كنتُ أنظر بشرود إلى روين الجالس بلا حراك ، ثم إلى نافذة النظام ، و أتنقّل بينهما مرارًا.
بعد ذلك ، لوّحتُ بيدي أمامه بكلّ جهد ، و حاولتُ التحدّث إليه ، بل و رقصتُ أيضًا ، لكن لم يكن هناك أيّ ردّ.
جلستُ بحذر إلى جانبه ، ثم حدّقتُ معه في الجهة التي كانت عيناه تتوجّهان إليها.
لا أعرف لماذا صار روين يتذكّر مستقبلًا أصبح الآن من الماضي بعد خمسمئة عام ، و لا لماذا يعرف أنّ “ليلي” الحاليّة ليست أنا.
لكن كان هناك أمر واحد تأكّدتُ منه بوضوح.
روين يشتاق إليّ… كثيرًا جدًّا.
‘ربّما لا يمكن وصف حالته بكلمة شوق فقط ، فمظهره لا يبدو بخير إطلاقًا.’
مع ذلك ، كان مطمئنًا أنّه ليس ضعيفًا إلى حدّ يسمح للحاكمة بابتلاعه بسهولة.
أمّا ما إذا كان مَن استولى على جسدي فعلًا هو الحاكمة أم كيانًا آخر ، فذلك ما يجب التأكّد منه.
‘انتظر قليلًا فقط ، روين. سأحاول بأيّ طريقة أن أوصل كلامي إلى فين.’
لقد تحمّلتُ كلّ شيء بالعزيمة و الإرادة و قوّة العقل ، بل و حافظتُ على روحي أيضًا.
مقارنةً بالماضي ، حين كنتُ أتجوّل في القلعة ليلًا و أنا أرتجف خوفًا ممّا قد يخرج فجأة ، فهذا لا يُعدّ شيئًا!
كما فعلتُ عندما رأيتُ نافذة حالة فينستيرنيس ، شدّدتُ عزيمتي أنا أيضًا.
و في تلك اللحظة بالذات.
“ليلي.”
ناداني روين ، و هو يعانق ركبتيه ، بصوتٍ خافت.
“العالم من دونكِ… لا معنى له.”
ثم تمتم بكلماتٍ بدت مألوفة على نحوٍ مريب.
“حقًّا… لا قيمة له و لا معنى على الإطلاق…….”
أغمض عينيه المجنونتين اللتين توحيان بأنّه قد يرتكب أيّ شيء في أيّ لحظة ، ببطء.
لكن المشكلة كانت فيما تلا ذلك.
ظهر فوق رأس روين رمز تعجّبٍ أحمر.
[‘روينفيرات’ الذي فقد أعـزّ وجودٍ لديه ، يلعن العالم.
إذا لم تتمكّني خلال أسبوع من الآن من إخباره بأنّ روحكِ لا تزال موجودة ، فإنّ ‘روينفيرات’ سيُفني العالم. ]
أعلنت نافذة النظام قرب نهاية العالم.
‘……ماذا قالت الآن؟’
كنتُ قد مددتُ ذراعي لأتظاهر بملامسة خدّ روين ، لكنّي تجمّدتُ في مكاني.
أردتُ أن أضحك و أعدّ الأمر مجرّد مزحة سخيفة ، لكنّه كان أمرًا محتملًا جدًّا.
روين قضى خمسمئة عام محتجزًا في الدير ، و خلال تلكَ الفترة… ظهرت بعض “المشكلات” في شخصيّته.
صحيح أنّنا أزلنا سوء الفهم ، لكن عندما أخبرته أنّني سأضحّي بنفسي من أجله ، هو مَنٔ اختار الموت بدلًا منّي ، و لم يُتح لنا وقت كافٍ للحديث.
ثم يفتح عينيه ليجد نفسه قد عاد إلى الماضي ، و أنا—التي حاول حمايتها حتّى بالموت—لم أعد موجودة.
كان من الغريب ألّا ينهار في مثل هذا الوضع.
‘و فوق ذلك ، بما أنّ ألقابًا مثل ملك الكوابيس ، المدمّر ، المجدّف ، حاكم الدم… لا تزال موجودة ، فهذا يعني أنّ قدراته انتقلت كما هي….’
في نافذة حالة روين ، تغيّرت العبارة من [مختوم] إلى [مُتحرّر من الختم].
و ببساطة ، هذا يعني أنّه في الأصل لم يكن يستطيع مغادرة الدير ، أمّا الآن فقد تحرّر من ذلك القيد.
‘…….’
على الرّغم من أنّني بلا جسد ، شعرتُ و كأنّ عرقًا باردًا يتصبّب منّي.
حتّى بعد فقدان جسدي ، ما زلتُ أتمنّى سعادة روين.
لكن أيّ سعادة؟
إنّه ينظر إلى العالم بوجهٍ يوحي بأنّ الحياة لا تُطاق ، و يحلم بإفنائه.
كيف يمكنني أن أتركه على حاله؟
تحقّقتُ من نافذة النظام مرّة أخرى على عجل.
‘يجب أن أخبره خلال أسبوع بأنّ روحي لا تزال موجودة…….’
عادةً ، أسبوع ليس وقتًا قصيرًا.
لكن في وضعي الحالي ، و أنا لا أعرف شيئًا عن هذا المكان و لا أملك وسيلة تواصل ، كان وقتًا قصيرًا بشكلٍ عبثيّ.
‘هذا ليس وقت التراخي!’
ألقيتُ نظرة أخيرة على روين ذي الملامح الحزينة ، ثم ركضتُ في الاتّجاه الذي خرجت منه ليلي المزيّفة.
عبرتُ بابًا كان مغطّى برفق بين الكروم ، فظهر ممرّ طويل.
يبدو أنّه لا أحد يمرّ من هنا ، فلم أرَ أيّ كاهن.
‘فلنبدأ بغرفة الطعام.’
إن لم تكن هناك ، فإلى الحمّام الكبير ، و إن لم تكن هناك أيضًا ، فإلى غرف النوم.
لا وقت لديّ.
ليس “من الأفضل”… بل يجب علي اليوم ، بأيّ طريقة كانت ، مهما كلّف الأمر ، أن أتواصل مع فينستيرنيس.
عبرتُ الممرّ مسرعة و صعدتُ الدرج.
إن كان هناك شيء جيّد في كوني شبحًا ، فهو أنّني لا أتعب ، و سرعتي ازدادت.
لحسن الحظّ ، لم أحتج لتفتيش كلّ مكان ، فالأطفال كانوا لا يزالون في غرفة الطعام.
على الطاولة ، وُضع حساء السبانخ المليء بالمكوّنات ، و خبز أبيض طريّ ، و خبز جاودار محمّص مدهون بالزبدة ، و بطاطا مسلوقة و ذرة مطهوّة.
و كان هنفلين ينظر إلى الأطفال الذين يأكلون بنهم بنظرةٍ لطيفة.
رمقته بنظرة اشمئزاز ، ثم اقتربتُ من فينستيرنيس ، الذي كان يجلس بهدوء و يقطّع الخبز.
ما إن حدّقتُ في وجهه ، حتّى ظهرت نافذة النظام مرّة أخرى.
[[★] ??? ]
[[الحالة] انزعاج ، عزم ]
[‘أكره حساء السبانخ.
أكره هنفلين.
أكره إيرين.
بسرعة، علي الذهاب للبحث عن السيّد روين.
هل صديقتي بخير؟’ يفكّر هكذا. ]
بالمقارنة مع نافذة حالة روين ، هي مختلفة تمامًا.
حتّى اسمه غير ظاهر.
يبدو أنّ فينستيرنيس يحتفظ بالذكريات فقط ، أمّا بقيّة القوى فقد فقدها.
على أيّ حال ، المهمّ الآن هو أن أُعلمه بوجودي ، لذا بدأتُ أتنقّل حوله بيأس.
‘فين ، أرجوك اسمع صوتي! إن استمرّ الأمر هكذا فسيُدمَّر كلّ شيء!’
صرختُ بكلّ ما أوتيت ، رغم أنّه لا فم لي.
لكن فينستيرنيس لم يُبدِ أيّ ردّة فعل.
لم يصل صوتي إليه ، بل و على عكس ما حدث سابقًا ، لم يشعر بوجودي أصلًا.
تحقّقتُ من نافذة حالته مرارًا ، ظنًّا أنّه يتجاهلني عمدًا ، لكن لم يكن يفكّر إلّا في روين ، و يقلق عليّ.
‘آه، هل جننتُ…… كيف رآني في المرّة السابقة أصلًا؟’
هل هناك شرطٌ ما؟
وقت معيّن؟ مكان معيّن؟
أو زرّ يمكن تشغيله و إيقافه؟
إن كان الأمر كذلك ، فالمشكلة أكبر.
لأنّه لا توجد طريقة لمعرفة ذلك الشرط.
لم أكن وحدي مَنٔ يعاني ، فينستيرنيس أيضًا كان يتعرّض لمراقبة خانقة تسبّبت له بتوتّر شديد.
و كان أسوأ وقتٍ حين اغتسل ، و ارتدى ملابس نظيفة ، ثم أصبح محطّ أنظار هنفلين.
[‘أكره هنفلين.
مزعج.
خانق.
أريد قتله.
أريد تمزيقه.
أريد أن أفعل به “بيب—” ثم “بيب—” ثم “بيب—”.
أتمنّى لو “بيب—”.
بيب— بيب— بيب—.
مكتئب.
مؤلم.
أين السيّد روين؟
أريد لقاءه.
هل صديقتي بخير؟’ يفكّر هكذا. ]
……رؤية كلّ تلك “بيب—” مجدّدًا على وجهٍ بريء كهذا جعلتني أرتجف.
و مع ذلك ، كان مدهشًا كيف لا تظهر أيّ من تلك المشاعر السلبيّة على ملامحه الخارجيّة.
بعد ذلك أيضًا ، لم يلحظ فينستيرنيس وجودي ، و هكذا حلّ الليل.
تحوّل الدير إلى مكانٍ كئيب ، على نحوٍ لا يُصدَّق مقارنةً بأجوائه المقدّسة و المشرقة في الصباح.
لم تُخصَّص للأطفال غرفة النوم المشتركة في الطابق الرابع ، بل غرف صغيرة في الطابق الثالث.
أنا استخدمتُ غرفة النوم المشتركة منذُ البداية ، و يبدو أنّ الأطفال الجدد سيقضون ليلة واحدة هنا أوّلًا.
وقفتُ شاردة ، و إلى جانبي إيرين و هنفلين ، يشرحان للأطفال الجدد قواعد دير لاتري.
“يا أطفال. في ديرنا هناك قواعد يجب الالتزام بها.
الآن سيشرح لكم العمّ هذه القواعد ، و يجب عليكم جميعًا الالتزام بها. مفهوم؟”
“نعم ، نعم…….”
“ما هي؟ ……هل هي صعبة؟”
“لا، ليست صعبة. أوّلًا ، عندما تدقّ الساعة العاشرة ، يُقرَع الجرس ، و ذلك وقت إطفاء الأنوار. منذ تلكَ اللحظة ، يُمنع الخروج من الغرفة مهما حدث. حتّى لو طرق أحدهم الباب أو طلب منكم فتحه ، لا تفتحوا أبدًا. أحيانًا هناك أطفال يعبثون بهذه الطريقة.”
صحيح.
كانت هناك قاعدة كهذه.
لكن عندما يحين وقت الإطفاء ، كنتُ أنام كما لو تناولتُ دواءً منوّمًا ، و لم أخالف القاعدة يومًا.
مع ذلك ، كانت كلماته مريبة ، فتجمّد الأطفال ، لكن ابتسامةً ظهرت على وجوههم حين أضاف هنفلين بنبرةٍ مازحة.
“و بالطبع ، لا يجوز السهر و الثرثرة ليلًا أيضًا. قد يوقظ ذلك الآخرين. إن شعرتم بالعطش ، هناك زجاجة ماء على الطاولة الجانبيّة. و إن احتجتم لقضاء الحاجة ، فهناك وعاء يمكنكم استخدامه. نحن نقوم بدوريّات ليلًا ، و بما أنّها حياة جماعيّة ، فإنّ مخالفة القواعد تُسبّب الإزعاج للجميع. هل فهمتم كلام العمّ؟”
“نعم.”
“أحسنتم ، أنتم أطفال طيّبون. لابدّ أنّكم تعبتم اليوم ، ناموا جيّدًا و احلموا أحلامًا جميلة. سنلتقي صباح الغد.”
ربّت هنفلين على رؤوس الأطفال واحدًا تلو الآخر ، ثم أغلق الباب.
كان وجهه لا يزال يحمل تلك الابتسامة الطيّبة ، لكن حقيقته ظهرت بعد قليل.
“إيرين. قبل إطفاء الأنوار ، أخرجي أصغر صبيّ. أمّا البقيّة… فلنُعِدهم إلى حضن الحاكم.”
التعليقات لهذا الفصل " 157"