“شيء كهذا، حتى لو شويناه كاملا، فلن يسد الجوع أصلا. آه، أنا جائع…… ليس خطئي أنني وُلدت بنمو جيّد، لكنهم يثيرون الضجّة لأنهم لا يطعمونني كما ينبغي. يتحدّثون عن هراء أن الشراهة يُسقط في الجحيم، و مع ذلك يبخلون بالطعام.”
تذمّر فريسينغير وكأنه يشكو، ثم عبس.
حين واجهته، تذكّرت بوضوح كيف كانت شخصية فريسينغير في الماضي.
لقد تُرك في طفولته، فتجوّل في الأزقّة الخلفية يتسوّل و يسرق، قبل أن يلفت انتباه هنفلين و يُجلب إلى الدير بسوء حظ.
و كانت شخصيته خشنة جدا.
إذا أردنا التعبير بلطف، يمكن القول إنه خشن، لكن إن قيل الأمر بصراحة، فقد كان وقحا و متمرّدا للغاية.
“قالوا إنهم سيجعلونني أعيش في دفء و شبع بدل أن أموت فجأة في الشوارع، لكن يا له من هراء.”
……ربّما كان السبب في أنه تعرّض لعقوبات قاسية بشكلٍ خاص هو شخصيته التي لا تنحني.
كما كان نوعا من العبرة.
ليُظهروا للأطفال الآخرين أن مَنٔ يتمرّد أو يشك أو يطمع، سيُحبس في السجن و يُعاقَب.
كلما فكّرت في فريسينغير، كانت أحداث مؤسفة تتدفّق في ذهني، لكن رأسي كاد ينفجر، فتوقّفت عن التفكير.
إن بقيت هكذا، سأموت حقا.
‘أنقذني…….’
إذا مـتّ في هذه الحالة، ماذا سيحدث لروحي؟
هل سأضطر إلى البحث عن جسد جديد و أنا في حالة ممزّقة؟
لم أكن واثقة من أي شيء، لكن الألم استمر، فصار ذهني فارغا تماما.
شعرت بوضوح بأن وعيي يبتعد، كما لو أنني أغفو.
و عندما ارتخى جسدي، تمتم فريسينغير بارتباك.
“هاه، ما هذا؟ لماذا تحاول أن تموت فوق يدي؟ لا تفعل ذلك. لا أريد.”
أنا أيضا لا أريد أن أكون هكذا و لا أريد أن أموت، أيها الأحمق.
بالطبع، فريسينغير لا يتذكّر ما سيحدث بعد 500 عام، لذا يُعد ذلك أمرا لم يحدث أصلا.
و مع ذلك، كم اعتنيت به بعناية!
كلامه الذي لا يُقدّر ذلك إطلاقا جعلني أشعر بالاختناق.
بفضل ذلك، استعدت صفائي الذهني للحظة، فغطّاني فريسينغير بكفّه و قال بلهفة.
“يا هذا، أيها الطائر. لا تمت ، عليكَ أن تصمد. سأصطحبكَ إلى شخص يمكنه علاجك.”
ثم بدأ يركض نحو مكان ما.
شعرت و كأن جسدي سيتحطّم، لكنه كان أصلا في حالة ممزّقة، فلم يكن هناك فرق كبير.
لكن عند سماعي عبارة “شخص يمكنه علاجك” ، شددت عزيمتي في رأسي الذي صار أصغر من ظفر.
‘لا بد أنه روين. سيكون روين بالتأكيد……!’
كنت واثقة من ذلك!
كما يظهر من بشرته السمراء، فإن فريسينغير ذو أصول مختلطة.
و ربّما كان ذلك سبب التخلّي عنه.
رغمَ أن مظهره كان جميلا جدا لدرجة أن هنفلين اختاره كمرشّح ليكون فرخًا، فإن مظهره الغريب و شخصيته الخشنة جعلاه بلا أصدقاء.
كان معظم مرشّحي الفراخ مغسولي الدماغ من قبل هنفلين، فيحاولون جاهدين إرضاءه.
لذلك، كان من الأصعب على فريسينغير المتمرّد أن ينسجم مع الآخرين.
لكن روين كان يقلق عليه و يعتني به مهما كان تصرّفه طائشا.
و كنت أنا أيضا أجلب له الطعام، حتى عندما رفضت أوامر هنفلين، لأن روين كان قلقا عليه.
‘حتى لو كان روين الحالي مختلفا عن الماضي، فإن مشاعره تجاه رفاقه الذين عانوا معه لن تختلف، لذا لا بد أنه اعتنى به جيدا.’
كان ذلك صحيحا حتى بالأمس.
حين قالت أنا المزيّفة: “يجب أن آخذ طعاما لفرين”، فلا بد أن تأثير روين كان وراء ذلك.
لذلك شعرت بالاطمئنان.
فبالنسبة إلى فريسينغير الحالي أيضا، سيكون روين صديقا جيدا.
لكن… لماذا؟
لماذا بحق السماء؟ لأي سبب بالضبط؟
“يا سيّدة ليلي! أرجوك عالجي هذا الطائر!”
لم أستطع فهم لماذا لم يذهب إلى روين، بل ذهب إلى “أنا”.
‘حتى لو لم يُقدّر المعروف، فلا ينبغي أن يرد الإحسان بالإساءة!’
صرخت بذلك في داخلي، بكلمات لن يسمعها حتى لو مات ثم عاد للحياة، و تظاهرت بأني طائر عادي و راقبت الموقف.
أولا، المكان الذي توجّه إليه فريسينغير كان قاعة الطعام.
و كانت “أنا” تجلس في زاوية هناك، تتناول الحساء بوجه جاف كسمكة ميّتة.
و رغم أنني كنت على وشكِ الموت، فإن إصراري و عنادي جعلا وعيي متماسكا، مما سمح لي بملاحظة بريق عابر في عينيّ “أنا”.
‘كانت نافذة الحالة التي رأيتها قبل قليل مليئة بعبارات الجوع.’
ما كانت تحتاجه ليس طعام البشر، بل البشر أنفسهم، أرواحهم.
لكن لأن روين كان يراقبها بشدّة، لم تستطع التهام الأرواح، و اضطرّت إلى التصرّف بطاعة، لذلك لا بد أنها كانت جائعة.
لهذا، كانت تنظر إلى فريسينغير بتعبير يشبه تعبيره حين حدّق فيّ بإصرار، لكنه لم يبد أنه يلاحظ ذلك.
وضعت “أنا” المزيّفة الملعقة، و وجّهت نظرها نحوي.
خشيت أن تتعرّف عليّ بأي احتمال، فشعرت بالتوتّر، لكنها سرعان ما رفعت رأسها بوجه خال من الاهتمام.
“آسفة، يا فرين. لا أستطيع إحياء حيوان مات بالفعل.”
“ما الذي تقولينه، يا سيّدة ليلي؟ انظري جيّدا. إنه لم يمـت بعد. إنه يتحرّك.”
“بمثل تلك الإصابات، هو لا يختلف عن كونه ميتا بالفعل. على أي حال، أنتَ ممنوع من دخول قاعة الطعام، أليس كذلك؟ ……سأجلب لك لاحقا خبزا و حساء سرّا، لذا اخرج بسرعة.”
“تبا…… حسنا. أحضري الكثير…….”
و بالتزامن مع شروع فريسينغير في الاستدارة، لعقت “أنا” المزيّفة شفتيها.
عيناها الجافّتان أضاءتا بحدّة أشد، كأنهما عينا وحش جائع، بينما ظلّت تحدّق في فريسينغير.
كانت نظرة شرسة لدرجة أنني ابتلعت ريقي دون وعي و تجمّدت.
لكن ما إن خطا فريسينغير خطوة، حتى نادته “أنا” المزيّفة لتوقِفه.
“……انتظر لحظة، يا فرين. توقّف.”
“هاه؟ لماذا؟”
استدار فريسينغير مرّة أخرى.
لكن نظرة “أنا” لم تتّجه إلى وجهه، بل إلى الأسفل أكثر.
و بالتحديد، استقرّت على اليد التي كانت تُحيطني كما لو أنها تضمّني.
سرعان ما أمالت رأسها بتعبير متحيّر، ثم تابعت.
“أريد أن أرى ذلك الطائر عن قرب.”
تكلّمت “أنا” و هي تتصنّع صوتا لطيفا، ثم لعقت شفتيها.
[يبدو أن راية “النهاية 17—الفتاة الطّعم” قد رُفعت!]
عند ظهور نافذة النظام فجأة، شعرت و كأن مطرقة سقطت فوق رأسي.
“هاه؟ هل تعتقدين أنكِ تستطيعين علاجه؟”
سأل فريسينغير بفرح شديد، و هو يقترب من “أنا”.
و كأنه، بدل أن يرد إحساني تجاهه، كان مصمّمًا على رميي داخل فم وحش.
“ليلي!”
انفجر الباب بصوت مدوٍّ و تكسّر مع مفاصله، و سمعت صوت روين مباشرة بعد أن مدّت “أنا” المزيّفة يدها نحوي.
التعليقات لهذا الفصل " 164"