“…أنا لا أملك واحدة ، لكنّي رأيتُ قديمًا أحد الفرائس يُخفي شيئًا في القبو.”
“آه.”
صحيح.
فعلى مدى مئات السنين ، من المؤكّد أنّ أشخاصًا غيرنا بحثوا عن الخريطة.
و خلال تلك العمليّة ، من المحتمل تمامًا أنّ حوادث مختلفة وقعت ، ففُقدت القطع أو أُخفيت أو تعرّضت للتلف.
‘حتّى أنا كنتُ قلقةً من احتمال نشوب صراع حول ملكيّة قطعة الخريطة.’
فهمتُ أخيرًا لماذا كانت موجودةً في درج أو داخل خزانة.
لكن مع ذلك ، راودني تساؤل واحد ، فالتفتُّ إلى فينسترنيس المعلّق عند خصري و سألته.
“فين ، لماذا كنتَ تحتفظ بها؟”
“لأنّها ممتعة.”
“ممتعة؟”
“إذا رميتها للفرائس المختبئة…. فإنّها لا تبقى مختبئة، بل تخرج لتبحث عنها. ممتع.”
انحنت عيناه المتدلّيتان بانحناءةٍ ضيّقة ، و انفجر منه ضحكٌ مكتوم.
حسنًا ، هكذا إذًا___
الآن فهمتُ لماذا تركها فجأةً في غرفة الصلاة___
‘كان واضحًا منذُ البداية أنّه ليس طبيعيًّا’
شدَدتُ توتّري الذي كان قد تراخى من جديد مع هذا الإدراك المتأخّر.
لم يظهر ذلكَ في اللعبة لأنّها كانت تسير كلّها من منظور روين ، لكن وِفق الإعدادات ، أليس من المحتمل أنّ رؤية لاس في الهلوسة و هو يهرب نحو البرج كانت بسبب الخريطة؟
‘إذا فكّرتُ في الأمر ، فحتّى لاس ، الذي كان خائفًا مثلي أو أكثر منّي ، حاول عبور ذلك الجسر المتأرجح ، و كان هذا غريبًا.’
مهما كانت الحالة التي يُطارَد فيها من قِبل وحش ، فالأرجح أنّه كان سيجلس منهارًا و يبكي و يتذمّر قبل أن يحاول ، تمامًا كما فعلتُ أنا.
‘ وفي الهلوسات التي رأيتها ، قال بصراحة إنّه سيهرب.’
الأكيد أنّنا لن نعرف الحقيقة إلّا بعد جمع الخريطة كاملة ، لكن جميع مخارج الهروب التي اكتُشفت في اللعبة كانت فخاخًا. حتّى الممرّ السرّي في القبو الذي بدا و كأنّه متّصل بالخارج ، لم يكن في النهاية مخرجًا حقيقيًّا.
بعد تفكيرٍ قصير ، وجّهتُ سؤالًا إلى أسمير و فينسترنيس.
“في نهاية ممرّ الطابق الرابع ، هناك باب ، أليس كذلك؟ و إذا فتحناه يظهر جسر. ماذا يوجد في البرج الذي يُرى خلف ذلك الجسر؟”
كانت ردّة الفعل المتوقّعة واحدةً من اثنتين.
إمّا أن يجيبا ببساطة ، أو أن يتّخذا موقفًا فاترًا و يتساءلا لماذا عليهما إخباري بذلك.
لكنّ أن يصمت الاثنان في آنٍ واحد و يحدّقا بي مباشرةً ، فهذا ما لم أتوقّعه.
و فوق ذلك ، بوجوهٍ ذات حدقاتٍ مشقوقةٍ طوليًّا ، و هو ما كنتُ أكرهه بشدّة.
“…….”
يبدو أنّني دُسا على لغم ما.
نظرتُ إلى الأمام ثمّ إلى الخلف ، و بدّلتُ نظري بين أسمير و فينسترنيس مرّتين ، ثمّ أضفتُ بهدوء.
“أظنّني طرحتُ سؤالًا محرجًا دون انتباه. لنتجاوز هذا الموضوع و نتحدّث عن شيءٍ آخر…… آه!”
في لحظةٍ واحدة ، شدّ فينستيرنيس ذراعه الملفوفة حول خصري بقوّة.
شعرتُ بضغطٍ على بطني ، فانحنيتُ مطلقةً صرخةً قصيرةً و حادّة.
“فيـ ، فين. من فضلك، أيمكنكَ أن تتركني؟”
“لا. قلتِ إنّنا جسدٌ واحد. و قلتِ إنّنا لسنا مجرّد أصدقاء ، بل أصدقاء مقرّبون.”
“…لا أستطيع التنفّس. يكفي أن تُخفّف القوّة قليلًا….”
عندها فقط ، و بعد أن سمع كلامي الذي خرج بصعوبة ، تراخت ذراعه قليلًا.
سحبتُ نفسًا عميقًا ، فنبضت عظامي بألم.
أطلقت تنهيدة بشكلٍ تلقائي ، و أنا أفكّر أنّ خصري كان يمكن أن ينكسر لو تأخّر قليلًا.
“أنا ضعيفة ، لذلك أرجو أن تعاملني بحذر.”
“الصديقة قويّة.”
“ما هذا الكلام؟ أنا ضعيفة جدًّا.”
“لا. قويّة. لقد فعل روين السيّد روين بكِ هذا و ذاك ، و مع ذلك كنتِ بخير.”
“.…هذا و ذاك؟”
كان الإيحاء غريبًا جدًّا ، لدرجة أنّ عينيّ أسمير ضاقتا.
و بما أنّني كنتُ متوتّرةً أصلًا منذ قليل ، سارعتُ إلى إخباره.
“مير! مهما يكن ما تفكّر فيه ، فـ ‘هذا’ الذي فعله روين بي كان فقط لإيقاعي في فخ ، و ‘ذاك’ كان لمحاولة قتلي ، لا أكثر!”
“السيّد روين حاول قتلكِ.”
“نعم. حاول أن يقتلني .… لا ،انتظر لحظة. ما بك؟”
أضاءت حدقتا أسمير ببرودةٍ حادّة. و فوقهما ، ظهرت نافذةٌ تُظهر أنّه يشعر نحوي بنيّة القتل. بل عدّة نوافذ.
و لم يكن ذلك كلّ شيء.
[‘يبدو أنّ علم نهاية 13—فتاة التعذيب قد تمّ تفعيله!’]
سأجنّ حقًّا.
حاولتُ التراجع خطوةً بلا وعي ، لكنّ فينسترنيس وقف كالصخرة خلفي ، فلم أستطع التحرّك.
فتح أسمير فمه بوجهٍ خالٍ من التعبير.
“إذا كان السيّد روين قد حاول قتلكِ ، فعليكِ أن تموتي.”
“لكنّه في النهاية لم يقتلني و تركني!”
“محاولته للقتل لا تتغيّر. عليكِ أن تموتي هنا.”
“أيّ منطقٍ سخيف هذا؟!”
تحوّل الموقف من تجنّب الدّوس على البراز إلى الدّوس على الإسهال بدلًا منه.
كنتُ قد وضعتُ الشمعدان و الكتاب جانبًا عندما حاولتُ احتضان أسمير ، لذا لم يكن لديّ أيّ سلاح.
لم يبقَ لي سوى قبضتي و ‘درع الصداقة’.
‘كان الوصف يقول إنّه سيحميني بلا وعي عند الوقوع في خطر…!’
كان لا بدّ لي من الشعور بالتوتّر ، فأسمير كان أذكى من فريسينغير بلا شكّ ، و هذا جعله أخطر.
و فوق ذلك ، كان عنيدًا بشكلٍ لا يُطاق. إن لم أنهي الأمر كما يجب ، فمن المؤكّد أنّه سيلاحقني بإصرار.
انجذب بصري تلقائيًّا نحو الحائط.
‘مخلب القط….’
كان ذلك السلاح الحادّ الذي يشبه المعول ، و الذي شرحه أسمير في الجولة الأولى.
حينها ، مجرّد سماع الشرح و رؤية شكله كانا كفيلين بإصابتي بالغثيان ، لكنّه الآن كان سلاحًا ممتازًا بالنّسبة لي.
يقال إنّ القتال يُحسم بالضربة الأولى.
سواء كان هذا صحيحًا أم لا ، فأسمير كان فعلًا ينوي التخلّص منّي ، لذا كان عليّ أن أقاوم بأيّ وسيلة.
لكن في لحظة صمتٍ قصيرة جدًّا ، ظهرت نافذة اختيارات أخرى.
[▶يجب إيقاف أسمير. ماذا أفعل؟
1. أندفع نحوه و أحتضنه و أتعلّق به.
2. أتجنّب الهجمات و الفخاخ و أحاول إقناعه.
3. ألكمه فجأةً و أفقده الوعي. ]
ما إن ألقيتُ نظرةً سريعة على الخيارات ، حتّى ظهرت نافذةٌ صغيرة و بدأ العدّ التنازلي من 7.
تمامًا كما حدث عندما ظهر شبح الرأس العملاق لأوّل مرّة في المكتبة.
كنتُ أعلم غريزيًّا.
عندما يصل هذا إلى 0 ، سيهاجمني أسمير. لم يكن لديّ متّسعٌ من الوقت للتفكير طويلًا___
“سأقتلـ—”
“……!”
ما إن خرجت كلمة “اقتلـ” من فم أسمير ، حتّى اندفعتُ نحوه بلا تفكير ، و غرستُ قبضتي في وجهه.
و بالتحديد، بين جسر أنفه و جبهته ، أي في منتصف الحاجبين.
في تلكَ اللحظة ، لم أشعر حتّى بوزن فينسترنيس.
و مع لحظة إصابة اللكمة لهدفها ، اختفت الهالة القاتلة التي كانت تضغط على جسدي ، و سقط أسمير إلى الخلف.
“هل ، هل انتهى الأمر؟”
“الصديقة…. لا تبدو ضعيفة أبدًا…. حتّى فرين و مير قويان ، لكن….”
“يُقال إنّ الإنسان يُظهر قوّةً هائلة في لحظات الخطر. يبدو أنّني شعرتُ الآن بخطرٍ يهدّد حياتي فعلًا…؟”
كنتُ أتابع كلامي بحذر ، خشية أن ينهض مجدّدًا ، حين بدأ جسد أسمير الملقى يتقلّص تدريجيًّا ، ثمّ تحوّل إلى ذلكَ الوحش السائل الذي رأيته سابقًا.
داخل السائل الذهبي ، كانت الفقاعات تغلي و تصعد.
“.…إذًا ، من المؤكّد أنّه يتحوّل عند فقدان الوعي.”
“نعم. لكن مير و ديلا و فرين لا يتذكّرون. باستثنائي و السيّد روين.”
“ديلا…… تقصد إيديلاين ، أليس كذلك؟ هل يتحول إيديلاين عندما يتغير إلى امرأةٍ ذات رأسٍ ضخم جدًّا وشعرٍ طويل و مظهرٍ مرعب؟”
شعرتُ بفينسترنيس يضع جبهته على ظهري و يومئ برأسه.
تابعتُ السؤال ، و أنا أراقب الوحش السائل خشية أن يهاجم من جديد.
“و عندما يتحوّل فريسينغير ، يصبح رجلًا بلا عيون و فمه مخيط.”
و مرّةً أخرى ، شعرتُ به يومئ.
“إذًا ، هل تعرف سبب تحوّلهم؟”
“نسيت.”
“….هل يمكن نسيان ذلك؟”
“ذكريات قديمة ، باهتة.”
توقّفتُ عند هذا الهمس الخافت.
عندما ربطتُ بين ردّة فعل أسمير قبل قليل و كلامه الآن ، توصلتُ إلى استنتاجٍ واضح.
أهداف الإستراتيجية ، باستثناء روين ، لا يتذكّرون حياتهم السابقة.
‘هذا جيّد بالنّسبةِ لي….’
لو كانوا يعتبرونني عدوّة لهم ، لما تمكّنا من تبادل الحديث أصلًا ، بل لكانوا قد ذبحوني فور رؤيتي.
من هذه الناحية ، كان الأمر مطمئنًّا جدًّا ، لكن شعوري بقي مضطربًا.
‘.…لنذهب إلى القبو أوّلًا.’
قال أسمير قبل قليل إنّه رأى قديمًا إحدى الفرائس تُخفي قطعة خريطة في القبو.
و إذا فكّرتُ بالأمر ، ففي الجولة الأولى كنتُ قد تقاسمتُ الاستكشاف مع روين ، و لم نتحقّق من المكان بدقّة.
المشكلة كانت ماذا أفعل بأسمير بعد أن أصبح وحشًا سائلًا الآن.
من أجل أن أتقرب منه ، من الأفضل اصطحابه ، لكن كيف أنقله؟ و ماذا لو استعاد وعيه و هاجمني مجدّدًا؟
بينما كنتُ متردّدةً لا أدري ماذا أفعل ، تحدث فينسترنيس و كأنّه فهم حيرتي.
“إذا فقد الوعي مرّةً أخرى ، يعود إلى مير.”
“آه ، صحيح. لكن ماذا لو عاد و حاول قتلي مجدّدًا؟”
“…….”
لم يأتِ جواب. يبدو أنّه لا يوجد حلّ واضح.
حسنًا. إذا حدث شيء ما، سأفقده الوعي مرّةً أخرى.
كلّ شيءٍ صعب في المرّة الأولى.
نظرتُ حول الغرفة و قرّرتُ البحث عن أداةٍ يمكنني بها نقل الوحش السائل.
________
ملاحظة :
تم تغيير اسم إديلين إلى إيديلاين لكي يتماشى مع اختصار ديلا.
التعليقات لهذا الفصل " 97"