أعدتُ إطلاق صوتٍ آخر لأُعلِمه بأنّ لديّ قدرة على النطق.
“أو—يي!”
كنتُ أريد أن أقول روين ، لكنّ النطق لا يخرج كما ينبغي.
و مع ذلك ، و بالرغم من كوني فرخًا ، فإنّ الصوت يخرج مقنعًا إلى حدٍّ ما ، ممّا يجعلني أظنّ أنّ للأمر علاقة بتأثير التقمّص.
ابتسم روين برفق ، و كأنّه فهم ما كنتُ أحاول قوله.
“فهمتُ. لقد صرتِ ببغاءً ، يا ليلي.”
حينها استجاب فريسينغير فورًا.
“ما هو الببغاء؟ و لماذا اسم هذا الطائر أيضًا ليلي؟”
“إنّه طائر يعيش غالبًا في المناطق الحارّة. و اسم هذه الصغيرة هو ليلي بالفعل.”
أجاب روين دون أدنى ارتباك ، ثمّ راح يربّت على رأسي بلطف بإصبعه.
أغمضتُ عينيّ و أنا أستمتع بلمساته.
صحيح أنّ الأمر لم يكن بإرادتي ، لكنّني حصلتُ على جسد ، لذا كان بإمكاني أن أطمئنّ مؤقّتًا.
كما أنّ جروحي شُفيت تمامًا ، فشعرتُ بالخِفّة ، و كانت حالة روين مستقرّة جدًّا أيضًا.
‘يبدو أنّ ليلي المزيّفة قد لاحظت شيئًا ، لكن طالما أنا إلى جانب روين فسيكون الأمر على ما يرام.’
و على أيّ حال ، يبدو أنّنا لن نفترق أينما ذهبنا ، لذا لم يكن هناك ما يدعو للقلق.
في تلك اللحظة ، و بعد أن استمع فريسينغير إلى جواب روين ، أمال رأسه بتساؤل ، ثمّ أطلق صوتًا و كأنّه أدرك أمرًا ما.
“آه ، فهمتُ. أنتَ يا روين تحبّ السيّدة ليلي ، و لذلك سمّيتَ هذا الطائر ليلي أيضًا ، أليس كذلك ؟ كما أنّك أخذته على عجل لأنّك خشيتَ أن تسألك السيّدة ليلي عن اسمه ، أليس هذا صحيحًا؟”
ابتسم روين بلطف ، ثمّ قال بحزم.
“نعم و لا. صحيح أنّني أحبّ ليلي ، لكنّها ليست ليلي التي أحبّها. ليلي الخاصّة بي هي هذا الطائر الآن.”
كان صوت روين هادئًا للغاية و هو يتابع حديثه.
لكنّ سهولة لفظه لكلمة “أحـبّ” ، و قوله “ليلي الخاصّة بي” و هو يشير إليّ ، جعلتني أنا أشعر بالحرج أكثر منه.
كان فينسترنيس يقف متجمّدًا و هو ينظر إليّ ، ثمّ ضحك بصمت ، بينما بدا فريسينغير أكثر ارتباكًا و هو يواصل إمالة رأسه.
لكنّه سرعان ما أومأ برأسه و كأنّه فهم.
“حسنًا ، فهمتُ. يقال إنّ الحبّ لا يعرف حدودًا ، فليس من الغريب أن يهتم المرء بطائر. و أنا مَن وُلد متجاوزًا لتلك الحدود ، أقول لكما : عيشا بشكلٍ جميل!”
يا للإرباك.
ما هذه الترهات التي يقولها بكلّ هذه الجديّة ؟
كلام يبدو مقنعًا للوهلة الأولى لكنّه بلا أساس ، و مع ذلك أجاب روين بابتسامته اللطيفة المعتادة.
“نعم. شكرًا لك ، يا فرين.”
‘حسنًا…… طالما أنّك سعيد ، فهذا يكفي…….’
و حين رأيتُ وجنتَي روين وقد احمرّتا ، قرّرتُ التوقّف عن التفكير.
فتح فريسينغير فمه مجدّدًا و هو يبدو فخورًا.
“على أيّ حال ، ما قصّة اقتراح قتل الحاكمة هذا؟ مهما كان الأمر ، أنا في صفّك ، فأخبرني.”
“همم ، عليكَ أوّلًا أن تعرف أنّ ‘السيّدة ليلي’ التي تعرفها شريرة ، وهي في صفّ هنفلين.”
كان ردّ فعل فريسينغير أو جوابه لن يخرج عن احتمالَين.
الأوّل : أن يصدّق كلام روين و يثـق به كما فعل دائمًا.
و الثاني : أن يعترض قائلًا إنّ ‘ليلي’ لا يمكن أن تكون كذلك.
و بملامح معقّدة قليلًا ، حرّك فريسينغير شفتيه ، ثمّ أجاب بما يشبه ما توقّعناه.
“روين. أنتَ مَن اقترب منّي دون تردّد رغم أنّ الجميع هنا كانوا يعاملونني بنبذٍ صريح ، و كنتَ دائمًا تتدخّل لمساعدتي إن وقعتُ في مشكلة. و كنتَ تجلب لي الطعام باستمرار. لكنّ السيّدة ليلي كانت كذلك أيضًا.”
كان شعوري و أنا أستمع إلى ذلك معقّدًا جدًّا.
ليلي المزيّفة لم تكن تهتمّ بفريسينغير إلّا لأنّ روين أجبرها على ذلك.
كان روين يُسقِط صورتي السابقة عليها ، و يريدها أن تتصرّف بالطريقة نفسها.
أي أنّ المشاعر التي تقول : “السيّدة ليلي شخص أشعر بالامتنان له !” ، كان من المفترض أن يشعر بها تجاهي أنا أيضًا.
‘و مع ذلك ، بعد خمسمئة عام عاملني بتلك الطريقة…….’
حتّى و إن لم يكن في وعيه الكامل بسبب اِلتهام الروح الشرّيرة له ، إلّا أنّ الشعور بالمرارة لم يكن أمرًا يمكن تجاهله.
لكن لا بأس ، فمثل تلك الأمور لن تتكرّر بعد الآن ، فلنتركها جانبًا.
المهمّ في النهاية أنّ كلّ ذلك كان بإرادة روين.
و قد قالها روين بنفسه مباشرة.
“كلّ ما فعلته ليلي تلك كان بأوامري. بما أنّها كانت في موقع يسمح لها بالتحرّك بحرّيّة أكبر منّي ، فقد كلّفتُها بالكثير من الأمور. لكنّ نوع الطعام الذي كانت تجلبه لك ، تركتُه بالكامل لقرار ليلي.”
كان الحديث يسير بسلاسة ، ثمّ تحوّل فجأة إلى موضوع الطعام.
تساءلتُ عن السّبب ، لكنّي أدركتُ كلّ شيء حين استمعتُ إلى ما تلا ذلك.
“أنا كنتُ دائمًا أجلب لكَ ألـذّ خبز أبيض ، و اللحم ، و الجبن ، و أحرص على أن تشبع. لكن ماذا عن ليلي تلك؟”
“أممم…… عادةً كانت تجلب خبز الجاودار ، و حساءً خفيفًا ، أو يخنة السبانخ.”
“يا فرين. يتم وضع قيود على كميّة الطعام هنا ، أليس كذلك ؟ في البداية يسمحون لنا بالأكل كما نريد ، ثمّ يفاجئوننا بسرد قصصٍ قديمة. أتذكّر ؟ قصّة الشخص الذي يسقط في الجحيم ، فيُقدَّم له الطعام أوّلًا ، لكنّه إن لمس ذلك الطعام فلن يستطيع الخروج من الجحيم.”
فجأة ، تذكّرتُ اللقاء الذي جمعني بروين في المطعم قبل إرجاع الزمن.
في ذلك الوقت ، كان يسكب لي يخنة السبانخ و يروي تلك القصّة.
‘صحيح ، كان يتصرّف بدناءة شديدة عندما يتعلّق الأمر بالطعام.’
معظم الأطفال الذين جاءوا إلى الدير نشؤوا في فقرٍ.
و عندما كانت تقال لهم مثل تلك الأمور و يتم الضغط عليهم بشكل خفيّ ، فلن يكون أمامهم سوى الامتناع عن الأكل.
واصل روين حديثه و هو ينظر إلى فريسينغير الذي عقد حاجبيه.
“نحن كذلك ، لكن الكهنة الذين يرتدون الأسود مثل ليلي يتناولون دائمًا وجبات جيّدة. هل تتذكّر ماذا أكلت ليلي تلكَ في قاعة الطعام قبل قليل؟ خبزًا أبيضَ محشوًّا مصنوعًا بكميّة وفيرة من الزبدة ، و يخنة مليئة بالمكوّنات. حتّى الحساء كان كثيفًا و مليئًا بالحبوب ، ناهيك عن الفاكهة الطازجة التي يستطيعون تناولها متى ما أرادوا. لكن لماذا كانت ليلي تجلب لكَ دائمًا تلك الوجبات فقط ؟ خجلًا منك ؟ بالطبع لا. لو كانت تخجل فعلًا ، لما قامت من الأساس بأفعال يكرهها هنفلين. و لو كانت تشفق عليكَ حقًّا و تريد مساعدتك ، لكانت جاعت هي نفسها و أحضرت لكَ طعامًا دافئًا و لذيذًا.”
نعم ، هكذا كنتُ أنا في الماضي.
و كان روين يقول ذلك مستحضرًا تلك الذكريات ، فيما تمتم فريسينغير بوجهٍ قاتم.
“صحيح. لم تُحضر لي السيّدة ليلي خبزًا أبيض قطّ ، و لم تُطعمني حتّى الشبع….”
“و هذا متوقّع. لأنّ كلّ ذلك كان بأوامري القسريّة.”
“…….”
“……لكن يا فرين. قد لا تتذكّر ، لكن كانت هناك فتاة. كانت تقلق عليكَ و تهتمّ بك حتّى و هي تتعرّض للضرب و الجوع.”
شعرتُ بنظرةٍ حنونة.
نظر فريسينغير إليّ كما يفعل روين ، ثمّ هزّ رأسه نافيًا.
“لا. لم تكن هناك فتاة كهذه.”
“أنتَ فقط لا تتذكّر. و أنا أستطيع أن أُعيد لكَ تلك الذكريات. و هذا هو الشرط لمنحك الحرّيّة. استعادة الذكريات.”
التعليقات لهذا الفصل " 166"