بعد انتهاء الاضطراب ، أخذ روين ينظر إليّ و أنا مترهّلة ، مطلقًا زفراتٍ متتالية.
كنتُ أعلم أنّ ضعفي قد يؤثّر سلبًا في روين ، لكن لم تكن لديّ قوّة حتى للتظاهر بأنّي بخير___
“هل كان القمح الذي أطعمْتُكِ إيّاه فاسدًا……؟”
أنـتَ السّبب ، فلماذا تلوم القمح المسكين؟
لكنّي لم أستطع قول الحقيقة ، فاكتفيتُ بالصمت.
ثمّ إنّ الوضع برمّته غير واقعيّ إلى درجة جعلت نافذة النظام نفسها تبدو غير جديرة بالتصديق.
فمهما بلغتُ من امتلاك قوى سحريّة قويّة ، فإنّ معرفة كلّ هذه التفاصيل بدقّة تبقى أمرًا غريبًا.
و ما أقلقني أكثر من أيّ شيء ، كان هدف روين.
‘بعد كلّ ما عاناه بسبب الحاكمة ، أن يقول إنّه سيمنحني تلك القوّة؟ هذا غير منطقيّ أصلًا.’
مهما كان روين قد فقـدَ صوابه…… لا ، لعلّه لأنّه كان مجنونًا أصلًا ، ثمّ ازداد جنونًا ، فوضع مثل هذه الخطّة.
على أيّ حال ، إذا افترضنا أنّ كلّ ما ورد في نافذة النظام صحيح ، فهذا يعني أنّ عليّ من الآن فصاعدًا أن أحمي حياتي بكلّ ما أوتيتُ من قوّة ، و أن أُدير مؤشّري الخير الشرّ لدى روين لأجعله صالحًا ، و في النهاية…… أنقذ العالم!
‘……سأجنّ أنا أيضًا ، حقًّا.’
قبل أيّامٍ فقط كنتُ أظنّ أنّ اللعبة تحوّلت من رعبٍ إلى محاكاة مواعدة ، ثمّ تغيّر النوع إلى قصّة غموض ، و الآن أشعر و كأنّ محاكاة تربية أُضيفت أيضًا.
“غوييك……”
عاد الغثيان يجتاحني بسبب هذا الوضع العبثيّ.
لم يكن هناك ما أُخرجه بعدما تقيّأت كلّ شيء ، لكنّ تعابير روين ازدادت خطورة ، و في الوقت نفسه ظهرت نافذة النظام.
[بلغت درجة قلق ‘روينفيرات’ مستوى خطيرًا.
إذا لم تُسارعي إلى طمأنته ، فسوف يدخل في حالة هياج. ]
“غويييك!”
كفى ، أرجوك! ما هذا القلق أصلًا؟! و ماذا يحدث إذا هاج؟!
إ[ذا دخل ‘روينفيرات’ في حالة هياج ، فسوف تموت الببغاء الصغيرة الضعيفة ‘ريبلي’.
و إذا ماتت ‘ريبلي’ ، فسوف يُدمّر ‘روينفيرات’ العالم.]
“كييك…….”
عند هذه النقطة ، بدأتُ أتساءل بجدّيّة عمّا إذا كانت الحاكمة مجرّد زعيمٍ أخير مزيّف ، و أنّ روين هو العقل المدبّر الحقيقيّ.
‘على الأقلّ ، الحاكمة لم تفكّر يومًا في تدمير العالم…….’
نظرتُ إلى نافذة النظام بعينين زائغتين ، ثمّ ترنّحتُ و رفعتُ جسدي.
كان روين شاحب الوجه ، و بدا كأنّه شخصٌ يعاني من قلقٍ حادّ ، إلى درجة يستحيل معها تخيّل هدوئه قبل قليل.
اقتربتُ منه بخطواتٍ قصيرة ، و تكلّمتُ بصعوبة.
“رو ، رو ، رو! روي!”
“……هل أنتِ بخير ، ليلي؟”
“نعم!”
عادةً لا يخرج النطق صحيحًا عند إضافة المقاطع ، لكنّي نجحتُ هذه المرّة.
أشرق وجه روين مع إجابتي المشرقة ، و أطلق فينسترنيس ، الذي كان يراقبنا بقلق ، زفرة ارتياح.
“كنتُ قلقًا…….”
“في ، في ، في—”
“هل كان الطعم غريبًا؟ أو هل تشعرين بألمٍ ما و تتظاهرين بأنّك بخير؟”
سأل روين و هو يربّت بحذر على رأسي بإصبعه النظيف.
مع شخصٍ آخر ربّما سيكون هذا العذر قد نجح ، لكن مع روين الحذِر ، لم يكن ذلك ممكنًا.
رفرفتُ بجناحيّ و صرخت.
“شبِ—ع ، شبع ، ت.”
“شبِعتِ؟ هل تقصدين أنّ بطنكِ امتلأت؟”
“نعم!”
“آه…… أنا آسف ، ليلي. كنتِ تريدين التوقّف ، لكنّي أصررتُ على إطعامكِ ، فلهذا تقيّأتِ.”
عند تذكّر تردّدي للحظة بسبب نافذة النظام ، بدا التفسير منطقيًّا تمامًا.
كان ذلك مطمئنًا ، لكن لأنّ روين بدا مكتئبًا ، نقرتُ إصبعه بمنقاري بلطف لأطمئنه.
“جي—د! جيّد! رو ، جيّد!”
ثمّ عبّرتُ بكلماتٍ بسيطة عن أنّي أحبّه ، فابتسم روين بخجل.
رغم أنّي شعرتُ و كأنّ مستوى ذكائي ينخفض أيضًا ، فما العمل…؟
“لن أُجبركِ أبدًا بعد الآن. إذا شعرتِ بتعبٍ أو انزعاج ، أخبريني فورًا.”
“نعم!”
“أنتِ جميلة ، يا ليلي. أودّ البقاء هنا ، لكن كما تعلمين ، علينا المشاركة في الصلاة و النسخ ، لذا يجب أن أذهب الآن.”
أومأتُ برأسي على كلمات روين المتنهّدة.
كان سلوك المؤمنين و مرشّحي الفراخ مقيّدًا بشدّة بحسب الظروف ، و تُطبَّق على كلٍّ منهم قواعد مختلفة.
روين كان حرًّا نسبيًّا من دون تدخّل أحد ، أمّا فريسينغير فكان عليه إبلاغ المراقب بوجهته في كلّ وقت.
لكن مهما كان الشخص ، فإنّ الصلاة و النسخ نشاطان إلزاميّان ما لم توجد ظروف خاصّة.
تُقام الصلاة صباحًا و مساءً فقط ، لذا كان هذا وقت الذهاب إلى قاعة النسخ.
‘هل ينوي أن يتركني هنا؟’
كنتُ أظنّه لن يفارقني مهما حدث ، لكنّي لم أعد أفهمه.
و بصراحة ، لم أكن أكره ذلك.
قاعة النسخ كانت ضيّقةً خانقة ، و يُحرق فيها بخور ذو رائحة غريبة.
تلكَ الرائحة تجعل المزاج غريبًا و مشوّشًا ، و كأنّها نوع من غسل الدماغ.
لهذا كنتُ أكره النسخ أكثر من الصلاة ، و كثيرًا ما تهرّبتُ و تعرّضتُ للتوبيخ.
و بالطبع ، كان روين يعلم ذلك.
‘هل سأبقى وحدي مع فريسينغير؟’
فريسينغير ، الذي شبع صباحًا و ظهرًا ، كان مستلقيًا على الأرض بسلام ، كأنّه صار جزءًا منها.
عندما يجوع ، ينظر إليّ و يسيل لعابه فورًا ، لكن بخلاف ذلك لم يكن وجوده مزعجًا.
في الأصل ، و بما أنّه تذرّع بالمرض ، كان من الأنسب إرساله إلى غرفة العلاج.
لكن بخلاف غرفة الصلاة التي نادرًا ما يزورها أحد ، كانت غرفة العلاج مزدحمة نسبيًّا.
‘و بالنظر إلى سمعته السيّئة أصلًا ، فلن يكون غريبًا أن يظنّوا أنّ شيطانًا تلبّسه.’
لذلك لا بدّ أنّ روين قيّد فريسينغير بإحكام و تركه على الأرض.
و على أيّ حال ، إضافةً إلى كراهيتي لقاعة النسخ ، كانت المعلومات التي ألقاها النظام عليّ كثيرةً جدًّا ، و كنتُ بحاجة إلى وقتٍ لأفكّر بهدوء.
المشكلة كانت ليلي المزيّفة.
‘قد تتسلّل و تأتي لتلتهمني.’
لو فكّرتُ بذلك ، فالأفضل أن أبقى ملتصقةً بروين مثل فريسينغير ، لكنّ الأمر لم يَرُق لي.
‘و فوق ذلك ، التعرّض لرائحة ذات تأثيرٍ غريب بهذا الجسد الصغير لا يمكن أن يكون جيّدًا.’
و روين ، الأكثر قلقًا عليّ من أيّ أحد ، لا بدّ أنّه أعدّ شيئًا.
و بينما كنتُ أهزّ رأسي بهذه الأفكار ، فتحتُ منقاري و أطلقتُ صرخةً مرتبكة.
“لا أريد أن آخذ ليلي إلى قاعة النسخ لأنّها تكرهها ، لكنّي أكره أن أفارقها ، لذا سيكون من الأفضل أن تبقى في جيبي.”
“…….”
“لا تقلقي. قاعة النسخ التي تتذكّرينها تختلف كثيرًا عن الحاليّة.”
“تـ……؟”
“نعم ، مختلفة. كنتُ أودّ تركها كما هي ، لكنّها كانت قذرةً جدًّا ، فهدمتُ الجدار متظاهرًا بأنّه خطأ. و هكذا اتّسعت كثيرًا و ظهرت نوافذ. و حتى إن أُحرق البخور ، فلن أدعه يصل إليكِ ، فلا تقلقي.”
آه ، إذن هدم الجدار متظاهرًا بأنّه خطأ.
صحيح أنّ بجانب قاعة النسخ كانت هناك غرفة تُستخدم كمخزن.
و في دير لاتري ، كانت الغرف التي تُسمّى ‘مخازن’ غالبًا أماكن يُحبس فيها مرشّحو الفراخ ، أي أماكن بلا فائدة.
رفعني روين بحذر و وضعني في جيب ردائه.
كان الرداء واسعًا و الجيب فسيحًا ، فكان مريحًا ، لكن شعورًا غريبًا تسلّل إليّ____
“إذًا يا فرين. سنعود.”
“باااب…….”
“لقد أكلتَ قبل قليل. سأطعمك مجدّدًا بعد عودتنا ، فابقَ هادئًا. هيا يا فين.”
“نعم……!”
ما هذا؟
تدفّق الحديث نفسه كان غريبًا.
كلّ شيء بدا مريبًا من البداية إلى النهاية ، لكن من الصعب تحديد ما الخطأ بالضبط.
تنفّستُ بعمق ، و أنا أتخيّل وجه روين الذي كان يمشي ببطء مراعاةً لي داخل جيبه.
التعليقات لهذا الفصل " 173"