لأنّني لم أرد التفكير في أيّ شيء، أغمضتُ عينيّ و بدأتُ أعدّ الأرقام، و حين انتبهتُ كنتُ قد غرقتُ فعلًا في النوم.
عندما فتحتُ عينيّ كان الصباح قد حلّ، و أوّل ما وقع بصري عليه كان فينسترنيس و أسمير، و هما يتعانقان و ينتحبان.
كان روين يراقبهما بتعبيرٍ هادئٍ للغاية.
تفقّدتُ فريسينغير أيضًا، الممدّد و هو يبسط جسده بإصرارٍ واضح، ثمّ غطّيتُ وجهي بجناحيّ.
‘لنعد للنوم…….’
التدخّل الآن كان عبئًا نفسيًّا كبيرًا نوعًا ما.
لستُ محرومةً من النوم، لكن إن أغمضتُ عينيّ فغالبًا سأغفو مجدّدًا.
و بينما أفرغ رأسي من كلّ شيء و أنا أفكّر بذلك___
“يبدو أنّ ليلي قد استيقظت أيضًا.”
لم أُصدر صوتًا و لم أتحرّك.
لم تتلاقَ أعيننا أصلًا، و مع ذلك أدرك روين أنّني استيقظت، و كأنّه شبح، فتصبّب العرق البارد منّي قليلًا.
فكّرتُ أن أتظاهر بالجهل و لو مرّة، لكنّني استسلمت.
لأنّني سمعتُه.
“ليلي… آه، هيك، أ، أختي…… هيك….”
وصل إلى مسامعي صوت أسمير، و هو يبكي بحرقةٍ أقرب إلى الظلم منها إلى الحزن.
أنزلتُ جناحيّ اللذين كانا يغطّيان وجهي، و خرجتُ على مهل من السرير الأسطواني.
صعدتُ إلى منصّةٍ في موقعٍ مناسب، و نظرتُ إلى الأمام، فكان روين، و أسمير، و فينسترنيس، جميعهم ينظرون إليّ.
تنقّلتُ بنظري بينهم، و عيونهم منتفخة و أنوفهم تسيل، فطقطقتُ لساني في سرّي و حيّيتُهم.
“مرحبًا!”
هل نمتُ يومًا إضافيًّا فنضجتُ أكثر؟
كان نطقي أوضح من الأمس بكثير، و حتّى الحروف الأخيرة خرجت بسلاسة، فشعرتُ بالرضا، و أتبعتُها فورًا.
“روين! مرحبًا!”
ما رأيكَ بهذا؟ لقد ناديتُ اسمك أوّلًا.
أنا أحاول جاهدًة ألا يشعر أحد بالغيرة بلا داعٍ.
كنتُ أرفرف بجناحيّ بحماسٍ لأُظهر فرحتي، حين اقترب روين من القفص بعد أن كان واقفًا بلا حراك.
ثمّ ركع ليُساوي مستوى نظره بنظري، و رسم ابتسامة ناعمة.
“صباح الخير، ليلي. يبدو أنّني لم أسمع اسمي يُنطق على نحوٍ صحيح منذ وقتٍ طويل، فصار قلبي يخفق بقوّة.”
كم يحبّني هذا الإنسان ليخفق قلبه لمجرّد أنّه سمع اسمه صحيحًا مرّة واحدة؟
لكنّه لم يكن يكذب، إذ أنّ وجنتيّ روين البيضاوين قد احمرّتا بلون ورديّ خفيف.
‘إنه شرير للغاية، لكنّه لطيف معي أنا فقط…….’
صحيح أنّه أربكني بإقامة راية نهايةٍ غريبة تُدعى ‘الببغاء المحبوس’، لكنّ حقيقة أنّ روين صادق معي كانت واضحة.
و كونه فقدَ صوابه في النهاية، كان لأنّه خاف أن يفقدني.
و لهذا، و رغمَ معرفتي بأنّ ما في داخله حجرٌ لا ينبغي الاقتراب منه، ظللتُ أفهمه و أتقبّله مرارًا.
و بينما كنتُ أحدّق في روين الخجول بهدوء، طرتُ فجأةً نحوه و طبعتُ منقاري على خدّه، ثمّ عدتُ إلى مكاني.
اتّسعت عينا روين بدهشة، ثمّ انفرجت شفتاه عن ابتسامة مشرقة، لم تختلف عن ابتسامة فتى في الخامسة عشرة من عمره.
“و هنا أيضًا.”
يبدو أنّ قبلة المنقار أعجبته، إذ أشار إلى خدّه الآخر.
لم يكن الأمر صعبًا، فحلّقتُ مرّة أخرى و طبعتها بمنقاري، ثمّ عدتُ.
ضحك روين بخفّة، و مسح رأسي بإصبعه بحذر.
و في ذلك العالم الصغير الذي انغلق علينا نحن الاثنين، حيث الأجواء دافئة و ناعمة و مطمئنّة، سُمِع صوتٌ من الخلف.
“نحن…… نُزعجكما……؟”
التفتُّ بفزع، فرأيتُ أسمير و فينسترنيس ينظران إلينا بذهول.
الذي تكلّم كان فينسترنيس، و يبدو أنّه كان مرتبكًا بشدّة، إذ عاد أسلوبه في الكلام إلى ما قبل العودة بالزمن.
شعرتُ بقليل من الحرج، فهززتُ رأسي بسرعة و صرختُ.
“لا! لا!! لا!!!”
“لماذا يزداد صوتك بكاءً يا ليلي؟ هكذا سيبدو الأمر و كأنّنا نُزعجكما فعلًا.”
“افتراء!”
“افتراء؟ أتعرفين استخدام كلماتٍ صعبةٍ كهذه؟ لم أعلّمكِ إيّاها، هذا مذهل.”
هل ظنّ أنّني صرتُ حقًّا حمقاء لأنّني عشتُ أُقلّد الطيور؟
رؤية روين، و هو يبدو فخورًا بي بصدق، جعلتني أشعر بشعورٍ غريب في صدري.
حدّقتُ فيه بعينين صغيرتين، ثمّ حوّلتُ نظري إلى الأمام.
كان كلاهما في حالةٍ مزريّة.
أريد أن أقول لهما ألّا يبكيا، لكنّني أشعر أنّ نطقي لن يكون سليمًا.
خلال الأيّام التي عشتُها كببغاء، لاحظتُ أنّ الكلمات السهلة التي لا تحتاج ضغطًا على اللسان تخرج أفضل، أمّا الكلمات التي تتطلّب شدّة فهي صعبة للغاية.
“إنغ إنغ، لا.”
اخترتُ كلماتٍ أسهل، لكنّني شعرتُ بمزيدٍ من الإحراج، و كأنّ مستوى ذكائي قد انخفض.
كلّما أظهرتُ خجلي ازداد الأمر سوءًا، فحاولتُ أن أكون وقحةً بلا مبالاة، لكنّ نظرة روين الدافئة جعلت ذلك صعبًا.
لحسن الحظّ، يبدو أنّ كلمتي القصيرة أثارت شعورًا لطيفًا لدى فينسترنيس و أسمير.
فضحكا في آنٍ واحد تقريبًا، و ابتسم أسمير بابتسامةٍ وديعة.
“أختي ليلي لم تتغيّر أبدًا.”
أنا أيضًا أعتقد ذلك.
لكنّ أسمير، الذي نطق بذلك، كان في الماضي شخصًا مختلفًا تمامًا، عنيفًا لدرجة أنّه كان يهدّد حياتي عند أدنى فرصة، لذا أجبتُ بجدّيّة.
“أنت، لا…….”
“هاه؟ أنا لستُ أنا؟ لكنّني أنا فعلًا.”
“يبدو أنّها تريد القول إنّ مير تغيّر كثيرًا.”
“آه.”
بينما لم يفهم أسمير كلمةً واحدة، كان روين يفهم من كلمةٍ واحدة عشرًا، فقام بالتفسير.
رغمَ أنّ فريسينغير كان بليدًا إلى حدٍّ لا يُظهر الأمر، إلّا أنّ أسمير لم يكن سريع البديهة أيضًا.
و مع ذلك، يبدو أنّ لديه ما يشعر بالذنب حياله، إذ دارت عيناه في محجريهما، ثمّ فتح فمه بتردّد.
“آسف، يا أختي. لأنّني لم أملك أيّ ذكريات، شعرتُ و كأنّكِ ساحرة جاءت لتُهدّد سلامنا و تخطف أخي روين منّي. و فوق ذلك، أنتِ ضربتِني أيضًا…….”
كان صوته مبحوحًا من شدّة البكاء، و تابع كلامه ببطء، و هو يمسك بظاهر يده.
لم أكن أنوي توبيخه أصلًا، لذا اكتفيتُ بالاستماع بصمت، ثمّ أملتُ رأسي.
رغمَ أنّني أعدتُ الزمن مرارًا بقوّة الحاكمة، فإنّني ضربتُ ظاهر يد أسمير مرّةً واحدة فقط.
كانت تلكَ في المرّة التي ظننتُ فيها أنّ هذا العالم مجرّد لعبة، و التي سمّيتها على سبيل التسهيل «الدورة الأولى».
‘لا تقل إنّه يتذكّر ذلك أيضًا؟’
أردتُ أن أسأل، لكنّ نطقي لم يسعفني، فلم يتحرّك سوى منقاري بلا صوت.
فاستدرتُ على عجل نحو روين و صرختُ.
“كيك!”
فأومأ روين برأسه.
“بعد أن استخدمت ليلي العنف ضدّ روين، عاد الزمن مرّةً واحدة، و من ذلك الزمن عدنا إلى هذا العصر. إن كنتِ تسألين إن كنّا نتذكّر كلّ ذلك، فنعم. أتذكّر كلّ شيء. بل و أتذكّر أيضًا…… كم من الوقت الصعب قضيته يا ليلي.”
كان صوته في البداية حنونًا، لكنّه أخذ يضعف شيئًا فشيئًا، حتّى شعر بالفراغ في نهايته.
في الأصل، لم يكن يتذكّر شيئًا، لكن يبدو أنّ الذكريات عادت عندما استخدم الحاكمة للعودة إلى الماضي.
لهذا فهمتُ لماذا لم يستطع أسمير، الذي استعاد ذكرياته بقوّة روين، أن يرفع عينيه و يلتقي بنظري.
فينسترنيس لم يؤذني مباشرة، لكنّ أسمير فعل.
و من ناحيةٍ أخرى، استطعتُ أن أفهم لماذا كان روين يعاملني بكلّ هذا الإخلاص.
‘إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ تلك الرايات المرعبة التي كانت تُقام في كلّ مرّة، كانت أحداثًا عشتُها فعلًا، فالأمر منطقيّ.’
الموت بالتقطيع، أو التفكيك، أو الكباب، أو الشواء الكامل، كلّها مروّعة، لكنّ النهايات التي تخطر على البال وحدها كافية لإفقاد العقل.
التعليقات لهذا الفصل " 177"