كنتُ أتوقّع الأمر إلى حدٍّ ما ، لكن الذهول الذي أصابني عند سماع تلك الكلمات كان نتيجةً طبيعيّة.
“لا ، لماذا أرسلتَ سيغ إلى مكانٍ كهذا أصلًا…؟”
و فوق ذلك ، لعلّ تأثير مصل الاعتراف جعل الكلمات تنساب بسهولةٍ مفرطة.
كانت جملةً خرجت من فمي بلا تفكير ، لكن عندما أعدتُ النظر ، أدركتُ أنّني لا أعرف أصلًا سبب مجيء سيغ إلى القرية.
‘حين طُرح هذا الموضوع ، لم يكن الوضع يسمح بالسؤال.’
و الآن ، بما أنّ الحصول على أيّ معلومة صار أمرًا بالغ الأهميّة ، أردتُ أن أسمع كلّ شيءٍ مهما كان.
بسبب صراحتي المفرطة ، بدا الارتباك واضحًا على وجوه الفرسان الآخرين ، أمّا والد سيغ فلم يُظهر أيّ انزعاج.
كلّ ما فعله أنّه عقد حاجبيه قليلًا فوق جبينه الصّلب ، ثمّ أضاف.
“أوّلًا ، سأصحّح أمرًا واحدًا. الفتى الذي يُدعى سيغ هو على الأرجح ابني.”
“ماذا؟”
“اسم ابني هو ريجيك. أُرسل إلى القرية و هو صغير ، و منذُ ذلك الحين لم أره مرّةً واحدة. لكن منذ ذلك الوقت و أنا أسمع كثيرًا أنّه يشبهني ، لذا فلا بدّ أنّه هو. إن كان سبب سؤالكِ عن علاقتي بسيغ هو تشابه الوجوه ، فهذا صحيح.”
هذه المرّة ، أنا من قطّبتُ حاجبيّ.
ريجيك.
اسم غريب.
في نافذة الحالة التي رأيتُها داخل الدير ، كان الاسم المعروض هو “سيغ” فقط.
و فوق ذلك ، لم يتحدّث سيغ نفسه عن اسمه أبدًا.
‘انعدام العلاقة… يبدو مستحيلًا ، فالشبه بينهما كبير جدًّا.’
و منذُ البداية ، كان سيغ الوحيد بيننا الذي جاء من خارج القرية.
قد يكون من الممكن تجاهل الأمر ، لكن بعد ما شهدته داخل الدير من خللٍ في نافذة النظام ، صار الأمر يزعجني كثيرًا.
كما أنّ جهل الأب باسم ابنه الحقيقي كان أمرًا غير طبيعيٍّ بشكلٍ واضح.
تفحّصتُ وجه القائد مرّةً أخرى ، ثمّ أومأتُ برأسي و أجبت.
“نعم ، هذا صحيح. أظنّ أنّ سيغ عندما يكبر سيشبهكَ تمامًا يا سيّدي القائد. لهذا تعرّفتُ عليك فورًا. لكن ، سيغ لم يقل شيئًا عن اسمه أبدًا.”
هناك احتمالان فقط.
إمّا أنّ سيغ أخفى اسمه عمدًا ، أو أنّه نسي اسمه الحقيقي.
و بدا أنّ القائد توصّل إلى النتيجة نفسها ، إذ قال بالضبط ما خطر في بالي.
“لا بدّ أنّ ريجيك أخفاه عمدًا.”
“نعم. أو لعلّه نسي اسمه. لكن سيغ كان يتذكّر ما قاله له الشخص الذي اصطحبه إلى القرية و هو صغير. طفلٌ كهذا لا يمكن أن ينسى اسمه بلا سبب. كما أنّه لا يملك سببًا واضحًا لإخفائه. الأمر غريب.”
“صحيح. كان ريجيك طفلًا نبيهًا و ذكيًّا ، يتعلّم عشرة أشياء من تعليم واحد. لا يمكن أن ينسى اسمه ، و لا سبب لديه لإخفائه.”
الأمر محيّر فعلًا.
لكن طالما أنّ سيغ ليس هنا ، فلن أحصل على إجابةٍ حاسمة.
الأهمّ الآن هو الاستماع إلى حديث القائد.
“هل أنتَ من النوع الذي يعشق ابنه بجنون يا سيّدي القائد……؟ آه ، أعتذر. الكلمات تخرج من فمي دون أن تمرّ على عقلي. على أيّ حال ، لماذا لم تأتِ لزيارة سيغ و لو مرّة؟ و سألتُك قبل قليل أيضًا ، لماذا أرسلتَ سيغ إلى تلكَ القرية تحديدًا؟”
عند سماع عبارة “يعشق ابنه بجنون” ، تغيّرت تعابير الفرسان مرّةً أخرى ، لكن لا حيلة لي في ذلك.
كلّ هذا بسبب مصل الاعتراف الذي جعلوني أشربه___
و بمزاجٍ يشبه السُّكر ، واصلتُ طرح الأسئلة بلا تردّد ، فتنفّس القائد بعمق.
“أشعر و كأنّني أنا مَنٔ يخضع للاستجواب. ألم تقولي إنّ لديكِ ما تريدين قوله عن القرية؟”
“نعم. لديّ الكثير ، لكن… أرى أنّ معرفة قصّة سيغ أمرٌ بالغ الأهميّة أيضًا.”
قد يكون مجرّد حدس ، لكن لديّ شعورٌ قويّ بأنّ هناك شيئًا متشابكًا في الأمر.
فلو لم يكن كذلك ، لما كان من المنطقيّ أن يُرسل ابن قائد فرسان المعبد إلى قريةٍ ما بعد تغيير اسمه ، و لا أن يصبح ذلك الابن صديقًا لنا و يدخل الدير معنا.
عند كلماتي الجادّة ، ازداد العبوس بشكل أعمق بين حاجبيّ القائد.
و بعد لحظة ، انفصلت شفتاه المشدودتان في زفرةٍ ثقيلة.
“حسنًا. بما أنّني خالفتُ القواعد و جلبتُكِ إلى هنا ، فلا بأس بأن أقدّم لكِ شرحًا. لكن ، إن عدتِ حيّة ، فلا يجب أن تخبري ريجيك أبدًا بأنّني ما زلتُ على قيد الحياة.”
“……حسنًا.”
إن عـدتُ حيّـة.
ما إن سمعتُ تلك العبارة ، حتّى تسلّل القلق إلى صدري ، إذ توقّعتُ ما سيأتي بعدها.
القائد ، الذي لا أعرف اسمه حتّى الآن ، أطلق زفرةً أخرى ثمّ بدأ الحديث.
“عندما كان ريجيك في السابعة من عمره ، توفّيت والدته بسببِ مرضٍ مجهول السّبب. في ذلك الوقت ، كنتُ قد توجّهتُ إلى حملة قمعٍ في منطقةٍ بدأت فيها الوحوش بالهيجان فجأة. كانت المهمّة تشمل التحقيق أيضًا ، فقد تستغرق أسابيع قليلة ، أو تمتدّ لسنوات ، و قد أفقد حياتي خلالها. حينها ، اقترح عليّ الكاهن الأعظم أمرًا. سألني إن كان من المناسب إرسال ريجيك إلى القرية ليكون مراقبًا.”
“مراقب…؟”
“ألا تعرفين ذلك؟ يبدو أنّني أخطأت. اعتبري أنّكِ لم تسمعي شيئًا…….”
“لا ، يجب أن أسمع. لا بدّ أن أعرف. أرجوك ، أكمل حديثك.”
لدي شعور سيّئ.
ليس سيّئًا فحسب ، بل سيّئًا للغاية.
‘ليس لأنّ سيغ قد يكون الشرير الخفيّ!’ ، بل لأنّهم قد يكونون فرسان المعبد أنفسهم.
نظر القائد إلى وجهي الذي لم أُخفِ عليه يأسي ، و لحسن الحظّ تابع كلامه.
“إنّه تقليدٌ لدى فرسان المعبد. مرّةً كلّ عشرات السنين ، يُرسَل طفل من أبناء الفرسان إلى قرية المجرمين ليكون مراقبًا. اختيار الطفل يتمّ على يد الكاهن الأعظم. و لا يُسمح لأيّ شخصٍ بالتواصل معه حتّى يبلغ سنّ الرشد ، كما يتم اخبار الطفل بأنّ والديه قد ماتا.”
“لا أعلم التفاصيل. الشخص الوحيد الذي يمكن للطفل التواصل معه حتّى بلوغه هو الكاهن الأعظم. و بعد تفكيرٍ طويل ، قبلتُ اقتراحه. فمهما كانت قرية المجرمين ، كما قلتِ ، هم مجرّد أحفاد متعصّبين مختلّين ، لم يرتكبوا هم أنفسهم ذنبًا.”
“…….”
“و فوق ذلك ، أكّد لي الكاهن الأعظم مرارًا أنّ الطفل سيُربّى بعنايةٍ فائقة ، فوثقتُ به. كان هناك طفل آخر مُرشّح ، لكنّه قال إنّ نشأة ريجيك في الطبيعة بصحّةٍ جيّدة أفضل من أن يكبر وحيدًا بلا والدين. و بعد ستّ سنوات ، عندما عدتُ من الحملة ، أصبحتُ قائد فرقة مراقبة القرية و بقيتُ هنا مع رجالي ، إلى أن يبلغ ريجيك سنّ الرشد و يغادر القرية.”
بدأت قطع اللغز تتّضح واحدةً تلو الأخرى.
سيغ ليس مراقبًا على الإطلاق.
لم يكن يعرف أسرار القرية ، و لا شيئًا عن الدير.
هل تظاهر ببراعةٍ و خدع الجميع؟
مستحيل.
لو كان كذلك ، لاكتشفه روين.
الشخص الذي يجب الشكّ فيه الآن هو ذلك الكاهن الأعظم.
“قلتَ إنّه تقليد ، أليس كذلك؟ إذًا ، هل أُرسل أطفال آخرون كلّ هذه السنوات ، مرّةً كلّ عدّة عقود؟”
“نعم.”
“……و ماذا حلّ بهؤلاء الأطفال؟”
“الأطفال الذين يصبحون مراقبين ، عندما يبلغون سنّ الرشد ، يغادرون القرية و يبدؤون حياةً جديدة باسمٍ جديد. تحسّبًا لأيّ طارئ. لقد أدّوا واجبًا مشرّفًا على مدى سنواتٍ طويلة ، لذا يُمنحون مكافأةً مناسبة. ريجيك سيكون مثلهم.”
حياةٌ باسمٍ جديد.
و بعبارةٍ أخرى ، لا أحد يعرف إن كانوا قد عاشوا فعلًا أم ماتوا.
كنتُ أعلم أصلًا أنّه لم يعـد أحدٌ منهم حيًّا.
و كلّ حديثٍ عن واجبٍ مشرّف أو مكافأةٍ مناسبة بدا مجرّد هراء.
يبدو أنّ مفعول مصل الاعتراف كان قد بدأ يزول ، لأنّ هذه الفكرة لم تخرج من فمي.
ابتلعتُ ريقي بسرعة ، ثمّ طرحتُ سؤالًا جديدًا.
“إذًا ، الشخص الذي اصطحب سيغ إلى القرية كان كاهنًا من المعبد أيضًا؟”
ذلكَ الذي أوصاه بألّا يتحدّث عن الحاكم .
عند سؤالي ، أومأ القائد برأسه ببطء.
“……سؤالٌ أخير فقط. هل كان لدى أيّ فارسٍ أو كاهنٍ آخر في فرسان المعبد طفل في عمرٍ مقارب لعمر سيغ؟”
“لا أعرف سبب سؤالكِ، لكن لا ، لم يكن هناك. كان هناك أطفال أصغر أو أكبر ببضع سنوات ، لكن ليس في العمر نفسه. في حالتي ، كنتُ متزوّجًا قبل انضمامي إلى فرسان المعبد ، و لهذا وُلد ريجيك. أمّا الكهنة و الفرسان الآخرون ، فقد نذر معظمهم أنفسهم لعيش حياتهم بعفّة ، فلم يتزوّجوا أصلًا. هؤلاء الأشخاص الذين هنا جميعهم عزّاب.”
“آه ، سيّدي القائد….”
ضحك الفرسان بإحراج.
يبدو أنّه حاول تخفيف التوتّر لأنّني كنتُ متصلّبة ، لكن لم يكن بوسعي أن أضحك معهم.
الآن صار الأمر واضحًا.
فرسان المعبد…… أو على الأقلّ ذلك الكاهن الأعظم ، ليسوا في صفّ العدالة.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 131"