‘في النهاية ، لم يُجب عن الشيء الذي كنتُ أريد معرفته ، و ها هو يظهر الآن.’
كان الأمر مريبًا بعض الشيء ، لكن على عكس المرّة التي تدخّلت فيها الحاكمة عبر نافذة النظام ، لم أشعر بأيّ نيّةٍ خبيثة.
كان مجرّد شيءٍ مريب ، لا أكثر.
و بما أنّني كنتُ أنوي إيقاف كلّ ما تفعله ليلي المزيّفة على أيّ حال ، قرّرتُ ألّا أُعيره اهتمامًا في الوقت الحالي.
في اللّحظة التي أدرتُ فيها رأسي ، قال روين ، و هو يُغلق باب غرفة الصلاة.
“للاحتياط ، انتبهي ألّا تبتعدي عنّي ، ليلي. أو هل تفضّلين أن تكوني داخل جيبي؟”
“هنا أحسن.”
أعلم أنّه يقلق عليّ ، لكن رؤية ما حولي بعينيّ تجعل قلبي أكثر اطمئنانًا.
لم يسأل روين المزيد ، و اكتفى بأن قال : “احذري فعلًا” ، ثمّ مدّ الشمعدان الذي كان في يده اليمنى إلى الأمام.
الممرّ الخالي من أيّ ضوء بدا كئيبًا إلى حدٍّ يشبه ديرًا مهجورًا أُغلق منذ زمن.
قال روين إنّه التهم كلّ الأرواح الشرّيرة التي كانت تتجوّل ، لكن لا أدري إن كانت قد ظهرت أشياء جديدة خلال الأيّام الماضية ، أم أنّ هذا المكان في الأصل ذو حظ سيّئ.
اقتربتُ من وجه روين بخطواتٍ متعثّرة.
‘لنتحرّك كأنّنا جسدٌ واحد.’
عندما التصقتُ بعنقه و اتّكأتُ عليه ، سمعتُ ضحكةً خافتة تخرج منه.
ثمّ بدأنا نتحرّك ببطءٍ نحو الدرج ، و هو يكلّمني بصوتٍ منخفض.
“هكذا و نحن معًا ، أتذكّر الماضي. في ذلك الوقت أيضًا ، لم تكوني تحاولين الابتعاد عنّي ، أليس كذلك؟”
صحيح.
و بحسب تعبير نافذة النظام ، فإنّ التحقيق في “دير لاتري المغطّى بظلامٍ دامٍ” انتهى بأن نقوم به أنا و روين فقط.
كان فينسترنيس و أسمير ينظران إلينا و كأنّهما يرغبان في الذهاب معنا ، لكنّ روين هزّ رأسه بحزم.
“أنتما الآن طفلان عاديّان. هذا خطر.”
و بما أنّ روين ، رغمَ مظهره الطفولي ، لم يكن طفلًا عاديًّا ، لم يكن أمامهما سوى التراجع بوجوهٍ عابسة.
على أيّ حال ، بعد سماع كلام روين ، تذكّرتُ تلك الأيّام أنا أيضًا.
‘مع أنّ ما أسمّيه ماضيًا هو في الحقيقة أحداثٌ عشتُها منذ وقتٍ قريب جدًّا.’
ربّما لهذا السبب ، كان كلّ شيءٍ واضحًا في ذاكرتي و كأنّه حدث بالأمس.
بالنّسبة لي كان الأمر كذلك ، أمّا روين الذي عاد منذ خمس سنوات ، فبدا أنّ مشاعره مختلفة.
ظلّ يمشي بصمت ، و لم يتكلّم إلّا عندما وصلنا إلى الطابق الأوّل.
“آسف ، ليلي.”
اعتذر فجأةً ، فأربكني ذلك.
لماذا؟ ماذا هناك؟
عندما تعتذر ، أشعر بالقلق!
“آه ، ليس أمرًا خطيرًا. فقط… لقد قلتُ لكِ هذا من قبل ، أليس كذلك؟ إنّني سأحبّك مهما كان شكلك.”
يبدو أنّ مشاعري المتوتّرة وصلت إليه.
كنتُ قد فقدتُ صوابي من شدّة الحماس و بدأتُ أنقر عنقه و وجنتيه دون رحمة ، لكنّي توقّفتُ و رفعتُ بصري إليه.
“نعم.”
“……في ذلك الوقت كنتُ أفكّر هكذا فعلًا ، لكنّني بدأتُ أطمع أكثر فأكثر. أريد أن أمسك يدكِ و أنـتِ إنسانة ، و أن نمشي معًا في طريقٍ مزهر ، و أريد أن أضمّكِ بقوّة و أشعر بحرارة جسدك.”
تابع روين كلامه بصوتٍ هادئ.
إن كان هذا هو سبب اعتذاره ، فلا داعي لذلك إطلاقًا.
جلستُ مجدّدًا متراخية ، و أسندتُ رأسي إلى عنقه و.أجبتُه.
“و أنا كذلك.”
العيش على هيئة طائر كان مريحًا إلى حدٍّ كبير ، لكنّني ما زلتُ أريد استعادة جسدي.
غير أنّ التسرّع الآن لن يفيد ، لذلك كنتُ أتعمّد ألّا أفكّر في الأمر.
“أنتَ ، أنا ، معًا.”
لنبذل جهدنا سويًّا.
كان في كلامي الكثير ممّا لم يُقَل ، لكن على أيّ حال ، بدا أنّ إجابتي المفعمة بالحماس أسعدت روين ، إذ سمعتُ ضحكته.
بعد قليل ، مدّ روين الشمعدان إلى الجهة اليمنى و قال.
“لنبدأ بالمطبخ و نتفقّد المكان ببطء. قد يكون هناك موضع لم نكن نعرفه.”
“روين….لا تعرف؟”
في القصر بعد خمسمئة عام ، كان يعرف كلّ شيءٍ عمّا حدث و أين ، و مَنٔ قال ماذا ، فظننتُ أنّه قادرٌ على ذلك الآن أيضًا.
عند سؤالي ، توقّف روين لحظةً ثمّ تكلّم بنبرةٍ محرجة.
“أممم… على ما يبدو ، لأنّني لستُ المالك الآن.”
أفهم ذلك ، رغم أنّه احتلالٌ غير شرعيّ ، لكنّي قرّرتُ تقبّل الأمر.
‘قد يكون مجرّد شعورٍ نفسيّ.’
أومأتُ برأسي بلا مبالاة ، و في تلك الأثناء فتح روين باب المطبخ و دخل.
‘كم من الأمور الغريبة حدثت هنا.’
عندما أفكّر بالأمر مجدّدًا ، أشعر أنّ نجاتي حيّةً أمر مذهل.
لم يكن الداخل مختلفًا كثيرًا.
طاولةٌ طويلة ، عدّة مواقد ، أدوات طبخٍ نظيفة ، قدورٌ كبيرة ، أكياسُ دقيق ، و رفوفٌ مليئة بأشياء متنوّعة.
الاختلاف الوحيد هو وجود بابٍ حديديّ في أحد جوانب الجدار.
‘في المستقبل ، كان ذلك المكان مكدّسًا بالخردة ، لذلك لم ألحظه.’
لو كانت لديّ عقلية الآن في ذلك الوقت ، لكنتُ أزلتُ كلّ شيءٍ أيًّا كان ، لكنّني كنتُ آنذاك جبانةً إلى حدٍّ مخزٍ ، لذا كان جهلي طبيعيًّا.
على أيّ حال ، كان هناك أيضًا طريقٌ ينزل إلى الأسفل.
و ما أنّ عدد المقيمين في الدير كان كبيرًا ، كانوا يحتاجون إلى الكثير من المواد الغذائيّة ، و لأنّه عالمٌ بلا ثلّاجات ، كانوا يخزّنونها في القبو.
لم أدخل إلى هناك من قبل ، و لا أعرف شكله ، لكن عندما أراه الآن أشعر بريبةٍ غريبة.
“ذاك ، ذاك.”
طرقتُ خدّ روين بمنقاري و مددتُ جناحيّ مشيرةً إلى الباب.
تقدّم روين بخطواتٍ بطيئة إلى أمام الباب و سأل.
“هنا؟”
“نعم. مريب.”
كلّما اقتربنا ، ازدادت الرائحة.
أليس هذا مكانًا مثاليًّا لارتكاب أفعالٍ مشبوهة؟
عندما ألححتُ عليه ، مدّ روين ذراعه.
لم يكن المقبض يدور كما ينبغي ، و كأنّه مقفل ، لكن عندما شدّ روين بقوّة ، انفتح الباب مع صوت تحطّم.
و من الشقّ المفتوح قليلًا ، اندفعت رائحةٌ كريهة للغاية.
“كييك…….”
“يبدو أنّنا وجدنا الإجابة منذ البداية.”
“هنا صحيح……؟”
“نعم. عندما يُترك الدم و الجثث لفترةٍ طويلة ، تصدر هذه الرائحة.”
لم يكن هناك داعٍ لسؤاله عن سبب معرفته بذلك.
لم أرغب في السؤال أصلًا.
عقد روين حاجبيه و تابع.
“بهذا القدر من الرائحة ، من الغريب ألّا يلاحظ أحد. يبدو أنّ عدد البشر الذين تسيطر عليهم ليلي المزيّفة أكبر ممّا توقّعت.”
“لننزل.”
“هل أنتِ بخير؟ يبدو أنّ الرائحة متعبة لكِ.”
“نعم. روين ، أنتَ تحميني.”
يمكنني التكيّف مع الرائحة.
في الواقع ، شعرتُ و كأنّ أنفي قد تخدّر بالفعل.
ما يهمّ أكثر هو ما قد يكون في الأسفل ، لذلك كان أماني أهمّ شيء.
ضحك روين بخفّة و فتح الباب بالكامل.
لاحظتُ منذ قليل أنّ ضحكاته أصبحت كثيرة.
يبدو أنّ وجودي معه يجعله سعيدًا في كلّ وقت.
‘يا له من شخص…….’
و أنا أيضًا أريد أن أضحك بلا تردّد ، لذا أتمنّى أن أعود إلى جسدي بسرعة.
خلف الباب الحديدي الذي تعطّل قفله ، كان هناك درج ينزل إلى الأسفل.
لم أستطع تحديد عدد الدرجات اعتمادًا على ضوء الشمعة وحده ، لكنّ روين نزل دون تردّد ، بينما كنتُ أحبس أنفاسي قدر الإمكان مع اشتداد الرائحة.
و عندما انتهينا من نزول الدرج ، أضاء المكان فجأة.
بفضل الشموع المثبّتة في الجدران التي اشتعلت في آنٍ واحد ، بدا أنّ روين فعل شيئًا ما.
و ما إن أضاء القبو ، حتّى تكشّف مشهد مروّع للغاية.
“رو ، روين…….”
ناديتُه دون وعي ، و انكمش جسدي من شدّة الفزع.
كما يليق بمكانٍ لتخزين المواد الغذائيّة ، كان الداخل واسعًا جدًّا.
لكن في أحد أطراف ذلك الفضاء الواسع ، كانت جثث البشر و جثث الحيوانات ملقاةً عشوائيًّا ، و تحتها كان هناك ما هو أشدّ رعبًا.
“كنتُ أتساءل أين اختبأت ، و يبدو أنّها قطّعت جسدها إلى عدّة أجزاء و أخفتها في أماكن متفرّقة.”
“آغغغ…….”
قطع…… نعم ، كانت قطع.
كما قال روين ، كانت هناك قطع.
أي أنّه لم تكن هناك فقط أجزاء من أجساد أشخاصٍ قُتلوا ، بل أيضًا أجزاء من جسد الحاكمة الضخم.
إلى جانب الجثث المتراكمة ، كان الجزء السفلي من وجه الحاكمة ملتصقًا بالأرض.
جلدٌ شاحب يشوبه لونٌ مزرقّ ، و شفاهٌ حمراء على نحوٍ مرعب.
و بينما أحدّق فيه بذهول ، انفرجت الشفاه ، و خرج منها لسانٌ طويل.
لم أستطع الصراخ ، و اكتفيتُ بالالتصاق بروين أكثر فأكثر.
اللسان الذي سبق أن ابتلعني أنا و روين تحرّك بطريقةٍ مقزّزة ، ثمّ لفّ إحدى الجثث القريبة و سحبها إلى داخل الفم.
و مع كلّ حركةٍ للشفاه الحمراء صعودًا و هبوطًا ، دوّى صوتٌ بشع.
ربّما لأنّه لم يكن هناك سوى فم ، بدا أنّه لم يُدرك وجودنا هنا ، و لا حتّى أنّ الأضواء قد اشتعلت.
‘ماذا نفعل…؟’
كان المشهد صادمًا إلى درجة جعلت رأسي فارغًا تمامًا.
لم أعد أعرف ماذا يجب أن نفعل الآن.
كنتُ أتوقّع وجود جثث ، لكن هذا… لم يخطر ببالي أبدًا.
انحنيتُ إلى الأمام أتفقّد ملامح روين.
كان ينظر إلى الأمام بوجهٍ خالٍ من التعبير ، لكنّه مال برأسه قليلًا عندما شعر بنظري.
ثمّ أطلق زفرةً و قال بملامح متحرّجة.
“هذا مُربك. أريد التخلّص منها فورًا ، لكن بما أنّها متّصلة بالأرض ، فقد ينهار الأساس إذا أخطأنا.”
بمعنى أنّ حفرةً هائلة قد تتشكّل ، و يُبتلع الدير معها.
لكن ذلك لم يبدو لي مشكلةً كبيرة.
إذا تم إخراج الجميع إلى الخارج ، فلن تقع خسائر بشريّة.
و عندما راودتني تلك الفكرة ، ابتسم روين بمرارة.
“لن تكون هناك خسائر بشريّة ، لكن ستكون هناك خسائر ماديّة ، ليلي. إذا اختفى الدير فجأةً ، ماذا سيحدث للأطفال الذين لا مأوى لهم؟ لا تتعجّلي. لنفعلها ببطء. لا بأس. كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام.”
……كلامه العقلانيّ جعلني أشعر بالحرج قليلًا.
لكن ، لماذا؟
هذا كلامٌ جيّد ، بلا شكّ.
و مع ذلك ، في اللّحظة التي قال فيها روين : “كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام” ، ظهرت نافذة الحالة ، وتغيّر مؤشّر الخير والشرّ.
‘الخير 6 ، الشرّ 94……؟’
رغم أنّه قال “الكلام الصحيح” بلا شكّ ، انخفضت قيمة خير روين مرّةً أخرى بمقدار واحد.
التعليقات لهذا الفصل " 180"