كنت أحدّق فقط في نافذة النّظام التي ظهرت أمام وجه روين ، لكنّه رأى الأمر و كأنّني أحدّق فيه بإصرار.
لكنّني اعتدت على الردّ التلقائيّ كلّما استفزني روين ، فأجبت دون تفكير:
“أنتَ تشغل تفكيري كثيرًا. أتمنّى أن تكون دائمًا في مرمى نظري. قد لا تفهم ، لكن لديّ أسباب تجعلني لا أستطيع إلّا أن أشعر تجاهكَ بكلّ هذه المشاعر.”
لم أكذب أبدًا.
أصبحت أكثر جرأة ، فأمسكت يده و أضفت:
“لا أستطيع إخباركَ بالسّبب الآن…… لكن ، هل يمكنني أن أشعر تجاهكَ بهذه المشاعر؟”
لم أتوقّع أبدًا أن يقول روين “لا”.
لأنّه، كما فعل مع سيغ ، يريد أن يمنحني يأسًا أكبر.
نظر إليّ روين بهدوء ثمّ قال بابتسامة:
“ظننت حقًّا أنّكِ تحبّينني ، ليلي.”
“مـ……؟”
هذه المرّة انتفضت أنا.
لماذا يفترض أنّني لستُ كذلك؟!
رأى روين ارتباكي فبدأ يضحك بصوتٍ مسموع.
“في النّهاية، لم تقولي كلمة ‘أحبّك’ و لو مرّة واحدة. و تعبير وجهكِ لم يكن يمزح. بدوتِ كمن تبيع روحها لشيطان.”
كان صريحًا جدًّا ، فسال عرق بارد من جبيني.
هل فشل الأمر حقًّا……؟
وقفت مذهولة لا أعرف ماذا أفعل ، فمدّ روين يده إليّ و هو لا يزال يبتسم بلطف.
“أمسكي يدي. هذا الممرّ فيه شخص يحـبّ المزاح ، إنه خطير.”
تذكّرت ذكرى جرّي من كاحلي إلى القبو.
تردّدت قليلًا ثمّ أمسكت يده ، فمدّ روين الشّمعدان إلى الأمام و بدأ يتحرّك.
حاولت مواكبة خطواته ، لكنّ رأسي كان مليئًا بالحيرة من الوضع الغامض.
لاحظ روين نظراتي المتردّدة فظهر على وجهه تعبير محرج مرّة أخرى.
“إن استمررتِ في التحديق هكذا ، سأشعر بالضّيق قليلًا. أم أنّ لديكِ شيئًا تريدين قوله؟”
“لديّ شيء أريد قوله…… لكن……”
“تكلّمي بكل راحة. سأستمع إليكِ.”
شعرت و كأنّني أحلم.
ربّما يبدو الأمر سخيفًا الآن ، لكن هل مـتّ حقًّا في السابق؟
الواقعيّة و الحيويّة الزّائدة تجعلني أشكّ في كلّ شيء.
ظللت أفكّر حتّى مررنا بالسّلالم و رأينا باب المطبخ ، لكنّني لم أجد إجابة بمفردي.
“لماذا لا تقتلني؟”
سألت مباشرةً.
لقد تعبت من محاولة استكشاف نواياه.
فوجئ روين قليلًا من السّؤال المباشر ثمّ أجاب:
“لم أتوقّع أن تسألي هكذا مباشرة. أنـتِ شجاعة خلافًا لمظهرك.”
“لا ، على الإطلاق. أنا جبانة جدًّا. حتّى الآن نجحت في تجاوز الأمور بصعوبة ، لكنّني أشعر أنّني لن أتحمّل بعد الآن……”
نجحت حتّى الآن لأنّني كنت أعرف ما سيحدث.
لكن الآن تغيّر كلّ شيء ، فلم أعـد أستطيع.
حتّى الآن، كان بطني يبرد ، و جسدي يرتجف دون سبب.
ليس الموت نفسه ما يخيفني ، بل العمليّة.
في أفلام الرّعب ، الانتظار الطّويل قبل ظهور الشّبح أو الوحش هو الأكثر رعبًا.
شعرت أنّ الأمر قد فسد تمامًا و لا يمكن إصلاحه ، فأجبت بصراحة.
ضحك روين بصوت عالٍ.
كان ذلك مزعجًا جدًّا ، فتمتمت بصوت كئيب:
“لا تسخر منّي. ذلك يزعجني……”
“أستطيع تقسيمكِ إلى نصفين.”
“……الإنسان لا يُقسَّـم! أيّها الشّيطان!”
هززت يده الممسكة بي بقوّة و صرخت ، فاختفت ابتسامة روين.
أدركت خطئي فاعتذرت فورًا:
“آسفة. أنا لستُ في وعيي الآن. هل يمكنكَ التّغاضي عن هذا بعطفك الواسع؟”
“حسنًا. أنا شيطان ، لذلك ليس لديّ عطف واسع.”
“لا ، لابدّ أنّ لديك…… أريد أن أعرف المزيد قبل أن أموت ، حتّى لو مـتّ في النّهاية….”
على أيّ حال، البقاء على قيد الحياة أمر مستحيل الآن، فلأحصل على معلومات على الأقل.
قلت ذلك بهذا الهدف، لكنّ حدقتي روين اتّسعتا فجأة بشكل طوليّ.
“آه!”
صرخت و حاولت سحب يدي دون تفكير ، لكنّه جذبني بشكل أسرع.
اقتربت المسافة بيننا في لحظة.
“لـ ، لماذا؟!”
ربّما تضايق لأنّ كلامي توقّف فجأة قبل أن أُكمله.
فوجئ هو أيضًا من صرختي غير المنضبطة ، لكنّ نظره لم يكن موجّهًا إلى وجهي ، بل إلى يدي.
تبعت نظره ، فإذا بدم يسيل من أطراف أصابعي.
“هاه؟”
“لم أشمّ رائحة الدّم…… متى أصبتِ؟”
“لا ، لا أعرف. لم ألمس شيئًا.”
إن قلت إنّها إصابة مفاجئة ، سيتبادر إلى الذّهن مهارة “تساقط الدم بيب—” ، لكنّني لم أستخدمها ، و الأهمّ أنّني الآن في إعادة تشغيل ، فلم أتعلّم أيّ مهارة بعد.
“……”
على أيّ حال ، كان تركيز روين كلّه على يدي ، و هذا جيّد.
نظرت إلى وجهه ذي الحدقتين الطّويلتين ، ثمّ إلى إصبعي الذي بدا كأنّه قُطع بسكّين ، و قلت:
“هـ ، هل تريد أن تأكل ، لا ، أن تشرب……؟”
كان هذا أقصى ما استطعت جمعه من الشّجاعة.
أعرف أنّ روين يجرحني كثيرًا بعد أن يتذوّق دمي ، و مع ذلك مددت يدي عمدًا.
نظر إليّ روين بهدوء ثمّ ابتسم بلطف.
“أنتِ لم تغسلي يديكِ منذ دخولكِ إلى هنا. إنه غير نظيف ، لذا سأرفض.”
ابتسم بلطف و قال هذا الكلام.
سابقًا كان يأكل بشراهة ، و الآن يهتمّ بالنّظافة.
فتحت فمي بذهول ثم أغلقته ، لكنّ الشّخص الذي رفض لأنّه “غير نظيف” وضع فجأة إصبعي في فمه.
التعليقات لهذا الفصل " 62"