عندما رأيتُ روين يُحرّك عينيه الضّبابيّتين بسرعة و هو يبحث عنّي ، شعرتُ برغبةٍ في البكاء معه.
قلّصتُ المسافة التي ابتعدت ، و تظاهرتُ بأنني أعانقه ، ثم نظرتُ إلى فينسترنيس.
فتح فينسترنيس فمَه رغم ارتسام الحيرة على وجهه.
“إنّها تعانقـكَ ، يا سيد روين.”
عندَ سماعِ ذلك ، أخذ روين يبكي بصوتٍ أكثر بؤسًا.
و برغم أنني لم أستطع لمسه ، واصلتُ التربيت على ظهره و مسح خدّه بإصرار ، و يبدو أن فينسترنيس قد اكتسبَ نوعًا من اليقين.
“هل حقًّا…… هي الصديقة؟”
يبدو أنَّه لا يسمعُ صوتي ، لذا أومأتُ برأسي ، فارتجفَ فينسترنيس مجدّدًا.
كيف تبدو هيئتي الآن حتّى يظهر ردّةَ الفعل تلك؟
لم أستطع معرفة ذلك ، لأنَّ كل ما أراه هو أطراف شفّافة.
و في أثناء ذلك ، واصل فينسترنيس نقل أفعالي إلى روين.
“إنّها الآن تربّت على ظهرِكَ ، يا سيد روين. أعتقد أنّها…… قلقة عليك كثيرًا…….”
انفجر روين في البكاء كأنه طفل صغير حقًّا.
و في النهاية ، بكى فينستيرنيس معه ، فتحوّل الوضع إلى مشهدٍ مُربك___
و رغم أنني لم أستطع لمسهما ، واصلتُ تهدئتهما بكل جهدي.
و بعد وقت طويل من قرعِ الجرس الذي يعلن العاشرة ، هدأ الاثنان.
كان من الجيّد أنَّ البكاء توقّف ، لكن تساؤلًا بدأ يتصاعد.
‘كيف عرف روين أنَّ الشّبحَ الواقف بجانبه هو أنا؟’
كنتُ أظنُّ أنَّه سيبقى مُحصَّنًا حتّى النهاية و لن يُصدّق أبدًا ، لذا كان رد فعله غير متوقّع و مثيرًا للحيرة.
و يبدو أنّ فينسترنيس شعر بالأمر ذاته ، إذ سأل بصوتٍ مبحوح.
“سيد روين ، كيف عرفتَ أنَّ الصديقة بجانبك؟ فهي لا تُرى و لا يُسمع صوتُها.”
“لم يعد هناك أي روح شرّيرة داخل هذا الدّير ، و حتّى لو وُجدت ، فلن تتمكّن من الاقتراب منّي. لذلك إن كان هناك مَنٔ يقتربُ منّي ، فلا بدَّ أن تكون ليلي.”
كان صوت روين هادئًا ، لكنني ، و كذلك فينسترنيس ، اتّسعت أعيننا دهشةً.
كان دير لاتري أشبه بنعيم للأرواح الشرّيرة.
و كان الليل في هذا المكان وقت تلك الكائنات ، و لهذا كانوا يمنعون الخروج إلى الخارج.
و إلّا فكيف كنتُ سأرى أحلامًا متعلّقةً بالدّير حتى و أنا فاقدةُ الذّاكرة؟
حرّك فينسترنيس شفتيه و سأل مجدّدًا.
“كي…… كيف؟ كان هناك الكثير منها…… كانت دائمًا تلاحقني و تهمس في أذني أنّها تريد التهامي…….”
“ألم تلاحظ أنّك لم ترَ واحدةً منها عندما كانت إيرين تُحضركَ إلى هنا؟”
“لم أرَها ، لكنّها كانت تظهر فجأةً أحيانًا…. و ، و اعتقدتُ أن الصّديقة روح شرّيرة…….”
اعترف فينسترنيس بالحقيقة بوجهٍ عاجز.
الأرواح الشرّيرة التي أعرفها ليست ذات هيئة بشريّة. غالبًا ما تكون ذات أشكالٍ مقزّزة و مثيرة الاشمئزاز و تبعثُ الرّعب.
لكن سماعي أنّه وضعني في المستوى نفسه مع تلك الكائنات أصابني بصدمةٍ أخرى.
و بعد أن تأكّد روين مرارًا عبر فينسترنيس من أنني بجانبه ، فتح فمه بوجهٍ بدا و كأنَّه على وشكِ البكاء.
“فين. كيف تبدو ليلي الآن؟”
“……إنّها ترتدي قماشًا أبيض فوقها.”
هل أبدو مثل ذلك الشّبحِ الذي يُتخيَّل عادةً على هيئة ملاءة سرير طائرة؟
لكن ردّة الفعل بدت غير عاديّةٍ لمجرّد ذلك ، فواصلتُ الإصغاء ، بينما تابع فينسترنيس كلامه بتردّد.
“الوجه…. القماش ملتصق به ، لذلك تظهر ملامحها… لكن ، لكنّ وجهها مخيفٌ جدًّا. مخيف للغاية….”
و من مظهره الذي لم يستطع حتّى النظر إليَّ مباشرةً ، شعرتُ بصدقِ كلامه.
و عندما رفعتُ يدي إلى وجهي دون وعي ، سمعتُ صوت ابتلاعِ نفس قصير.
“ال ، الذّراعان أيضًا ممزّقتان تمامًا. و لا توجد ساقان ، و يبدو أسوأَ ممّا كان عليه عندما كان مير يجعل جسدَه يتدلّى عمدًا ، لذلك…….”
يبدو أنّه لم يكن أمامه خيار سوى اعتباري روحًا شرّيرة.
كما أنّ ذلك يعني أنّ مظهري الأصلي لم يبقَ منه شيء ، فشعرتُ بقليلٍ من الارتياح لأنَّ روين لا يستطيع رؤيتي.
‘حسنًا ، قيل إنني كان ينبغي أن أتحطّم إلى شظايا أصلًا ، لذا فمن الطبيعي ألا أكون في هيئةٍ سليمة.’
و رغم أنني شعرتُ بالامتنان لبقاء وعيي ، فقد تصلّب وجه روين أكثر.
“ممزّقة…… لهذا لم تتمكّن من التعرّف على ليلي. لأنَّه لا يمكن تخيّل شكلها الأصلي.”
كان ردُّ فعل روين ذا دلالةٍ غامضة ، ممّا جعلني أقلق أنا أيضًا.
ظلَّ روين ينظرُ إلى الاتجاه الذي أقف فيه طويلًا ، ثم حرّك شفتيه.
“في الوقت الحالي هي بخير. لكن إن بقيت على هذه الحالة ، فستنـسى مَنٔ تكون ، و لن تتمكّن من تذكّر أيِّ شيء. هل تتذكّر ، فين؟ ماذا حدث للأرواح التي بقيت في الدّير.”
“…….”
شحب وجه فينسترنيس.
و بينما كان ينظر إلى المكان الذي أقف فيه مثل روين ، تردّد قليلًا ثم سأل.
“سيد روين ، هل تعرف ما الذي حدث…؟ أنا…عندما التهمتني الحاكمة…… لا ، تلك العملاقة … عندما فتحتُ عيني… كنتُ في المنزل. و كان ذلك قبل ثلاثة أشهر. شعرتُ و كأنني أحلم ، فظللتُ شاردًا ، ثم قاموا ببيعي لأنني عديم الفائدة. ……تمامًا كما في الماضي.”
ارتجفتُ من هذا الاعتراف المفاجئ ، لكن فينسترنيس لم يبدُ عليه أيُّ تأثّر يُذكر.
كيف عرفتُ ذلك؟ لأنني استطعتُ رؤيته.
[‘أنا سعيد لأنَّ السيّد روين سيّدي ما يزال يتذكّر. و سعيد لأنَّ الصّديقة بخير. أنا آسف لأنني خفـت. رُميتُ في وقتٍ أبكر من الماضي ، لكنني سعيد لأنني التقيتُ بالسيد روين و الصّديقة مرّةً أخرى.’ ]
كان فينسترنيس يبدو في أفضل الأحوال كطفل في حدود العاشرة.
و لم يكن غريبًا أن يتعلّق بروين أو بي أكثر من عائلته التي باعته لأنَّه عديم الفائدة.
و أثناء شعوري بالارتياح لأنَّه لم يُصب بجرح نفسي عميق ، قال روين.
“إذًا عدتَ قبل ثلاثةِ أشهر. أمّا أنا ، فقد كان ذلك قبل خمس سنوات.”
كان صوته ، كما في السابق ، هادئًا و عاديًّا ، لكن لو كان لديّ فم ، لكنتُ سأفتحه و أغلقه كسمكةٍ عالقةٍ في شبكة قبل أن أعجز عن الكلام من شدّة الصدمة.
ثم جاءت كلمات روين التالية لتُصدمني أكثر.
“كنتُ واثقًا من أنّه إذا مـتُّ ، فستُعيد ليلي الزّمن. لذلك عندما التهمتني الحاكمة ، راهنتُ على الأمر. إذا عاد الزّمن ، فستبقى ذكريات ليلي بالطّبع ، و كذلك ذكريات الحاكمة التي استخدمت تلك القوّة. لذلك ظننتُ أنّه إذا جعلتُ قوّة الخلود التي منحتني إيّاها ملكي ، فقد يكون من الممكن الحفاظ على وجودي بالكامل.”
لم أفهم كيف يمكن لشيءٍ كهذا أن يكون ممكنًا ، و لو بمقدارِ شعرةٍ واحدة ، لكنني فهمتُ أمرًا واحدًا مؤكّدًا.
‘بعبارةٍ أخرى ، لقد تعمّد أن يُلتهم! ……هذا الأحمق!’
و عندما تظاهرتُ بضرب ظهره ، تمتم فينسترنيس.
“الصّديقة…. هناك ، تبدو غاضبةً جدًّا…. هالتها مخيفةٌ للغاية….”
“لكن ليلي جعلتني حزينًا أيضًا. أتمنّى أن تتغاضي عن هذا القدر. و يبدو أنَّ هناك مشكلةً لأنني استخدمتُ طريقةً ملتوية. نجحتُ في الحفاظ على ذكرياتي بالكامل ، لكنني عدتُ إلى ما قبل خمس سنوات. حقًّا ، كان الأمر صعبًا جدًّا.”
عند سماعي صوته الشّارد ، توقّفتُ في مكاني.
و بصراحة ، عندما فكّرتُ فيما فعلتُه بروين ، كان من الصّعب عليَّ توبيخه.
و فوق ذلك ، فقد اختار هذا الطريق لأنني حاولتُ التضحية بنفسي من أجله.
و مع إضافة خمس سنوات أخرى إلى الأمر ، أصبح قلبي مثقلًا.
و كأنَّه لم يجد أحدًا يبوح له بما في قلبه طوال تلك الفترة ، استمرّ روين في الكلام دون توقّف.
“مع ذلك ، قلتُ لنفسي إنَّها خمسُ سنواتٍ فقط ، و إنَّها مقبولة مقارنةً بخمسمئة عام ، و انتظرتُ مجدّدًا. كنتُ أرغب في الذهاب للبحث عن ليلي أو دخول الدّير بنفسي ، لكن ليلي لا تعرف مسقط رأسي ، و أنا لا أعرف في أي معبد نشأت ليلي ، لذلك كان من الصّعب التصرّف بتهوّر. ثم عندما بلغتُ الثانية عشرة ، أصاب الجفاف القرية ، و كما في الماضي ، باعني أهلي و جئتُ إلى هنا. لا تتخيّلان كم كنتُ سعيدًا.”
و كأنَّه سعيدٌ حقًّا ، انحنت عيناه المتقرّحتان باحمرارٍ جميل.
لكن في اللحظةِ التالية مباشرة ، تغيّر تعبير روين عندما استأنف كلامه قائلًا “لكن”.
“ليلي التي التقيتُ بها أخيرًا لم تكن ليلي. عرفتُ فورًا حينها أنّ ليلي خُدعت من قِبلِ الحاكمة و سُلب جسدها. و كان تقليدُها بطريقةٍ مقزّزة أمرًا مؤلمًا جدًّا.”
ثم أضاف تلكَ الكلمات مبتسمًا ابتسامةً شاردة.
“أردتُ أن أجعلها تشعر بالحزن نفسه. بالفقد ، بالوحدة ، بألم فقدان شخصٍ عزيز. لذلك……في كلّ ليلة ، أمام أعين الحاكمة ، كنتُ ألتهم الأرواح الشرّيرة التي تعتزُّ بها واحدةً تلو الأخرى.”
و أنهى كلامه بعبارة بدت مجنونةً إلى حدّ لا بأس به.
و لا حاجة للقول إنّ عينيّ ، و كذلك عينيّ فينسترنيس ، قد ارتجفتا كأنَّ زلزالا ضربهما.
التعليقات لهذا الفصل " 159"