عندما عجزتُ عن الردّ و اكتفيتُ بتحريك شفتيّ بلا صوت ، محا روين ابتسامته سريعًا و قال:
“لماذا لا ينجح الإغراء معكِ؟ مظهري كان مفيدًا جدًا مع بقية فرائسي.”
لم تظهر نافذة النظام ، لكن يبدو أنّه فعل شيئًا ما مجدّدًا.
صحيح أنّ روين وسيم بشكلٍ مبالغ فيه ، لكن غريزة البقاء لديّ كانت أقوى من أن تسمح لي بأن أُسحر بلا وعي.
على أيّ حال ، خفّ التوتّر المشدود قليلًا.
أجبتُ بضعف:
“أنا أنظر إلى الشخصيّة.”
“يبدو أنّ لديكِ الكثير من الملاحظات على شخصيّتي.”
“…أعني أنّ الشخصيّة أهمّ من الوجه! بالمناسبة ، إن كان هناك تمثال هنا من الأصل ، فهل هو تمثال تلكَ العملاقة؟”
حين سألتُ و أنا أتذكّر الأشكال الأصليّة للرسومات التي كانت تملأ الجدران ، ضاقت عينا روين.
كان تعبيره كأنّه يسأل: و لماذا تظنّين ذلك؟ فأجبته فورًا:
“كنتُ أنظر إلى اللوحات الممزّقة هناك ، فظهرت لي صورها قبل أن تُشوَّه. و كلّها كانت لعملا… أعني ، كانت هي المرسومة.”
“رأيتِ ما كانت عليه الرسومات؟”
“أنتَ مَنٔ قال ذلك. قلتَ إنّ السحر قوّة تُحقّق ما يتمناه مستخدمها. و هكذا أُشعلت الثريّا أيضًا….”
خشيتُ أن يحاول قتلي فجأة ، فتملّكني الخوف بلا سبب.
بدأتُ أفكّر بجديّة في احترام كبار السنّ.
صحيح أنّ فريسينغير لم يُبدِ احترامًا بل هاجمني ، لكن لنتجاهل ذلكَ الآن.
روين ، خلافًا لمظهره ، كبير في السنّ جـدًّا.
فلأتعامل معه بأدب كما لو كنتُ أواجه جدًّا عجوزًا عصبيًّا ، صارمًا ، و عنيدًا.
‘احترام كبار السنّ ، لا الاعتداء عليهم ، لا ، الاحترام….’
بينما كنتُ أحاول غسل دماغي بهذه الأفكار بجدّ ، سأل روين فجأة:
“أين الكتاب؟”
“الكتاب؟ آه ، إن كنتَ تقصد ذلك الكتاب الأبيض ، فقد تركتُه هناك. حيث الأطفال… هل هو شيء مهم؟”
“الآن ، هو الشيء الوحيد المتبقّي.”
الوحيد.
تفسيره مقتضب ، لكنّي فهمتُ ما يقصده.
في الدورة الأولى ، رغمَ رؤيتي لذلك الحلم الغريب ، لم أستطع أن أظنّ أنّ هذا المكان كان ديرًا ، لأنّ آثاره تكاد تكون معدومة.
طبعًا ، وجود غرفة صلاة و كثرة الشمعدانات ، و ربّما وجود سمات دينيّة في غرف أخرى لم أزرها ، كان قد يثير الشكّ ، لكنّ أمر العملاقة تحديدًا لم أكن لأعرفه.
قبضتُ على طرف ثوبي ثم تركته ، و سألتُ بهدوء و حذر:
“رأيتُ هلوسة في غرفة النَّسخ. أطفالًا يرتدون ثيابًا بيضاء يكتبون شيئًا و هم يتمتمون بما يشبه الصلاة.”
“…….”
“و كان صوت تمتمتهم مطابقًا تمامًا للنقوش الموجودة في الكتاب. لكن لم أكن الوحيدة التي رأت ذلك. أصدقائي رأوه أيضًا ، باستثناء شخصٍ واحد.”
تجاوزت نظرة روين إيّاي و اتّجهت نحو التمثال.
و حين تبعتُ نظره ، تصلّب وجهي و أنا أتأمّل الثياب التي يرتديها التمثال.
الأشخاص الذين زحفوا خارج حفر النار كانوا يرتدون أردية سوداء ، مطرّزة بخيوط ذهبيّة من الصدر حتّى الأكمام.
أمّا أولئك…الأطفال الذين رأيتهم في غرفة النَّسخ ، و الذين ربّما قُدِّموا قرابين بشريّة ، فكانوا يرتدون ثيابًا بيضاء مزخرفة بشكلٍ مبالغ فيه.
و تمثال روين… كان يرتدي تلكَ الثياب البيضاء نفسها.
“…….”
كنتُ قبل قليل أستعرض تعليقات المطور و أضع افتراضات.
1. روين متعصّب مجنون ميؤوس منه ، و لا يمكن إصلاحه.
2. روين قُدِّم كقربان ، لذا امتلأ بالحقد ، و لا يمكن إصلاحه.
الآن فهمتُ الأمر على نحوٍ غامض.
سبب ختم روين هنا مرتبط بتقديمه كقربان.
و كونه قال إنّهم ليسوا مصّاصي دماء ، و سبب ظنّي أنّ “من الغريب ألّا يموت مصّاصو الدماء أو روين جوعًا” ، كلّ ذلك كان تفسيره هنا.
‘إذًا ، الأشخاص الذين خرجوا من حفرة النار….’
كان الأرجح أنّه انتقام بدافع الحقد.
و إذا كان الأمر كذلك ، فإنّ كون ليلي و بقيّة الأصدقاء يولدون مرارًا و يُقدَّمون كفرائس…
“ظننتكِ غبية ، لكن يبدو أنّكِ سريعة البديهة فعلًا. كما قلتِ بنفسك.”
ارتعش كتفاي عند الصوت الذي قطع أفكاري.
في لحظة ما ، كان روين ينظر إليّ بابتسامة تملأ وجهه.
تدفّق العرق البارد من يديّ و ظهري.
في تلكَ اللّحظة ، فهمتُ تمامًا سبب تخلي تجسيدات ليلي السابقة عن الحياة ، و سبب رأفة روين بها على نحوٍ خاص.
‘من شكل الدير ، من الواضح أنّ هناك احتجازًا و غسيل للدماغ.’
و فوق ذلك ، غرفة التعذيب التي كان فيها أسمير…تساءلتُ لماذا وُجد شيء كهذا ، لكن ربّما ارتُكبت تلك الأفعال أيضًا لأجل غسيل الدماغ.
و في خضمّ ذلك ، ليلي ، و ماريان ، و مينا ، و لاس ، و ريد ، و جين ، يولدون مرارًا ليصبحوا فرائس…
‘إمّا أنّهم المحرّضون ، أو أنّهم الأقلّ سوءًا نسبيًّا. أحد الأمرين.’
أن يُحبس المرء في حفرة نار و يُعذَّب مئات السنين ، أو أن يعيش حياة تتكرّر فيها الولادة و الموت وسط خوفٍ مجهول.
كلا الخيارين مروّع ، و من الصعب الجزم أيّهما أسوأ.
ما زالت هناك ألغاز كثيرة ، لكنّ الأهمّ الآن هو: هل أستطيع الخروج من هنا سالمة أم لا؟
عضضتُ شفتيّ الجافّتين ، و نظّمتُ أنفاسي المتقطّعة ، ثم أمسكتُ بذراع روين و صرختُ:
“أنا ، أنا لستُ ليلي الحقيقيّة! أنا مجرّد شخص تعيس و سيّئ الحظّ ، كنتُ أشتمكَ ثم وجدتُ نفسي فجأة متجسدة في جسد شخصيّة ثانويّة!”
إن كنتُ سأموت في كلّ الأحوال ، لأكن صادقة على الأقلّ.
حين تفوّهتُ بهذه الكلمات اليائسة بينما أفكر أنني لن أخسر شيئًا ، رمش روين ببطء.
ساد صمتٌ كأنّ الدم سيتجمّد فيه.
ظلّ يحدّق بي ، ثم ضحك بخفّة.
“يبدو أنّكِ لا تتذكّرين أنّكِ قلتِ هذا من قبل.”
“هاه؟”
“في الماضي أيضًا ، أمسكتِ بي حين كنتُ أتظاهر بأنّني صديقكِ و قلتِ الكلام نفسه. أنّكِ لستِ ليلي الحقيقيّة.”
“……هاه؟!”
“بصراحة ، كدتُ أنخدع هذه المرّة. لكن لا يمكنني أن أُخطئ في الروح ، أليس كذلك؟”
كان يبتسم ، لكنّ نية القتل تشع منه.
رأيتُ حدقتيه و قد امتدّتا ، و لوّحتُ بيديّ على عجل:
“مـ ، مهلاً! انتظر! قلتَ إنّها قالت الشيء نفسه في الماضي؟ ليلي؟”
فهل كان هناك شخص سيّئ الحظّ آخر قد تجسّد بجسد ليلي آنذاك؟
بخلاف ذلك ، سيبدو هذا الكلام بلا معنى
لكن يبدو أنّ روين لم يرَ داعيًا لسماع المزيد.
تمزّقت القارورة التي كان يحملها ، و شعرتُ بضغطٍ يحيط بي.
تراجعتُ بسرعة ، و في اللّحظة نفسها انفتح ثقب في المكان الذي كنتُ أقف فيه.
ظهرت نافذة النظام تُعلن أنّني تفاديتُ فخًّا ، لكن لم يكن لديّ وقت لرؤيتها.
فقد بدأت الثقوب تتوالى في الأرض ، و برزت منها مسامير حادّة.
“آه! انتظر ، انتظر قليلًا! روين ، يا هذا!”
و تحرّكتُ بخفّة فاقت دهشتي أنا نفسي ، متفاديةً كلّ شيء.
كنتُ أصرخ باسمه بيأس ، لكنّه لم يُجب.
و حين بدا أنّ مراوغتي أزعجته ، فتح فمه أخيرًا:
“توقفي عن الهرب. إن مـتِّ الآن ، فلن يؤلمكِ.”
“…المشكلة ليست في الألم أصلًا! كنّا بخير! كنّا نتحدّث جيّدًا! لا تندفع هكذا ، لنتكلّم ، آآه!”
التعليقات لهذا الفصل " 86"