة جليدٍ لامست عنقي ، فقشعرّ بدني بأكمله.
و عندما أدرتُ رأسي و أنا أكاد لا أتنفّس بسبب الصّوت اللّزج قرب أذني ، رأيتُ كتلةً من سائلٍ ذهبيّ تلتصق بكتفي و تتحرّك ببطء.
“……!”
خشية أن يدخل إلى فمي أو يهاجمني إن أصدرتُ صوتًا ، شددتُ فكيّ بقوّة.
لحسن الحظّ ، لم يُظهر أنيابه و يهاجم كما فعل سابقًا ، لكنّني بالتّأكيد لا أريد بقاء هذا الشّيء ملتصقًا بجسدي.
حرّكتُ كتفي برفقٍ محاوِلةً نزعه ، فتشوّه شكله قليلًا.
لكنّ ذلك كان كلّ شيء.
كأنّه التصق بغراء ، لم يتحرّك أسمير (السّائل) قيد أنملة.
‘ما الذي يحدث معه…؟’
حاليًا هو مجرّد كتلةٍ تهتزّ بهدوء ، لكن لا أحد يعلم متى قد ينقلب فجأة.
تردّدتُ في لمسه بيدي ، فاكتفيتُ بتدوير عينيّ قبل أن أخاطب فينسترنيس.
“أممم ، فين. هل يمكنكَ نزع هذا عنّي؟”
لا يمكن التّلويح بالكتاب إلّا مع وجود مسافةٍ آمنة.
بهذا الوضع ، لا أستطيع الضّرب بقوّة ، و حتّى لو فعلتُ ، فسيتهشّم كتفي معه.
نظر فينسترنيس إليّ بصمت ، ثمّ أومأ برأسه و مدّ ذراعه.
لكن بسببِ فرق الطّول ، لم تصل يده ، فوقف على أطراف أصابعه و هو يتخبّط ، ممّا جعلني أنحني سريعًا.
و في اللّحظة التي لامست فيها يد فينسترنيس أسمير (السّائل) ، أخرج هذا الأخير أنيابه.
“بويت!”
ثمّ مع صوتٍ لطيف ، برزت عيناه المستديرتان.
كان لطيفًا على نحوٍ صادم.
أنزل فينسترنيس ذراعه الممدودة ببطء ، و تمتم بنبرةٍ مكتئبة.
“يقول إنّه يحبّ ذلك….”
أطلق أسمير (السّائل) أصوات “بويت بويت” و كأنّه يوافق ، بل و راح يفرك جسده الطّريّ بخدّي.
كنتُ في حالة صدمة حقيقيّة.
بل ، من زاويةٍ ما ، كان الأمر مرعبًا.
“لماذا؟ لماذا يتصرّف و كأنّه مقرّب منّي إلى هذا الحدّ؟”
كلّ ما فعلتُه هو أنّني ضربتُ تلك الكتلة التي اندفعت نحوي بأنيابها باستخدام الكتاب و سحقتها.
كان من المنطقيّ أن يحمل ضغينةً تجاهي ، لا أن يُظهر هذا القدر من الألفة.
‘….مهلًا. هل يُعقل أنّه تظاهر بالضّعف لأنّه أدرك أنّه لا يستطيع الفوز في قتالٍ فرديّ ، و ينوي الهجوم لاحقًا؟!’
قد يكون هذا استنتاجًا متسرّعًا ، لكنّ التّراخي هنا قد يعني الخطر المباشر.
بعزمٍ يائس ، رفعتُ يدي و دفعته بقوّة عن كتفي.
ما لم يتحرّك رغمَ هزّه سابقًا ، سقط هذه المرّة على الأرض مصدرًا صوتًا لطيفًا : “بويييينغ!”
و في لحظة ، عاد إلى شكله البشريّ.
رغم أنّ مظهره يوحي بأنه قادر على امتصاص الصّدمات ، إلّا أنّ متانته تبدو ضعيفة جدًّا.
“آه……”
خرج من فم أسمير أنين خافت ، و كأنّ وعيه عاد سريعًا.
تحسّبًا ، دفعتُ فينسترنيس أمامي قليلًا ، و أخرجتُ القلادة من جيبي.
إن نظر إليها ، سأقدّمها فورًا.
لكنّ أسمير ، الذي بدا و كأنّه سينهض غاضبًا في أيّ لحظة ، ظلّ منكمشًا يكرّر الجملة نفسها.
“يؤلمني ، يؤلمني… يؤلمني….”
رفع فينسترنيس رأسه و نظر إليّ بوجهٍ شارد.
لم يقل شيئًا ، لكن من نظرته المتنقّلة بين يدي و وجهي ، كان من السّهل تخمين ما يفكّر فيه.
أشعر بوخزٍ شديد من الذّنب.
تنححتُ و أدرتُ نظري جانبًا قبل أن أتكلّم.
“ألم تقل إنّ مير يتحمّل الضّرب جيّدًا؟”
“لأنّ الصديقة قويٌّ جدًّا.”
“لا أظنّ ذلك…..”
مهما فكّرتُ في الأمر ، يبدو أنّ أسمير يبالغ في الألم و هو حسّاس جدًّا تجاهه.
كان كذلك في الجولة الأولى أيضًا.
عندما ضربتُ ظهر يده بشمعدان ، بكى قائلًا إنّه يتألّم و كأنّه سيموت.
صحيح أنّه أُصيب بحرق ، لكنّه لم يتألّم إلّا لوقتٍ قصير ، لذا لم تكن إصابةً خطيرة.
‘….هل يُعقل أنّه تعرّض للإساءة في الدّير؟’
في الماضي ، تجاهلتُ الأمر دون تفكير ، لكنه الآن أصبح يحمل معنى آخر.
لا نتيجة بلا سبب.
لا بدّ من وجود سببٍ ما ، و بنسبةٍ كبيرة ، توقّعي صحيح.
و إلّا ، لما اشتكى من الألم بتلك الطّريقة.
‘من ديرٍ يغسل أدمغة الأطفال و يقدّمهم قرابين ، ماذا يُنتظر غير ذلك.’
من الأساس ، وجود أدوات تعذيب في الدّير أمر غير منطقيّ.
كلّما تعمّقتُ في كشف الحقيقة ، لا تنكشف حقائق جديدة فحسب ، بل يزداد صدري ضيقًا.
هل سأتمكّن حقًّا من تحقيق حلمي بالخروج سالمة…؟
بعد أن أطلقتُ عدّة زفراتٍ طويلة ، اقتربتُ من أسمير و جلستُ بجانبه.
و في تلك اللّحظة ، ظهر نافذة النظام.
[▶يجب تهدئة أسمير. ماذا أقول؟
1. أنا آسفة لأنّني ضربتك فجأة يا مير. انظر ، يمكنكَ أن تضربني أنتَ أيضًا!
2. أنا آسفة لأنّني ضربتكَ ، لكنّ ذلك كان دفاعًا عن النّفس.
3. لم أضربكَ بقوّة أصلًا ، فلماذا تبكي هكذا؟ ]
إنّه النّمط نفسه و الخيارات نفسها التي ظهرت أثناء قدومنا إلى القبو.
كان يكفي الاعتذار فقط ، فلماذا يضيفون عبارةً لا داعي لها مثل : ‘يمكنكَ أن تضربني أنتَ أيضًا!’؟
‘أسمير قد يفعلها فعلًا……’
رغم أنّ الوقت لم يكن طويلًا ، إلّا أنّني مررتُ بالكثير و تعلّمتُ الكثير.
إلى درجة أنّه بات من الأفضل ألّا تظهر الخيارات أصلًا.
مددتُ القلادة التي كنتُ أقبض عليها بعناية إلى الأمام ، و فتحتُ فمي.
“أنا آسفة لأنّني ضربتكَ ، لكنّ ذلك كان دفاعًا عن النّفس.”
“……”
توقّف نشيجه ، لكنّ نظرة أسمير كانت حادّة كالخنجر. إلّا أنّ ذلك لم يدم سوى لحظة.
توجّهت عيناه إلى ذراعي الممدودة أمامه ، أو بالأحرى ، إلى القلادة الممسوكة من خيطها.
“وجدناها أنا و فين قبل قليل. كانت بداخلها صورة روين ، سأعطيها لك.”
“……لماذا؟ إن لم تقدّمي سببًا منطقيًّا ، فلن أقبل شيئًا منكِ ، مهما كانت صورة السّيّد روين بداخلها.”
رغم كلامه ، كان جسده صادقًا.
لم تفارق نظرات أسمير يدي لحظة.
و عندما حرّكتُها قليلًا إلى مكانٍ آخر ، تبعها و كأنّه مسحور ، ممّا جعلني أتساءل عن معنى روين بالنّسبةِ إليه.
‘يبدو أنّه من الأفضل رفع مستوى الألفة أوّلًا ثمّ سؤاله.’
فهو ، في وضعه الحاليّ ، لن يجيب بصدقٍ على أيّ حال.
ابتلعتُ تنهيدةً و بدأتُ أفكّر بجدّيّة.
التعليقات لهذا الفصل " 99"