فإن كان الاحتمال الأوّل ، فهذا يعني أنّني ارتكبتُ خطأً فادحًا و دخلتُ فم وحشٍ مفترس ، و إن كان الثاني ، فهذا يعني أنّ من بين الفرسان الذين أُخرجوا إلى الخارج شخصًا مُريبًا.
جمع القائد ملامحه ، ثم نهض و وجهه متصلّب ببرودة.
“……يبدو أنّ هناك شيئًا لا أعرفه.”
ثم اقترب منّي بسرعة.
و في اللحظة التي شددتُ فيها قوّتي على ساقَيّ المرتجفتين و وقفتُ ، أخرج القائد من حِجره خنجرًا في غمده و قدّمه لي.
“احتفظي به. سيكون أفضل من البقاء عزلاء.”
نعم ، أيّ شيءٍ في اليد كان مفيدًا.
و حين تسلّمتُ الخنجر ، انحنى القائد برأسه قليلًا.
“شكرًا لك. بفضلك نجوت بحياتي.”
ثم حمل سيفه و قفّازيه اللذين كان قد وضعهما جانبًا ، و قال لأرنو:
“احمل سيفكَ يا أرنو. سنتحقّق من الوضع في الخارج و نعود إلى المعبد.”
“قـ ، قائد! مغادرة موقع الحراسة دون إذن….!”
“هل ستبقى أنت إذن؟ يجب أن ألتقي بالكاهن الأعظم و أستمع إلى تفسيره.”
ارتدى القائد قفّازيه ، و سحب سيفه ، ثم خرج دون تردّد.
نظرتُ إلى أرنو المرتبك مرّةً ، ثم تبعتُه إلى الخارج.
كان الخارج ما يزال يحمل آثار انفجار القنبلة.
و لحسن الحظ ، لم تكن هناك بقايا بشرٍ متناثرة___
فحتّى لو كان دفاعًا عن النفس ، لكان الأمر مزعجًا للغاية لو قتلتُ شخصًا بيدي.
تفحّص القائد المكان ، ثم نظر إلى الإسطبل و قطّب جبينه.
“الخيول هادئة أكثر من اللازم.”
“صحيح. انفجرت قنبلة بجوارها مباشرة ، و مع ذلك لم تهج و لم تثُـر….”
كما توقّعنا ، لم يكن الأمر مطمئنًا.
بعد قليل ، خرج أرنو مهرولًا و هو يلهث ، و في يده مصباح.
و حين تبعنا القائد إلى الإسطبل ، توقّف فجأة ، فتجمّدنا إلى جواره.
لم يكن في الإسطبل خيولٌ فقط ، بل كان هناك فارسان آخران مطروحان أرضًا.
و كانا كلاهما ميتين.
“…….”
أطلق القائد نفسًا خافتًا ، و اقترب من أحد الفرسان الساقطين.
و حين قرّب أرنو المصباح و أضاء له ، تفحّص القائد حالة الجثّة و تمتم:
“لا توجد إصابات ظاهرة ، لكنّ اللسان ذائب. هل استُخدم السّم؟”
“…هذا فعلٌ يناسب غريتل. لا يوجد سوى الحصان الذي كانت تركبه. يبدو أنّها عادت إلى المعبد ، لكن لا يمكننا الذهاب إلى هناك و نحن عُـزّل ، و حتى لو ذهبنا فسيكون الأمر خطيرًا. مهما نظرتُ إلى الأمر ، أليس هذا لإسكات الأفواه؟”
كانت الأمور تسير في اتّجاهٍ غريب.
بقيتُ صامتة لأنّ التدخّل بدا غير مناسب ، لكنّ نظر القائد اتّجه نحوي.
“ريبلي ، أليس كذلك؟”
“آه ، نعم.”
“أعتذر ، لكنّي لا أعرف طريقةً لختم ذلك الشيء أو إزالته.”
“……نعم. توقّعتُ ذلك. و هل …الكاهن الأعظم لا يعرف أيضًا؟”
“لن يعرف. لو كانت هناك طريقة ، لما تركها مُهملةً بهذا الشكل أبدًا.”
هناك شيءٌ غير طبيعيّ.
كنتُ أظنّ ، بسبب مشكلة سيغ ، أنّ الكاهن الأعظم شخصٌ مُريب و ليس في صفّ العدالة ، و كان ذلك رأيًا ذاتيًّا بحتًا.
لكن مع اكتشاف حقائق جديدة و تغيّر الظروف ، لم أستطع إلّا أن أزداد حذرًا.
كنتُ أفكّر الآن: أليس من الممكن أنّ الكاهن الأعظم ترك الحاكمة عمدًا دون أي تدخّل؟
رغم معرفته بطريقة الختم أو الإزالة ، تركها كما هي.
‘و إذا كان أرنو قد صُدم بشدّة عند معرفته بوجود الحاكمة ، فهذا يعني أنّ العالم يُخفي الأمر بالتأكيد.’
لكن لم أشعر على وجه القائد بأيّ شكّ أو عداء.
قُتل اثنان من مرؤوسيه ، و كاد هو نفسه أن يموت ،
و مع حديث “إسكات الأفواه” هذا ، لا بدّ أنّه يُدرك خطورة الوضع.
و مع ذلك، ظلّ على ثقته بالكاهن الأعظم.
حدّقتُ فيه بتردّد ، ثم طرحتُ سؤالي:
“قبل قليل ، ذكر الفارس أرنو أمر إسكات الأفواه. هل يمكن أن توضّح لي ما المقصود؟ بصراحة ، أشعر أنّ الكاهن الأعظم مُريب جدًّا ، و مع كلّ ما حدث ، يبدو أنّكَ ما زلتَ تثق به.”
“كم تعرفين عن فرسان المعبد؟”
عاد إليّ سؤالٌ بلا سياق بدلًا من الإجابة ، لكنّني أجبتُ فورًا:
“لا أعرف سوى أنّهم هاجموا دير لاتري في الماضي و ألقوا القبض على المتعصّبين ، و منذ ذلك الحين و هم يراقبون القرى لمئات السنين.”
مهما كانوا جماعةً مشهورة ، لم أخرج قطّ خارج القرية طوال حياتي السابقة ، و فوق ذلك ، يبدو أنّني كنتُ طفلة متروكة قام المعبد بتربيتي.
لم أكن أعرف شيئًا لا عن فرسان المعبد و لا عن شكل العالم نفسه.
و أثناء إجابتي ، كان القائد قد رتّب جسدَي الفارسين الميّتَين باحترام ، ثم تابع كلامه:
“يُقال إنّ في هذه الأرض الكثير من الحكام. و بعدد الحكام وُجدت مختلف المعابد. و كانت قوّة الحاكم تزداد كلّما كثر عدد أتباعه ، و كان يمنح قوّته لمَن يقدّسه بإخلاصٍ أكبر.”
كنتُ أتوقّع أنّه لن يكون عالمًا عاديًّا ، لكنّه بدا حقًّا كحديثٍ عن عالمٍ آخر.
و ربّما كان شعوري بذلك أقوى لأنّني ، كما قال روين ، رأيتُ عالمًا آخر و أنا في حالة الروح.
كان بعيدًا كلّ البعد عمّا تخيّلته عن العصور الوسطى.
‘لكن ما يهمّني حقًّا هو الكاهن الأعظم….’
كدتُ أفتح فمي مرّةً أخرى ، لكنّي قرّرتُ الانتظار قليلًا.
اقترب القائد من حصانٍ أسود ساقط. كان ذلك الحصان الذي وجدته رائعًا قبل قليل.
ربّـت القائد على عرفه ببطء ، ثم أخرج سكينًا أصغر بكثير من الخنجر الذي أعطاني إيّاه ، و قطع قليلًا من عرف الحصان.
و وضعه في جيبه ، ثم واصل شرحه:
“لكن كما أنّ البشر ليسوا جميعًا طيّبين ، فإنّ طباع الحكام كانت متنوّعة أيضًا. فمنهم مَنٔ كان يرغب في القتل و الحرب ، و منهم مَنٔ كان يطلب قرابين بشريّة.”
“قرابين بشريّة….”
“نعم. تلك الحاكمة التي قلتِ إنّها نائمة لا بدّ أنّها من هذا الصنف ، إن كانت حاكمة حقيقيّة.”
كان في نبرته شيءٌ مريب. و قبل أن أُميل برأسي متسائلة ، دوى صوت أرنو:
“كانت هناك كائنات اعتُبرت حاكمة و هي ليست كذلك في الحقيقة. الناس كانوا يصدّقون بوجودٍ لا يعرفون ماهيّته و يقدّسونه……”
كائنات لا يُعرف ما هي. أثارت العبارة لديّ إحساسًا مألوفًا.
نظر أرنو بوجهٍ كئيب إلى الفرسان الميّتين ، ثم تابع بصوتٍ منخفض:
“و كما قال القائد قبل قليل ، فإنّ الحاكمة التي ترغب في القتل و الحرب تندرج ضمن تلك الفئة المزيفة. كانوا يُشعلون الحروب أو يقتلون الناس عشوائيًّا. و أحيانًا كانوا يقدّمون أجزاءً من أجسادهم قرابين ، أو ينشرون الأمراض.”
“الأمراض…… كيف ينشرونها؟”
“كان هناك حاكم مزيّف يملك قوّة نشر الأوبئة. و كلّما ازداد عدد المصابين بالأمراض المعدية في العالم ، ازدادت قوّته. فكان أتباعه يتجوّلون و ينشرون المرض في كلّ مكان. كان عصرًا مروّعًا.”
“قيل إنّ وباءً انتشر فجأة في دير لاتري أيضًا. و بسبب ذلك لم تحصل الحاكمة على القربان الموعود ، فغضبت و تعرّض الدير لهجوم من فرسان المعبد. هل يمكن أن يكون هناك رابط؟”
“لا يوجد ما يؤكّد ذلك في السجلاّت ، لكن بالنظر إلى الوضع ، من المرجّح أنّ أحد أتباع حاكم الوباء هو مَنٔ نشر المرض. ربّما كان يحاول كسب أتباعٍ فقدوا إيمانهم و تقوية نفسه.”
وصف أرنو ذلك العصر بالمروّع ، و كان الوصف في محلّه.
كنتُ أظنّ أنّ مشكلة دير لاتري وحده ، لكن لم يكن الأمر كذلك.
لقد كان هذا العالم نفسه ، بكلّ ما فيه ، عالمًا يائسًا إلى حدٍّ مرعب.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 133"