على أيّ حال، بما أنّني كنتُ أحاول التّفكير بهدوء في الوضع ولو مرّة واحدة، فقد كانت نافذة النّظام مساعدة كبيرة.
بينما أركّز على المحيط خوفًا من ظهور “الشّيء الغريب” الذي ذكره ؤوين في أيّ لحظة، كرّرتُ قراءة المحتوى مرّات عديدة.
و الخلاصة التي توصلتُ إليها بعد التّدقيق.
‘كما هو متوقّع، لا أفهم شيئًا ممّا يحدث.’
لا أعتقد أنّ ذكائي يائس إلى هذا الحدّ، لكنّ هذه الأدلّة وحدها لا ترتبط معًا أبدًا.
حتّى لو حاولتُ ملء الفراغات بالتّخمين، يجب أن يكون هناك شيء أتوقّعه أوّلًا.
تنهّدتُ عدّة مرّات، ثمّ قرّرتُ فعل ما أستطيعه الآن على الأقلّ.
‘أصلًا، كنتُ أنوي البحث عن كتب تاريخ أو خرائط عند القدوم إلى المكتبة.’
لم أتوقّع أن تكون واسعة إلى هذا الحدّ، لكنّ ذلك بالضّبط يجعلني أعتقد أنّ هناك شيئًا بكل تأكيد. ربّما قطعة خريطة على الأقلّ؟
تركتُ المصباح على الكرسيّ و وقفتُ، ثمّ مشيتُ نحو رفّ الكتب الأقرب.
مددتُ يدي نحو الكتب المرتبّة بعناية، لكن قبل أن تلمسها، ظهرتْ نافذة في الهواء.
[لا يوجد شيء مميّز بشكلٍ خاصّ.]
في اللّعبة أيضًا، كانت تظهر هذه العبارة عند التّفاعل مع رفّ الكتب، و الآن نفس الشّيء.
مع ذلك، أخرجتُ كتابًا عشوائيًّا على أمل، ثمّ أعدتُه إلى مكانه.
الجلد الذي يغلّفه قد تغيّر لونه، فمحيتْ الكتابات و الرّسوم، وفي الوسط كان هناك قفل صدئ تمامًا يمنع فتحه.
الكتب الأخرى التي لا تقفل كانت حالها مشابهة؛ الحبر جفّ، و الورق تشوّه، فمحي كلّ المحتوى.
رغم أنّ ضوء الشّمعدانات يجعل المكان أكثر إضاءة من الممرات أو الأماكن الأخرى، إلّا أنّ تمييز الآثار الباهتة مستحيل.
يبدو أنّه لا خيار سوى الانتظار حتّى يعود ؤوين.
تنهّدتُ و نظرتُ حولي، فرأيتُ وميضًا ذهبيًّا من رفّ كتب داخليّ مخفيّ في الظّلام.
ما إن ركّزتُ نظري عليه حتّى ظهرتْ نافذة صغيرة فجأة.
[إنه يشغل بالي لسبب ما. لنذهب و نتحقّق.]
هل يجب أن أذهب بالفعل للتحقّق؟
صحيح أنّه يشغل بالي، لكنّ الظّلام الشّديد يجعلني لا أريد الاقتراب.
بينما كنتُ أتردّد، تغيّر محتوى نافذة النّظام.
[إنه يشغل بالي بشكلٍ لا يُطاق. يبدو أنّني يجب أن أتحقّق فورًا. هيا، لنذهب و نتحقّق سريعًا.]
“……”
يجب أن أكون شاكرة لأنّ جسدي لم يُدفع قسرًا.
تنهّدتُ طويلًا و تقدّمتُ متردّدة نحو الدّاخل.
ذلكَ الوميض كان بسببِ كتاب رفيع. ما إن أخرجتُه حتّى اختفى النّور، و لم تظهر أيّ نافذة كالمعتاد.
‘هذا الكتاب مربوط بحبل فقط.’
الكتب الأخرى كانت تحمل أقفالاً معدنيّة، أمّا هذا فهو مربوط بحبل طويل جدًّا.
تراجعتُ إلى مكان يصل إليه ضوء الشّمعدانات، ثمّ حللتُ الحبل الضّيّق بأظافري و فتحتُ الغلاف فورًا.
في الصّفحة الأولى ظهرت صورة لشخص يصلّي.
لحسن الحظّ، كانت حالة الكتاب سليمة بفضل حفظه في مكان لا يدخله ضوء الشّمس.
مع ذلك، بدا الورق الأصفر الهشّ و كأنّه سيتّمزق بسهولة، فقلبتُ الصّفحة التّالية بحذر شديد.
الرّسمة في الصّفحة التّالية كانت غريبة جدًّا.
عملاق يجمع أذرعه المتعدّدة كأنّه يصلّي، و أناس يركعون أمامه.
وجه العملاق، المرسوم بهالة فوق رأسه و أشعّة خلفه، كان مطليّا بالسّواد تمامًا.
‘يشبه رعبًا كونيًّا……’
هل هذا بسبب اختلاف العالم؟
بدلًا من الإعجاب به، وجدته غريبًا و مثيرًا للقشعريرة.
نظري إلى الوجه الأسود جعلني أشعر بغرابة، فانتقلتُ سريعًا إلى الصّفحة التّالية و عبستُ.
كان شكل العملاق نفسه، لكنّ النّاس الذين كانوا يصلّون تحوّلوا إلى ظلال سوداء.
في الصّفحة التّالية، تغيّر شكل العملاق أيضًا.
عين واحدة كبيرة مرسومة على وجهه، و النّظرة موجّهة نحو الأسفل.
في المكان الذي تنظر إليه العين، كان هناك شخص يرتدي ثيابًا بيضاء جالس، و في الصّفحة التّالية ابتلعه العملاق.
نعم، لقد أُكِـل……
“……”
لو كان الرّسم رديئًا لما اهتممتُ، لكنّه مرسوم بدقّة عالية مما زاد من شعوري بالإنزعاج.
لكن بما أنّ النّظام دفعني للتحقّق، فبالتّأكيد هناك علاقة ما.
‘لا تفكّري كثيرًا، فكّري ببساطة و مباشرة.’
تنهّدتُ للحظات و عدتُ إلى الصّفحات الأولى.
النّاس يصلّون للعملاق. أي أنّه موضوع عبادة.
ثمّ أكل العملاق شخصًا. ربّما هذا قربان……
‘في القصص القديمة، كانت التّضحيات البشريّة شائعة جدًّا.’
و قرأتُ سابقًا أنّهم كانوا ينسبون الظّواهر الطّبيعيّة أو الأمور الغامضة إلى الحاكم أو الشّياطين أو الأشباح، و يُجسّدونها.
بما أنّ هذا عالم لعبة، قد يكون هذا الوحش موجودًا فعلًا، لكنّني أتمنّى لو لم يكن، فلو رأيته حقًّا لأغمي عليّ و أنا واقفة مكاني.
على أيّ حال، لقد اقتنعتُ لهذا حان وقت التحقّق من الباقي.
ما إن هممتُ بقلب الورق المقرمش بحذر حتّى ظهر رقم أمام عينيّ فجأة.
[10]
“……؟”
[9]
ما هذا؟
رغم أنّني رأيتُ نوافذ متنوّعة حتّى الآن، إلّا أنّ هذا جديد.
[8]
أملتُ رأسي متعجّبة، ثمّ أدركتُ متأخّرة أنّ الأرقام تتناقص.
[7]
[6]
[5]
ربّما هو عدّ تنازليّ.
شعرت بالتوتر ، لكنّ السّرعة كانت غير منتظمة فربّما ليس كذلك.
[4]
ربّما…… هو عدد النّاجين…… ليس كذلك، أليس كذلك؟
لكنّ الذين دخلوا إلى القلعة هم سبعة باستثناء روين، لذا لن يكون…… ربّما……
[3]
[2]
فكّرتُ أنّه قد يكون فخًّا، لكنّني لم أشعر بشيء.
بينما كنتُ أدير عينيّ و أنا مسندة ظهري إلى الرّفّ، تغيّر الرّقم من 2 إلى 1 ثمّ 0، و اختفتْ النّافذة.
نبض، نبض.
ازدادت نبضات قلبي.
بينما أعضّ شفتيّ الجافّتين من الدّاخل، شعرتُ فجأة بحكّة في رقبتي و كتفي.
“آه!”
صرختُ دون قصد و هززتُ كتفيّ مفزوعة.
ظننتُها حشرة أو شيئًا غريبًا فتصرّفتُ بهستيريّا، لكنّها كانت مجرّد شعر.
شعري الأصليّ قصير، أمّا ليلي فلديها شعر طويل جدًّا……
تنهّدتُ و أنا أنظر إلى الشّعر الأسود الملتفّ بين أصابعي، ثمّ تجمّدتُ.
‘شعر أسود؟ لكن شعر ليلي ورديّ!’
لن يبدو أسودًا بسبب الظّلام.
عندما نظرتُ خلسةً إلى الأسفل، رأيتُ الشّعر الورديّ المنسدل على صدري.
‘إذًا…… ما هذا؟’
سحبتُ يدي دون تفكير، فانساب الشّعر دون مقاومة.
مع رأس هائل الحجم أيضًا.
“……”
كانت امرأة ذات رأس أكبر من رأس الإنسان العاديّ بضع مرّات، و أطراف رفيعة بشكلٍ غريب، ببشرة شاحبة بشكل مريع، و متشقّقة في أماكن متعدّدة.
فمها المفتوح مملوء بأسنان مدبّبة كالإبر، و تنبعث منها رائحة مقزّزة.
عيناها السّوداوان تتحرّكان في اتّجاهات مختلفة تمامًا.
تردّد صوت روين في رأسي.
‘إن ظهر شيء غريب قبل عودتي، تصرّفي كأنّكِ لم تري شيئًا، و ابقي ساكنة.’
تتبّعـه يعني الموت.
الخروج يعني الموت.
الطّريقة الوحيدة للبقاء هي الإستماع إلى كلامه ذاك، لا خيار آخر.
أمسكتُ أنفاسي و أطلقتُ الشّعر ببطء.
“كيغيغي، غيك……”
كلّما تحرّكت شفتا المرأة الغامضتان، انبعث صوت مزعج.
لتجنّب التقاء النّظرات، أدرتُ رأسي ببطء، فأصبحت عيناي تؤلمان.
أنا خائفة.
لست خائفة فقط، بل خائفة إلى درجة أنني قد أموت بنوبة قلبيّة……
غطّيتُ فمي و أنفي بيد واحدة، و شددتُ على الكتاب في حضني باليد الأخرى كأنّه حبل نجاة، و لحسن الحظّ يبدو أنّ روين لم يكذب.
“غيك، كيك، كي……”
بدأت المرأة تتمايل خارج الممرّ ببطء.
من خلال ظهرها عرفتُ؛ تحت ثيابها الأسود الممزّقة، كانت أقدامها كبيرة و مقزّزة جدًّا. مثل أرجل الأشباح التي رأيتُها في الحلم.
أمسكتُ فمي بقوّة حتّى اختفى صوتها تمامًا.
‘……لقد ذهبت، أليس كذلك؟’
بدأ حبس النّفس يصبح صعبًا تدريجيًّا.
مع ذلك، خوفًا من الأسوأ، أبعدتُ كفّي قليلًا و فتحتُ فمي برفق لأخرج نفسي ببطء.
ثمّ استنشقتُ مجدّدًا بهدوء و رفعتُ رأسي قليلًا، في تلكَ اللّحظة__
“كيك، كيغيك.”
“……”
التقتْ عيناي بامرأة ملتصقة بالسّقف على أربع، و رأسها فقط ملتوٍ.
ثمّ سقطت المرأة نحو الأسفل__
أمامي مباشرة.
التعليقات لهذا الفصل " 53"