ساد صمت تام داخل قاعة الطعام التي كانت تضج سابقا بأصوات معتدلة الحجم.
و وسط ذلك السكون، بدأ صوت خطوات يخترق الصمت و يقترب بسرعة.
تصلّبت ملامح “أنا” المزيّفة كلما اقترب روين، كما سحبت ذراعها الممدودة إلى الأمام على عجل.
وصل روين إلى جانبي في لحظة، و أطلق زفرة مرتجفة وهو ينظر إليّ وأنا واقفة فوق كف فريسينغير.
من نظرات عينيه التي بدت كأنها فقدت صوابها قليلا، بدا أنه تعرّف إلى هويّتي.
أمال فريسينغير رأسه وهو ينظر إلى روين بتعجّب، ثم قال.
“ما الأمر، روين؟ هل فعلت السيّدة ليلي شيئا خاطئا؟ إن كسرت الباب، فحتى أنت سيغضب منك السيّد هنفلين بجنون.”
“……كان لدي ما أقوله، لكنني نسيت. الباب لا بأس به. قالوا أصلا إنه قديم و سيُستبدل قريبا. على أي حال، فرين. يبدو أن هذا الطائر مصاب، فلنذهب و نعالجه.”
“هاه؟ هل ستعالجه أنت، روين؟”
دون أن يجيب، أومأ روين برأسه، ثم نقلني بحذر شديد إلى يده و احتضنني.
تسرّب إلى جسدي شبه المخدّر إحساس منعش لطيف.
و مع إحساس كالوخز اللطيف، كما لو أن لحما جديدا ينمو فوق الجروح، بدأ الألم يهدأ تدريجيا.
نظر إليّ روين بوجه قلق، ثم شد شفتيه و قال.
“إذًا يا ليلي، دعينا نلتقي لاحقا في الحديقة.”
“…….”
كانت شفتاه ترسمان ابتسامة، لكن عينيه لم تبتسما إطلاقا.
كان الأمر أشبه بتحذير يقول: “تصرّفي جيدا.”
ابتسمت “أنا” المزيّفة ابتسامة متكلّفة و أشاحت بوجهها.
أمسك روين بي بيد، و بذراع فريسينغير باليد الأخرى، و عبر قاعة الطعام متّجها إلى الممر، ثم عاد مباشرة إلى غرفة الصلاة.
كان فينسترنيس ينتظر داخل غرفة الصلاة.
و ما إن دخلنا حتى أشرق وجهه الذي كان مليئا بالقلق.
أما هنفلين، الذي كان يضرب رأسه بالحائط و يتمتم، فقد اختفى إلى مكانٍ ما.
ابتهج فينسترنيس عند رؤية فريسينغير الذي تبعنا، لكن فريسينغير نفسه أمال رأسه بوجه فارغ و سأل.
“مَنٔ هذا؟ هل كان هناك شخص مثله هنا؟”
“آه، أنا…… بالأمس جئت إلى هنا، تم بيعي…….”
“تبّا! ذلك العجوز المجنون هنفلين، بدل أن يعتني بمَن لديه جيدا، يواصل جلب المزيد!”
“…….”
“يا صغير. مهما حاول ذلك الرجل خداعكَ بكلام لطيف، فلا تصدّقه أبدا. نحن هنا أشبه بالمحتجزين، و لا أحد يثق بنا. آه، بالطبع إذا قلتَ إنك تريد المغادرة، فإنهم يخرجونكَ، لكن إنْ ظل الأعمام و العمّات يلتصقون بك طوال الوقت، فهذه مراقبة. هل يمكن تسمية ذلك بحرية؟ إذا حاولتَ التصرّف وحدكَ قليلا، يندفعون إليكَ بعينين مشتعِلتين، ثم يقولون إن سلوككَ متمرّد و يحبسونك، إنهم مجانين. لكن يبدو أن وجهكَ لا بأس به أيضا؟ لاحظت منذ جئت إلى هنا أنهم لا يُدخلون إلا الأطفال الوسيمين و الجميلين.”
واصل فريسينغير الحديث دون توقّف، و كأنه يحمل رسالة تقول: “يجب أن أُطلع هذا الحمل الصغير على الحقيقة!”
حتى أنا التي كنت أستمع فقط شعرت بأن طاقتي تُستنزف، لكن فينسترنيس كان يعض شفتيه بوجه متأثّر للغاية.
بالطبع، كان رد فعل مفهومًا.
‘صديق ظل فاقدًا لعقله طوال 500 عام و لا يتحدّث إلا عن الطعام عاد طبيعيا، فكم سيكون سعيدا….’
عند تذكّر فريسينغير الذي كان يسيل لعابه و هو يئن من الجوع، و حتى بعد أن يُشبع جوعه كان يبدو شارد الذهن كما لو أن ذكاءه انخفض كثيرا، كان من الطبيعي أن يشعر بالسعادة.
عندما أومأ فينسترنيس برأسه، ابتسم فريسينغير ابتسامة عريضة.
“آه، يبدو أنك تفهمني جيدا. ما اسمكَ؟ أنا فرين. سأبلغ الخامسة عشرة قريبا، لكن يقولون إني أبدو في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة. لهذا يمنعونني من أن أكبر أكثر، فلا يُطعمونني و يقومون بتجويعي، إنهم مجانين حقا، أليس كذلك؟ أما روين و السيّدة ليلي هنا…… آه، السيّدة ليلي هي ابنة العجوز هنفلين، لذا وضعها مختلف قليلا عنّا. هل ترى حال ملابسي أنا و روين؟ الأطفال الذين يعيشون هنا يرتدون ملابس بيضاء، و عليهم أن يصلّوا طوال الوقت لحاكمة لا يعرفون حتى مَنٔ هي. أما الذين يرتدون الأسود، سواء كانوا كبارا أو صغارا، فهم الكهنة هنا أو شيء من هذا القبيل. و هؤلاء هم…….”
“فرين، لحظة.”
توقّف فم فريسينغير الذي لم يكن يعرف أين يمكن قطعه من كثرة حديثه، بعد أن أوقفه روين.
كان فريسينغير ثرثارا أكثر مما أتذكّر…… يبدو أنه في الماضي كان يراقب نفسه قليلا.
“لماذا؟ ما زال لدي الكثير لأقوله. يجب شرح هذه الأمور مسبقا.”
و رغمَ أنه أغلق فمه مطيعا، فإن ملامحه كانت متجهّمة، مما جعل روين يبتسم.
ثم نظر إليّ بنظرة دافئة، و قد تعافيت تقريبا بالكامل.
حينها صاح فريسينغير.
“آه! صحيح، ذلك الطائر. هل أصبح بخير الآن؟”
“نعم. أصبح بخير الآن. فرين، أنتَ مَنٔ ساعدته، صحيح؟ شكرا لك.”
“إذا تحدّثنا بصراحة، صحيح أنني ساعدته، لكنّني في الأصل التقطته لأني تساءلت إن كان سيكون لذيذا لو شويته كاملا. لكن ما هذا الطائر حتى تشكرني بسببه؟”
توقّف روين لحظة عند صراحة فريسينغير المفرطة، ثم تابع.
“بالنسبة إليّ الآن، هو…… طائر أثمن من أي شيء. إذا شعرت بالجوع، سأجلب لكَ طعاما، لذا لا تأكله أبدا.”
“لن آكله. حتى لو شويته، لا يبدو أن فيه لحما أصلا. لكن إن كان ثمينا لهذه الدرجة، فلماذا لا تضعه في قفص؟ أنتَ تستطيع أن تطلب من العجوز هنفلين أو من السيّدة ليلي قفصا.”
……لمجرّد أنني تجسّدت في جسد طائر، لا أنوي العيش كطائر حقيقي.
لكن “أنا” المزيّفة أظهرت سلوكا غريبا و كأنها لاحظت شيئا، و روين أيضا بدا أنه فقـدَ رباطة جأشه، لذا من المؤكّد أن الأمر سيبدو مريبا.
و فوق ذلك، فإن هوسه بي مرتفع جدا، مما جعل القلق يتصاعد داخلي من أنه قد يحبِسني فعلا.
‘ماذا لو سار الأمر بشكل مشابه لنهاية الفتاة المحتجزة…….’
عندما أفكّر في ذلك الوقت، كنت آكل جيدا و أعيش براحة حتى ازداد وزني، لكن لم تكن لدي أي حرية.
و بينما كنت أقلق من جديد، أخذت أصابع روين تداعب رأسي بلطف.
و تبع تلك اللمسة صوت حنون بقدرها.
“لن أفعل شيئا كهذا. فقط ابـق في مكان تقع عليه عينيّ. أينما كنت…و دائما…….”
‘…….’
هذا أيضا كان مخيفا بطريقته، لكن لنفكّر بإيجابية، بإيجابية.
نظر إليّ روين بوجه مفعم بالسعادة، ثم رفع رأسه و خاطب فريسينغير مجددا.
“أنت أيضا لا تريد أن تعيش محبوسا في قفص، أليس كذلك، فرين؟ إذا قبلت اقتراحي، سأمنحكَ الحرية.”
يبدو أنه ينوي أن يترك له خيار استعادة ذكرياته أم لا.
اتّسعت عينا فريسينغير عند سماعه كلمة “الحرية”.
و قبل أن يتكلّم، أضاف روين.
“ليس عليكَ أن تُجيب الآن. استمع أولا إلى اقتراحي و شروطه بالتفصيل، ثم قرّر.”
“سواء استمعتُ أم لا، إذا كان يمكنني أن أخرج من هذا المكان البائس و أعيش خارجه، فأي شيء سيكون جيدا. كما أنك لن تفعل شيئا يؤذيني.”
كان يتحدّث بفظاظة، لكن ذلك كان يعني أنه يثق بروين تماما.
‘كما توقّعت، يبدو أنه اعتنى به كثيرا.’
لا بد أن روين شعر بمشاعر خاصة عندما التقى فريسينغير لأول مرة، تماما كما شعر تجاه فينسترنيس الآن.
و رغمَ يأسه من عالم لم أكن موجودة فيه، فإنه تحمّل لسنوات، بفضل فريسينغير و كذلك أسمير و إيديلاين اللذين لم ألتقِ بهما بعد.
نظر فريسينغير إلى روين بثبات، و كأنه يقول له أن يتكلّم بسرعة.
و بابتسامة صادقة تختلف عن تلك التي أظهرها لـ “أنا” المزيّفة قبل قليل، أجاب روين دون تردّد.
كنت أتوقّع بالكاد أن يقول شيئا مثل: “هناك حقيقة نسيتها.”
“فرين. لنقتل الحاكمة معا و نصبح أحرارا.”
لكن روين قال ذلك فجأة، مما أربكني.
“الحاكمة؟ تلكَ التي يقدسونها هنا بجنون؟ أم أنكَ تقصد شيئًا آخر؟ على أي حال، لا يهم. كيف سنقتلها؟”
قبِـلَ فريسينغير الأمر بسهولة مدهشة و سأل ببراءة، مما جعلني أرتبك أكثر……
وقفت على كف روين بقدميّ دون وعي، و نظرت بعينين مرتجفتين بين روين و فريسينغير، ثم نظرت إلى فينسترنيس.
حينها قال فينسترنيس، صاحب أصغر و أرقّ وجه.
“أممم… إذًا، أظن أنه سيكون من الأفضل أولا نزع جميع أسنان الحاكمة و قطع ذراعها…….”
……يبدو أن مقولة إن الناس يتشابهون مع من يرافقونهم تنطبق في أي زمان و مكان.
لكني أؤيّد بشدّة القضاء على تلك العملاقة!
“دو—دا!”
صرخت بصوتٍ عال لأعبّر عن موافقتي، و رغم أن الصوت الذي خرج من فمي، لا، من منقاري، كان نطقه غير دقيق، فإنه كان كلمة واضحة.
و بعد لحظة، ظهرت حالتي.
[[الفرخ الضائع] ببغاء صغير “ريبلي”
[الحالة] ارتباك ، فوضى ، سكون ]
ببغاء.
طائر يمكنه، بعد التدريب، التحدّث بلغة البشر حسب نوعه.
لا أعلم لماذا كان هناك ببغاء في مثل هذا المكان، لكن شعرت و كأن ذلك قدَر.
التعليقات لهذا الفصل " 165"