كانوا جميعًا راكعين على رُكَبهم.
كان أسمير و فينسترنيس ، اللذان نزلا أولًا ، في الصفّ الأخير ، أمّا ‘أنا’ المزيّفة فكانت في المقدّمة تمامًا.
كان هنفلين ينظر إليهم بنظرةٍ لطيفة ، و كان واقفًا أمام الزجاج الملوّن الجميل ، مستندًا بظهره إلى ضوء الشمس ، فبدا مقدّسًا للغاية.
عندما اكتشف هنفلين روين و هو ينزل الدرج ، ازدادَت ابتسامته إشراقًا أكثر.
“آه ، روين. لقد سهرتَ الليلة أيضًا تقدّم الصلوات ، يا له من أمرٍ يدعو للفخر حقًّا. إنّ الحاكمة ستكون راضيةً للغاية عنكَ. الجميع ، فلنقتدِ بروين.”
ثمّ تفوّه بالكلمات نفسها تمامًا التي قالها في غرفة الصلاة قبل قليل.
و من مظهره ، بدا أنّ ذكرياته قد عُدِّلَت على نحوٍ تامّ.
‘مهما فكّرتُ في الأمر ، فإنّ أخطرَ و أعظمَ وجودٍ هنا هو روين بلا شكّ…….’
كان مخيفًا عندما كان عدوًّا ، لكن ما إن أصبح في صفّي حتّى صار وجوده مطمئنًّا إلى هذا الحدّ.
و الحقيقة أنّ روين يتصرّف بهدوءٍ و يُجارِي من حوله لمجرّد أنّني أنا السّبب في ذلك ، كانت تسعدني ، و في الوقت نفسه تُثير في داخلي شعورًا غريبًا للغاية.
أشار هنفلين بيده لروين كأنّه يطلب منه الاقتراب ، لكنّ روين تظاهر بأنّه لم يرَ ذلك ، و جلس في الصفّ الأخير ، إلى جوار أسمير و فينسترنيس.
و من وجهة نظرٍ ما ، كان ذلك تجاهلًا صريحًا ، و مع ذلك لم يطرأ على تعبير هنفلين أدنى تغيير.
‘لو أنّ شخصًا آخر غير روين تصرّف بالطريقة نفسها ، لكان وبّخه دون شكّ.’
لم يكن الأمر أنّ روين استخدم حيلةً ما ، بل لأنّ هنفلين بطبيعته شخصٌ كهذا.
كان هنفلين يرتدي قناعَ الشخص الفاضل ، لكنّه يملك باطنًا أسودَ قاتمًا ، و كان كريمًا للغاية مع كلّ مَنٔ يعود عليه بالفائدة.
و رغمَ أنّ قلب روين ليس أقلّ سوادًا ، فإنّه كان منذ البداية ‘الفرخ’ الذي كانت الحاكمة تطمع فيه أكثر من غيره.
كان جميلَ الهيئة بلا نقاش ، مطيعًا ، و مجتهدًا.
و كان هنفلين يُظهر تفضيلَه الواضح لروين ، و مع ذلك لم يكن أحدٌ يكرهه.
‘تلك كانت عظمة روين الحقيقيّة.’
كنتُ أنا أيضًا أتلقّى معاملةً تفضيليّة من هنفلين.
فحتّى إن لم أكن مرشّحةً لأكون فرخًا ، فإنّ وعاء الحاكمة كان ، من ناحيةٍ ما ، يؤدّي دورًا أهمّ من القربان نفسه.
لهذا السّبب لم يفرض هنفلين قيودًا صارمة على تصرّفاتي الانفراديّة ، لكن بخلاف روين ، كنتُ أتعرّض للكثير من الكراهية.
أن تكون علاقاتك متوتّرة مع الآخرين في حياةٍ جماعيّة ، أمرٌ مُرهقٌ حقًّا.
‘و مع ذلك ، فإنّ ثباتي و عدم اكتراثي كانا من نقاط قوّتي.’
لم أراقب عن كثب كيف تعيش ليلي المزيّفة حياةَ الدير ، لكن بالنظر إلى وجود الناس حولها ، لم يبدُ أنّ علاقاتها سيّئة على وجه الخصوص.
‘أنا ، عندما كنتُ أصلّي ، لم يكن أحدٌ يجرؤ على الاقتراب منّي.’
و حتّى لو اضطرّ أحدهم إلى الالتصاق بي ، كان يُظهر حرجًا شديدًا أو نفورًا واضحًا.
كانت ليلي المزيّفة تتصرّف بالطريقة نفسها التي كنتُ أتصرّف بها في الماضي ، بينما تتعرّض لتهديدٍ شبه مباشر من روين.
و بما أنّ إيرين قالت أمس: “هل من المقبول ترك ريبلي على حالها؟” ، فمن الواضح أنّها كانت غير راضية.
و مع ذلك ، و بالنظر إلى أنّ الأمر لا يبدو محرِجًا ، فلا يمكن التفكير إلّا في احتمالين.
إمّا أنّ ليلي المزيّفة بارعةٌ جدًّا في فنّ التعامل مع الناس ، أو أنّها ، مثل روين ، قادرةٌ على التحكّم في نفوس الآخرين.
‘بما أنّها قالت إنّها جزءٌ من وعي الحاكمة ، فلا بدّ أنّها تملك قوى غريبة.’
تذكّرتُ النظرة الجشِعة التي رمقتني بها قبل قليل ، فانتفض ريشُ جسدي.
سرتُ متمايلةً قرب خدّ روين ، و جدّدتُ عهدي مرّةً أخرى بأنّي لن أبتعد عنه أبدًا ، مهما حدث.
‘الحمّام…… سأستثنيه ، لكن حتّى أثناء الاستحمام سأظلّ ملتصقةً به!’
لم أرَ جسده العاري من قبل ، لكنّ لا خيار آخر.
و من الأساس ، كان من الواضح أنّ روين لن يتركني ابتعد عنه ، لذلك قرّرتُ ألّا أُعير الأمر اهتمامًا.
‘لكن بما أنّني عدتُ الآن ، فهل سيتوقّف عن جعل ليلي المزيّفة تقلّدني؟’
في البداية ، شعرتُ بالأسى ، و تساءلتُ كم كان يشتاق إليّ ليذهب إلى هذا الحدّ ، لكن بصراحة ، لم يكن شعورًا مريحًا.
إلّا أنّه بما أنّ ليلي المزيّفة كانت تعتبرني طُعمًا ، فإنّ تغيّر موقف روين فجأة قد يثير الشكوك.
و في كلّ الأحوال ، و بجسدي هذا الذي لا يستطيع فعل شيء ، لم يكن أمامي سوى اتّباع ما يريده روين في كلّ شيء.
‘أشعر بالذنب لأنّي مضطرّة للاعتماد على روين و تسليم كلّ شيء له من الألف إلى الياء…….’
حتّى إن لم أستطع تقديم مساعدةٍ مباشرة ، فسأبذل جهدي في الدعم غير المباشر.
بدأتُ ألامس خدّ روين بمنقاري مرارًا و تكرارًا ، غير مصغيةٍ إلى ما كان يقوله هنفلين حتّى من طرف أذني.
و في تلك اللّحظة ، ظهرَت نافذةٌ إلى جوار وجه روين.
[[الملك المتحرّر من الختم] ملك الكوابيس ، المدمّر ، المدنّس ، سيّد الدماء ، (مؤقّتًا) محبّ الطيور
‘روينفيرات’
[الحالة] سعادة ، فرح ]
[[♡]درجة الحبّ: ∞
[♥]درجة الإعجاب: ∞
[▲]درجة الهوس: ∞ ]
كان من المريح للغاية أن تتحوّل الحالات السلبيّة ، كالحزن و الفراغ ، إلى السعادة و الفرح.
كما أنّ إضافة لقبٍ لطيف نسبيًّا مثل ‘محبّ الطيور المؤقّت’ إلى تلك الألقاب المرعبة ، ربّما بسبب تحوّلي إلى طائر ، لم يكن أمرًا سيّئًا.
لكن درجات الحب و الإعجاب و الهوس لم تكن شيئًا يمكن القول إنّه غير مقلق على الإطلاق.
‘ليست 00…… بل رمز اللانهاية…… أليس كذلك……؟’
هذا غريب.
لماذا وُضع هذا هنا؟
كنتُ متأكّدةً أنّ الحدّ الأقصى للأرقام هو 10,000.
فتحتُ جناحيّ و فركتُ عينيّ و نظرتُ مرّةً أخرى ، لكنّها ظلّت كما هي.
‘……سأفقد عقلي.’
صحيح أنّ روين كان قد فقـدَ عقله بالفعل بسببي ، لكن التفكير في هذا الموقف جعَلَ بصري يظلم للحظة.
كنتُ قد عقدتُ العزم منذُ البداية على حماية جسدي بنفسي ، مع الاعتماد على روين ، لكنّ هذا الشعور ازداد قوّةً الآن.
لو حدث لي مكروه ، فإنّ روين سيُطيح بالعالم فعلًا.
لن يموت وحده بهدوء ، بل سيُغرق الجميع في العذاب.
‘أو ربّما يحاول امتلاك قوّة إعادة الزمن ، مثل الحاكمة.’
قد يقول أحدهم: أيّ مجنونٍ يفكّر هكذا؟
لكن روين كان شخصًا قادرًا على التصرف بجنون حقيقي متى ما قرّر ذلك.
‘سأحاول أن أعيش بجدّ…….’
وضعتُ منقاري على خدّ روين أكثر فأكثر ، و هو يُظهر تعبيرًا خجولًا ، و جدّدتُ عزمي مرّةً بعد مرّة.
استمرّت الصلاة ، التي أدارها هنفلين ، قرابة ساعةٍ كاملة.
و عندما أوشكت على نهايتها ، نظر هنفلين إلى حيث كنّا.
“اليوم ، سأقدّم لكم فرخًا أصبح حديثًا خادمًا للحاكمة. هيا ، يا صغيري. تعالَ إلى هنا.”
ابتسم هنفلين بابتسامةٍ بالغة اللطف ، و أشار بيده إلى فينسترنيس.
تردّد فينسترنيس قليلًا ، لكنّه نظر إلى أسمير ، ثمّ إلى روين ، ثمّ إليّ ، قبل أن ينهض.
ثمّ عبر الفراغ متّجهًا نحو هنفلين.
تحت الضوء ، بدا فينسترنيس ضعيفَ البنية و بلا قيمة تُذكَر عند النظرة الأولى.
لكن ما إن أزاح هنفلين خصلات شعره الأماميّة و قدّمه إلى الأمام ، حتّى انطلقت تأوّهاتٌ خافتة من هنا و هناك.
كان وجهه الأبيض النحيل قليلًا ، و ملامحه مرتّبة للغاية ، أمّا عيناه البنفسجيّتان المتلألئتان بخفوت ، فبدتا كأنّهما مرصّعتان بالجواهر.
ابتسم هنفلين برضًا واضح ، ثمّ قال بصوتٍ لطيف:
“بالمناسبة ، لم أسألكَ عن اسمك. عرّف بنفسك للعائلة التي ستعيش معها من الآن فصاعدًا.”
أومأ فينسترنيس برأسه ، رغم تردّده.
و في اللّحظة نفسها ، رأيتُ____
ليلي المزيّفة كانت تنظر إلى فينسترنيس بعينين قذرتين ، تلعق شفتيها ، و إلى جوارها نافذة نظامٍ تظهر أنها غارقة في السعادة.
رغمَ أنّها أخفت تعبيرها في لحظة ، إلّا أنّه كان واضحًا أنّها تعتبر فينسترنيس طعامًا أيضًا.
و لحسن الحظّ أو لسوئه ، بدا أنّ فينسترنيس لم يلاحظ نظرة ليلي المزيّفة القذرة ، بسبب وجود هنفلين.
ابتلع فينسترنيس ريقه عدّة مرّات ، ثمّ فتح فمه.
“أنا ، اسمي فين. أتمنّى أن أعيش هنا جيّدًا…….”
كان أسلوبه متردّدًا و خجولًا ، لكن الجميع صفقوا مرحّبين به.
و على وجه الخصوص ، كانت ليلي المزيّفة تبدي حماسًا شديدًا.
إلى أن عاد فينسترنيس مسرعًا إلينا ، ظلّ نظرُ ليلي المزيّفة يلاحقه.
التعليقات لهذا الفصل " 171"