لم يكن هناك أدنى اختلاط بأيّ نوايا غير طاهرة ممّا كنتُ أخشاه.
و فوق ذلك، كان القفص قد نُزِعَ بابه أصلًا، بحيث أصبح الدخول و الخروج منه حرًّا تمامًا.
داخل القفص، كان هناك سرير أسطواني مصنوع من الفراء معلّق يتدلّى، و المفاجأة أنّ روين هو مَنٔ صنعه بنفسه.
كان مريحًا لدرجة أنّ فكرة ‘العيش هكذا ليس سيّئًا أيضًا……’ خطرت على بالي دون وعي.
و منذ أن تقيّأتُ، صار روين يولي الطعام اهتمامًا أكبر فأكبر.
كان يملأ وعاءً صغيرًا بماءٍ دافئ، و ينظّف جسدي بأداة تشبه عود القطن.
لقد كان اعتناءً يفوق الوصف.
و ليس معي فقط، بل كان يعامل فينسترنيس و فريسينغير بلطفٍ شديد أيضًا، و إن لم يكن بقدر ما يفعل معي.
و لهذا كان الأمر خانقًا.
ما الذي فعله روين، الذي يكون معي دائمًا، حتّى تنخفض قيمة الخير لديه؟
اليوم أيضًا، و بعد أن قضيتُ يومًا مسالمًا، دسستُ جسدي في السرير و عاودتُ الغرق في دوّامة من القلق و التفكير.
و في تلك الأثناء، طرق أحدهم الباب.
‘هل هو هنفلين؟’
غرفة الصلاة كانت أصلًا مكانًا نادر الزيارة، لكن بعد أن عدّلها روين بيده، أصبحت فعلًا كأنّها مكان غير موجود.
مع ذلك، كان هنفلين لا يزال يدخل و يخرج و يتفوّه بتفاهات، فظننتُ أنّ الأمر لا يخرج عن ذلك اليوم أيضًا.
لكن عندما فتح روين الباب، كان الواقف هناك هو أسمير.
“……أخي.”
يبدو أنّه تسلّل خلسة، إذ كان أسمير يغطّي جسده بقماشٍ أسود داكن.
و عندما رأيتُ مظهره و كأنّه تحرّر من غسيل دماغ روين، أدركتُ الأمر متأخّرة.
اليوم هو الليلة الثانية بالضبط التي اقترحها روين على أسمير.
دخل أسمير إلى غرفة الصلاة، و تردّد طويلًا قبل أن يفتح فمه.
“سمعتُ كلامك يا أخي، و فكّرتُ فيه كثيرًا. فكّرتُ حقًّا، كثيرًا، في أيّ مشاعر كنتَ تحملها و أنتَ تقول لي ذلك…… لكن، رغم ذلك، أنا خائف…….”
الكلمات التي تتابعت بوجهٍ يكاد يبكي كانت جوابًا يرفض عرض روين بلطفٍ ومواربة.
قديمًا و حديثًا، كان أسمير دائمًا ملتصقًا بروين، كظلّه أو كفضلات سمكة الزينة.
لكن بعد خمسمائة عام، سيتبع أسمير روين بلا أيّ تساؤل و يجيبه بـ”نعم!” على كلّ ما يقول، أمّا الآن فكان مختلفًا، لم يصل إلى تلك الدرجة بعد.
“لـ، لكن، أخي وثق بي و تكلّم معي…… و كان يساعدني طوال الوقت، و أنا لم أستطع أن أفعل الشيء نفسه، آ، آسف…….”
بصراحة، كان الأمر غير متوقّع، لكنّه لم يكن غير مفهوم.
تحمّل أشياء أقسى و أثقل من تحوّل أخ أسمير، إيتبا، إلى فرخ، كان فوق طاقة أسمير الحالي، الذي لا يزال صغيرًا جدًّا.
ابتسم روين بلكف و هو ينظر إلى أسمير الذي كان ينتحب.
“لا بأس، مير. أخبرتكَ عدّة مرّات في ذلك الوقت، أليس كذلك؟ أيًّا كان اختيارك، سأحترم قرارك. و الشيء الذي تحدّثتُ عنه معك، هل تتذكّره؟”
“……قلتَ إنّك سـ، ستمحو ذاكرتي.”
“نعم. إن لم نفعل ذلك، فقد تتعرّض للخطر. لذلك، فقط ارتح و كأنّك توكِل كلّ شيء إليّ. عندما تستيقظ بعد النوم، سيكون كلّ شيء قد تغيّر.”
بصوته اللطيف و الحنون، مسح أسمير دموعه و أومأ برأسه.
وضع روين يده على رأس أسمير.
و فجأة، انقطع صوت ما حولنا تمامًا، و بدأ نور أسود يتسرّب من يد روين.
و في اللحظة التي امتصّ فيها رأس أسمير ذلك الضوء، شعرتُ بإحساس غريب مألوف.
مشهد يبدو دافئًا و مؤثّرًا إن عرفتَ خفاياه، لكن إن جهلتَ الحقيقة فلن تراه إلا كاستدعاء شيطاني أو طقسٍ خطيرٍ مشؤوم.
كان المشهد ذاته تمامًا عندما أعاد روين الذاكرة إلى فريسينغير.
‘……هل يفعل هذا حتّى عند محو الذكريات؟ لكن هناك شيء ما، أشعر بشعور سيّئ على نحو غير طبيعي.’
خرجتُ من سريري الدافئ، و التفتُّ إلى فينسترنيس.
نظرتُ إليه بدافع القلق، و سرعان ما تأكّدتُ أنّ حدسي كان في محلّه.
إذ كان فينسترنيس يضع تعبيرًا يقول: ‘هاه؟ هذا ليس ما ينبغي أن يحدث……؟’
و مثلما حدث مع فريسينغير قبل أيّام، أطلق أسمير فجأة صرخة حادّة.
“آآآاه! آآاه! أخي، أخي! لا!”
انهار أسمير جالسًا، و راح يتخبّط كسمكة علقت في شبكة.
قام روين بتهدئة أسمير الذي انفجر بالبكاء، بصوتٍ لطيف.
“مير، لا بأس. تنفّس ببطء، و انظر إليّ.”
شعرتُ بالارتباك، و فتحتُ منقاري على اتّساعه و أنا أحدّق في روين.
‘قلتَ إنّك ستحترم قراره أيًّا كان اختياره!’
لقد عبّر أسمير بوضوح عن رغبته في ألّا يستعيد ذكرياته، و في ألّا يعرف الحقيقة.
تساءلتُ إن كان بينهما لغة سرّيّة لا يفهمها سواهما، لكن كان من الأوضح أنّ ما حدث هو تصرّف أحادي من روين.
و بجوار روين، وهو يهدّئ أسمير، ظهر شريط الحالة، فانخفضت قيمة الخير من 8 إلى 7، و ارتفعت قيمة الشرّ بمقدار 1.
“لا بأس. أنا هنا، لذلك لا بأس.”
“…….”
بينما كان يبتسم و يكرّر مرارًا أنّ كلّ شيء بخير، أدركتُ حقيقة ما.
كون روين لطيفًا و حنونًا معي، و قيمة الخير، أمران منفصلان تمامًا.
على عكس فريسينغير، استعاد أسمير هدوءه بعد فترة قصيرة.
لكنّه أغمض عينيه و نام سريعًا، فحلّقتُ نحو روين و حدّقتُ فيه بصمت.
“رو.”
كان ذلك تصرّفًا غير صحيح.
أردتُ أن أنقل له ذلك.
أنزل روين أسمير النائم بحذر، ثمّ نظر إليّ مباشرة.
و كعادته دائمًا، تكلّم بهدوءٍ.
“لا داعي للقلق، ليلي. مير سيفرح حتمًا عندما يستعيد ذكرياته. أليس كذلك، فين؟”
“……نعم. إن لم نُعِد إليه ذكرياته، فسيحزن و يظنّ أنّه الوحيد الذي تمّ استبعاده.”
حتّى فينسترنيس، أمام سؤال روين المفاجئ، أجاب دون تردّد.
و بالطبع، أنا أيضًا أعرف ذلك.
أسمير الذي عاش زمنًا أطول بكثير من أسمير الصغير، و الذي قضى وقتًا أطول مع روين، سيشعر بالامتنان لأنّ ذكرياته أُعيدت إليه.
لكن المشكلة الآن لم تكن تلك.
‘روين…… لا يتردّد أبدًا.’
عندما يعتقد أنّ ما يفعله صواب، لا يعرف التردّد و لا التحفّظ.
التلاعب بذكريات الناس، و السيطرة عليهم، كان الأمر نفسه.
و لأنّني اعتدتُ على سلوك روين هذا، لم أفكّر فيه مطلقًا، لكن ذلك لم يكن سلوكًا صحيحًا أخلاقيًّا.
‘إن كانت قيم الخير و الشرّ تتأثّر بمثل هذه الأمور…….’
……فأنا هلكتُ.
و هذا العالم هلك أيضًا.
ليس مجرّد هلاك، بل هلاكٌ تامّ بلا رجعة.
لم يكن مستغربًا أن تنخفض قيمة الخير بمقدار -2 خلال يومين.
فروين كان يتلاعب بالناس بسهولةٍ أخفّ من التنفّس نفسه.
بل إنّ كونها لم تنخفض أكثر من ذلك يُعدّ أمرًا يدعو للامتنان.
عندما بقيتُ صامتةً لوقتٍ طويل، ابتسم روين ابتسامةً مريرة.
“هل خاب أملكِ لأنّني كذبتُ على مير؟”
و في الوقت نفسه، ظهر شريط النظام.
[يبدو أنّ راية ‘النهاية 22 — الببغاء المحبوس’ قد تمّ تفعيلها!’ ]
‘……سأجنّ فعلًا.’
لماذا؟ كيف؟
من الواضح أنّ أشياء كثيرة قد تغيّرت، لكن يبدو كأنّ شيئًا لم يتغيّر إطلاقًا.
حدّقتُ في نافذة النظام بعينين غائمتين، ثمّ فتحتُ منقاري.
“رو، جيّد. جيّد. جيّد جيّد! مير، رو جيّد!”
صرختُ بذلك على عجل، بمعنى أنّه لا بأس مهما فعل روين، و أنّ أسمير يحبّ روين أيضًا، لذا فكلّ شيء بخير.
لا تزال قدرتي اللغويّة بائسة، لكن روين، الذي يفهم الكلام حتّى لو قيل بأسوأ طريقة، ارتسمت على وجهه ابتسامة ناعمة.
[تمّ سحب راية ‘النهاية 22 — الببغاء المحبوس’!]
حدّقتُ بعينين أكثر غموضًا في الراية التي سُحِبت، ثمّ ابتسمتُ ابتسامة عريضة.
رغم أنّه لم يكن ما أردتُه، كان من حسن الحظّ أنّني أصبحتُ فرخ ببغاء.
لأنّ عينيّ كانتا صغيرتين جدًّا، فلم يتمكّن روين من ملاحظة نظرتي القلقة____
أعاد روين أسمير النائم إلى الفراش.
ثمّ اقترب من القفص، و ابتسم لي بلطفٍ و أنا أدخل إلى السرير الأسطواني.
“تصبحين على خير، ليلي. غدًا ستتمكّنين من إلقاء التحيّة على مير.”
“……كيك.”
هل هذا صحيح؟ هل هذا صحيح فعلًا؟!
لكن لم يجبني أحد____
التعليقات لهذا الفصل " 176"