بعد أن انتهت كلمات روين ، لم يُبدِ فريسينغير أيّ ردّة فعل.
ثمّ بعد لحظة ، أمال رأسه متحيّرًا و تمتم.
“هل سبق أن انشقّ رأسي دون أن أدري؟”
لم يكن يشكّ في كلام روين ، بل كان يشكّ في نفسه ، و هذا بحدّ ذاته يشبهه كثيرًا.
ابتسم روين ابتسامة خفيفة و هزّ رأسه.
“لا. في ماضٍ اختفى الآن ، تعرّضتَ للضرب إلى حدّ احتجتَ فيه إلى علاج ، لكن في الحاضر لا يوجد شيء.”
لكن حقيقة أنّ أمرًا كهذا قد حدث فعلًا أفقدته القدرة على الردّ.
كان يعرف أنّ هناك اعتداءات تُمارَس تحت مسمّى العقاب و التأديب ، لكنّه لم يكن يدرك إلى أيّ مدى كانت خطيرة.
‘مع ذلك ، ظننتُ أنّ مرشّحي الفراخ جميعهم قرابين ثمينة ستُقدَّم للحاكمة ، لذا لن يكون الأمر بتلك القسوة….’
يبدو أنّني كنتُ ساذجة أكثر ممّا ينبغي.
مع أنّه كان واضحًا أنّ أولئك الذين لا يجدون مشكلة في التجويع و الحبس قادرون على فعل ما هو أسوأ.
و بمشاعر متردّدة و غريبة ، جلستُ بارتخاء فوق كفّ روين.
فلفّ روين كفّه عليّ بحذر و همس بلطف.
“لا داعي لأن تشعري بذنب أو مسؤوليّة لا لزوم لها ، ليلي. لقد أخفوا الأمر بإحكام ، لذا كان من الطبيعي ألّا تلاحظي.”
عندها فقط ، و بعد سماع كلمات روين ، أدركتُ اسم الشعور المزعج.
إنّه الذنب و المسؤوليّة …. بالضبط.
لا أشعر بهذا لأنّني شخص طيّب للغاية أو مثاليّ إلى هذا الحدّ.
بل لأنّني كنتُ أُظهر اهتمامي و قلقي ، و مع ذلك أجهل حقيقة كهذه ، و هذا الجهل كان مزعجًا.
و لهذا أضاف روين على الأرجح عبارة “من الطبيعي ألّا تعرفي”.
‘أتمنّى لو أنّ هنفلين و كلّ مَن شاركه ذلك الفعل نالوا العقاب.’
العقاب بعد الموت جيد بالطبع ، لكنّي أتمنّى لو ذاقوا عقابهم و هم أحياء أيضًا.
و بينما كان فريسينغير يحاول فهم كلام روين ، متمتمًا و متأوّهًا ، قال.
“أمممم ، الآن لا أفهم شيئًا ممّا يحدث. لكن إذا استعدتُ تلك الذكريات ، سأفهم كلّ شيء ، أليس كذلك؟”
“نعم. لكن ، فرين. عندما تعود ذاكرتك ، ستتألّم كثيرًا. ستعود أيضًا ذكريات قاسية و مروّعة. و ربّما تلومني. هل هذا مقبول بالنّسبة لك؟”
كان ما يقلق روين بلا شكّ هو ذكريات التهام الأرواح الشرّيرة له ، و الخمسمئة عام التي عاشها و هو فاقد لصوابه.
أنا استعدتُ ذكريات حياتي السابقة تدريجيًّا و على مراحل عدّة.
كما لو أنّ كرة غارقة تحت سطح الماء تطفو ببطء.
لذلك لم أتعرّض لصدمة كبيرة عند عودة الذكريات ، لكنّ فريسينغير كان في وضع مختلف تمامًا.
و مع ذلك ، هزّ رأسه بلا اكتراث ظاهر بكلام روين.
“لا أظنّ أنّني سألقي اللوم عليك ، لكن حتّى لو فعلتُ ، سأفكّر بالأمر حينها. ذكريات مروّعة أو غيرها ، هل ستكون أسوأ ممّا أنا فيه الآن؟ أصلًا ، إن كنتُ سأتحرّر ، فلا يهمّني أيّ من هذا.”
و كأنّه يقول له أن يُسرع ، فتح فريسينغير ذراعيه و لوّح بهما.
عند هذا المشهد ، ابتسم روين ابتسامة خفيفة و قال.
“كنتُ أعلم أنّك ستقول ذلك ، فريسينغير.”
“مَنٔ هذا؟ اسمي فرين. منذ متى صار اسمي طويلًا إلى هذا الحدّ؟”
“ستتذكّر قريبًا. فين ، اعتنِ بليلي جيّدًا.”
روين ، الذي بدا و كأنّه لن يتركني أبدًا ، نقلني إلى كفّ فينسترنيس.
يبدو أنّه كان عليه أن يفعل شيئًا أثناء إعادة الذكريات.
تلقّاني فينسترنيس بارتباك و بحذر ، و أنا حدّقتُ في وجهه الحزين و فتحتُ منقاري.
“بي-“
“……لحسن الحظّ أنّكِ بخير. كنتُ قلقًا.”
أخفض فينسترنيس رأسه قليلًا ، و التقت أعيننا عن قرب و هو يبتسم بخفّة.
و كأنّني أبادله الابتسامة ، حرّكتُ منقاري ، و فجأة خطرت لي فكرة.
‘كيف عرف روين أنّني كنتُ في قاعة الطعام و جاء ليبحث عنّي؟’
كنتُ سعيدة فقط لأنّني رأيته و لأنّه تعرّف عليّ ، فلم أفكّر في الأمر ، لكنّه كان غريبًا فعلًا.
‘سأسأله لاحقًا بالتأكيد.’
حاليًّا ، قدرتي اللغويّة تشبه رضيعًا ، و التعبير بالحركات صعب ، لكنّ الأمور ستتحسّن تدريجيًّا.
درتُ بجسدي لأتّجه نحو روين و فريسينغير.
كان روين يربط يدي فريسينغير بحبل ظهر من حيث لا أدري.
“…….”
ما هذا؟ لماذا يربطه؟
لأنّ لديّ أجنحة بلا يدين ، لم أستطع حتّى فرك عينيّ ، فاكتفيتُ بهزّ رأسي بقوّة ثمّ نظرتُ مجدّدًا.
و كان روين يقيّد قدمي فريسينغير بحبل ثانٍ ظهر بدوره من العدم.
“أو-ي…….”
“لا شيء غريب. إنّنا نربطه كي لا يؤذي نفسه بعد استعادة الذكريات.”
“آ-ها؟”
“نعم ، إيذاء النفس. قد يتعرّض لصدمة مخيفة جدًّا ، فيصدم رأسه أو يخدش جسده أو يقوم بتصرّفات خطرة دون وعي…….”
مع خفوت صوته تدريجيًّا ، بدأت كفّ فينسترنيس ترتجف بخفّة.
لا بدّ أنّ أمرًا كهذا قد حدثَ فعلًا من قبل.
ربّما كان لذلك علاقة بعدم تذكّرهم لما جرى في الدير ، أو لما سيحدث بعد خمسمئة عام حين تلتهمهم الأرواح الشرّيرة و تتغيّر هيئاتهم.
كان التفكير في الأمر مريرًا ، لكنّه مستقبل اندثر و لم يبقَ منه سوى الذكريات.
تمنّيتُ ألّا يتلقّى فريسينغير صدمة قاسية ، فنظرتُ إليه مجدّدًا ، لكنّ الشعور كان غريبًا.
“نعم ، هكذا جيّد. و أيضًا ، أليس من الأفضل ربط اليدين إلى الخلف لا إلى الأمام؟ قد أعضّ الحبل بأسناني. أسناني قويّة و قوّة فكيّ ممتازة ، أستطيع مضغ هذا.”
“آه ، صحيح. إذًا سنربطهما إلى الخلف.”
“…….”
في موقف كهذا ، قد يبدو روين غريب الأطوار ، لكنّ فريسينغير لم يُبدِ أيّ شكّ ، و لا ذرّة واحدة.
بل على العكس ، هو مَنْ بادر و طلب أن يُربط ، و كان ذلك تصرّفًا عجيبًا.
حسنًا ، لأنّه كان عنيدًا إلى هذا الحدّ ، لم ينحنِ و لم يتخلَّ عن تمرّده.
أمّا روين ، فكان ليّنًا مع الأشخاص الذين يشعر أنّ عليه رعايتهم.
أنا التي كنتُ أندفع بلا تفكير ، و فينسترنيس الذي لم يكن ينسجم مع من حوله ، و كذلك فريسينغير دون شكّ.
و أسمير الذي عانى بعد وفاة أخيه ، و إيدلاين الذي تعرّض للتجاهل بعد تشوّه وجهه.
‘حين يستعيدون ذكرياتهم جميعًا ، سيفرحون.’
حتّى لو مرّوا بأمور مخيفة و قاسية ، فقد أُتيحت لهم فرصة لتصحيحها.
أنا أؤمن بحقدٍ و كراهيةٍ عمرهما خمسمئة عام.
في هذه الأثناء ، كان فريسينغير قد قُيّد تمامًا ، ذراعاه و قدماه ، و مُدّد على الأرض.
جثا روين إلى جواره ، و وضع يده على رأسه ، و قال هامسًا.
“سنبدأ الآن ، فرين. في الحقيقة ، أنتَ أكثر مَنٔ كنتُ قلقًا بشأنه ، لذلك أردتُ أن أُعيد لكَ ذاكرتك أوّلًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 167"