“لا داعي للقلق على فرين. سيعود يومًا ما. أمّا ديلا فهو بخير، لكن ليس من السهل الاقتراب منه. أنتِ تتذكّرين، أليس كذلك؟ في تلك الفترة، لم يكن ديلا يحبني.”
يبدو أنّ روين أيضًا لا يستطيع تحديد الوقت بدقّة. و مع ذلك، فوجود احتمالٍ بحدّ ذاته أمرٌ مطمئن.
و كون إيديلاين بخير أمرٌ مريح، لكنّ هناك سوء فهمٍ لدى روين.
“لا، لا. روين، يحبّك. أليس كذلك؟”
أدرتُ نظري نحو أسمير و فينسترنيس، و جذبتُهما إلى الحوار.
إيديلاين لم يكن يكره روين. بل كان معجبًا به.
أومأ أسمير برأسه بملامح متردّدة.
“نعم. هو يحب الأخ روين. لكن هناك شيء أتساءل عنه فعلًا…… هل تستخدمان بينكما نوعًا من الإشارات السرّيّة؟”
“إشارات سرّيّة؟”
“انظر. قبل قليل، و الآن أيضًا، أختي ليلي فقط صاحت: كاك! أليس كذلك؟ أعني، هي فعلًا فقط صاحت كاك! فكيف يعرف أخي روين معنى ذلك أصلًا؟ أليس كذلك يا فين؟”
“آه…… صحيح، لكن…… الأمر كان هكذا دائمًا…….”
“و هذا ما أعنيه! كيف يمكن أن يستمرّ ذلك؟ كيف يمكن التواصل مع ببغاء بهذا الشكل أصلًا؟!”
صرخ أسمير بكلامٍ يبدو منطقيًّا جدًّا.
و المضحك أنّني لم أنتبه إلى ذلك إلّا بعد سماع كلامه، فشعرتُ بالغرابة.
آه، صحيح.
حتّى لو كانت فطنة روين عالية، فهل يمكنه حقًّا أن يقرأ كلّ الأفكار من مجرّد صوت ببغاء؟
‘حتّى لو بدّلتُ الأدوار بيننا، فهذا سيكون مستحيلًا بالنّسبة لي.’
لو أصبح روين طائرًا و راح يصرخ كاك كاك أمامي، لما استطعتُ أبدًا أن أفهم: ‘أنتَ الآن تريد أن تفعل هذا و هذا، لأنّك تفكّر بهذا.’
……كيف يعرف حقًّا؟
شعرت بشيء بسيء. أدرتُ جسدي المائل بحذرٍ و سألته.
“روين، لماذا أنتَ تعرف هذا؟”
“همم. قوّة الحبّ؟”
ابتسم روين بوجهٍ بريء و أجاب دون أدنى تردّد.
“كيييك…….”
و سقطتُ أرضًا.
قد يبدو الأمر و كأنّني أتقيّأ، لكنّ السبب هو ألم معدتي من شدّة التوتّر.
و بالطبع، بعد كلّ ما سبّبته قوّة الحبّ هذه، فهذا طبيعيّ.
ضمّني روين بكفّه و هو يتمتم بوجهٍ مكتئب.
“هذا قاسٍ يا ليلي. هل كان قولي إنّها قوّة الحبّ صادمًا إلى هذه الدرجة؟”
“نعم…… لا…….”
من الصعب الإجابة، ليته لم يسأل.
كنتُ في غاية الجديّة، لكنّ روين كان يضحك و كأنّه مستمتع.
كان على وجه أسمير و فينسترنيس تعبيرٌ غريب، و رغم أنّها المرة الأولى التي أراه فيها مثل هذا التعبير، شعرتُ أنّه مألوف.
بينما أنا مستلقية أفكّر، تذكّرتُ سريعًا مصدر هذا الإحساس.
حين مـتُّ بنهاية الفتاة الملاك، ثمّ عاد الزمن.
و بالتحديد، عندما قرّرتُ أن أتمادى لأنّ الموت مرّةً واحدة ليس مخيفًا، ثمّ تصالحتُ مع الواقع و تظاهرتُ بحبّ روين.
‘مينا و ماريان كانتا تقولان: يا إلهي يا إلهي! و كانتا أكثر خجلًا منّي. تعبيرهما يشبه هذا تمامًا.’
قفزتُ واقفةً و صرختُ بعجلة.
“سوء فهم!”
“آه! كدتِ تفزعيني. ما، ما الذي هو سوء فهم؟”
“سوء فهم! سوء فهم!”
هذا ليس موقفًا لطيفًا الآن! صحيح أنّني لم أكن مرتاحة تمامًا آنذاك أيضًا، لكن مع ذلك!
‘من حيث الخطورة، الآن أسوأ بكثير!’
مهما بدا كلّ شيء مسالمًا، فإن لم نُصلِح طبيعة روين، فهذه الحياة أيضًا ستنتهي بالهلاك. و ليس بشكلٍ مجازي، بل بشكلٍ حرفي.
نافذة النظام لم تُخبرني تحديدًا عمّا سيحدث إن انخفض معدّل الخير و الصلاح.
لكن الآن، بعد التفكير مجدّدًا، بدأتُ أرى الخيط.
و الإجابة تكمن في هدف روين الحالي.
‘قال إنّه يريد أن يجعلني حاكمة ليبقى معي إلى الأبد، و هذه في الحقيقة جنونٌ خالص.’
إن كان إخلاص روين في الاكتفاء برعايتي دون فعل شيءٍ آخر نابعًا من ذلك المعدّل، فالوضع خطير جدًّا.
‘لكن لا يمكنني قول هذا بصراحة أيضًا.’
فينسترنيس و أسمير، بعد استعادة ذكرياتهما، يكنّان لي الودّ.
لكنّ روابطهما بروين أعمق من ذلك بكثير، و المشكلة أنّهما من النوع الذي سيوافق حتّى لو قال روين: “لنجعل العالم يهلك.”
‘الجميع يبدون سعداء…… لكن لا يمكنني أن أكون سعيدة…….’
لا يمكنني أن أتجاوز الأمر بقول: يكفي أن تكونوا أنتم بخير…… فالأمر مختلف عن العيش بلا قلق.
و في خضمّ هذا، ما زلتُ أصرخ: سوء فهم، فجاء روين و ضغط على رأسي برفقٍ بإصبعه.
أغلقتُ منقاري و نظرتُ إليه، فكان يبتسم و قد احمرّت خدّاه، و كأنّه في غاية السعادة.
يبدو أنّ الحياة باتت ممتعةً جدًّا بالنسبة له.
و صراحة، يمكنني فهم ذلك___
و بينما كنتُ صامتة، خاطبني روين بوجهٍ مبتسم.
لكن.
“آسف لأنّي مزحتُ معكِ يا ليلي. في الحقيقة، منذ أن عدنا إلى هذا الزمن، أصبحتُ أقوى، و إذا قمت بالتركيز، سأستطيع سماع الأفكار الداخليّة قليلًا.”
كان هذا الاعتراف صادمًا إلى درجة أنّني فتحتُ منقاري مرّةً أخرى.
‘أنتَ…… بالأصل كنتَ محتالاً، فكيف تصبح أكثر احتيالًا؟’
كان روين أصلًا كالبصل، كلّما قشّرته ظهر شيء جديد، و الآن ازداد الأمر سوءًا.
بهذا الشكل، لن أستطيع إخفاء أمر نافذة النظام عنه.
و على عكس ارتباكي، كان أسمير و فينسترنيس يضحكان بارتياح، و كأنّهما يقولان: “كما هو متوقّع، أخونا مذهل!”
لا أحبّ التفكير بهذه الطريقة عادةً، لكن شعرتُ بشيءٍ من اليأس.
“كاااك!”
صرختُ بخشونة و ضربت قدمي بقوّة، فقال روين و هو يحرّك إصبعه بلطف.
“إن كنتِ تكرهين ذلك يا ليلي، فلن أستمع بعد الآن. لكن بفضل هذه القوّة، اكتشفتُ أمرًا. كنتِ فضوليّة، أليس كذلك؟ ما الذي جعلت ليلي المزيّفة هيرمينا تفعله.”
قال روين ذلك، و هو من النوع الذي سيتنصّت سرًّا على أيّ حال، لكن ما إن ذُكر اسم هيرمينا حتّى شغلني الأمر أكثر.
“عَرَفت؟”
“نعم، عرفتُ. لم تكن هيرمينا وحدها. ليلي المزيّفة كانت تخطّط للتحكّم بعدّة مؤمنين، و إعادة استدعاء الأرواح الشرّيرة إلى داخل الدير بشكلٍ. أقوى بكثير، و أشدّ فظاعةً، و أكثر شرًّا من السابق. من أجل أن تلتهمني.”
“خَطير…….”
“نعم، خطير…… أمم، على أيّ حال، لاستدعاء الأرواح الشرّيرة قسرًا، لا بدّ من موتٍ مليء بالحقد و الحزن. و لهذا كان هناك الكثير من الأرواح الشرّيرة هنا بعد خمسمئة عام. و يبدو أنّ المؤمنين الذين تتحكّم بهم ليلي المزيّفة يرتكبون القتل كلّ ليلة داخل هذا المكان.”
تذكّرتُ فجأة.
تلك العلامات الكثيرة على شكل جماجم، التي كانت تظهر في كلّ مكان قبل أن أتلبّس كببغاء.
التعليقات لهذا الفصل " 178"