دون حاجة للتدقيق من الرأس إلى أخمص القدمين ، كان ذلك روين بلا شكّ ، و تلك الهيئة التي تمسك يد روين و تسير بخفّة هي أيضًا ‘أنا’ دون أدنى ريب.
و بدا أنّ هذين الاثنين لا يستطيعان رؤيتي أصلًا ، إذ لم يلتفتا إلى هذا الجانب حتّى.
جلسا في مكان تظلّله الظلال باعتدال ، و جلس كلٌّ منهما قبالة الآخر ، و راحا يضحكان بخفّة.
“خرجنا اليوم أيضًا دون أن يُمسك بنا أحد. ما رأيك؟ أليس هذا مذهلًا؟”
“نعم ، مذهل.”
“يمكنكَ أن تمدحني أكثر. هذا المكان جيّد لأنّه لا يلفت أنظار الناس. كما أنّ أشعّة الشمس دافئة.”
قالت ‘أنا’ ذلك بتباهٍ ، ثمّ غمزت بعينها و ابتسمت بدلال.
ذلك الأسلوب الخفيف المألوف في الكلام و التصرّف كان مألوفًا إلى حدّ أربكني أكثر فأكثر.
لكن ما كان مزعجًا أكثر من الارتباك و الذهول ، هو موقف روين.
تلك النظرة اللطيفة و هو ينظر إلى ‘أنا’ تلك كانت تثير اشمئزازًا يلوّي الأحشاء.
شعور لم أختبره قطّ من قبل ، لكن لم يكن من الصعب فهم ماهيّته.
‘أنا أغار من نفسي….’
نعم ، كانت هذه غيرة صريحة.
في تلكَ الفترة ، كان روين لطيفًا و طيّبًا مع الجميع.
لكنّه كان يتصرّف ببرودٍ خفيف و توتّرٍ غريب مع الفتيات.
كنتُ أنا أكثر مَنٔ يعرف روين ، و أكثر مَنٔ كان قريبًا منه.
‘فما هذا إذًا ، بحقّ السماء؟’
هذا المكان لم يكن عالم هلوسة ، و لم أملك أيّ ذكرى عن إجراء مثل هذا الحوار مع روين أصلًا.
مهما يكن الطرف الآخر هو ‘أنا’ ، فهذه ليست أنا الحقيقيّة.
و مع الارتباك و الذهول و الغيرة ، انبثق شعور آخر يلاحقها جميعًا: الخوف.
ماذا لو كان كلّ هذا مجرّد حلم طويل أعيشه بعدما سُلب جسدي منّي على يد الحاكمة؟
ماذا لو كانت تلك ‘ليلي’ هي الحقيقيّة ، و أنا التي استيقظت أتحدّث عن قوّة ذهنيّة و ما شابه ، و كنتُ المزيّفة؟
كانت فكرة سخيفة ، لكنّني عشتُ بالفعل أشياء لا تُصدَّق مرارًا.
ربّما ، لعلّ ، و لو بنسبة واحد من ألف…… بدأت هذه الهواجس تطفو بلا توقّف.
رمشة ، رمشة.
بدأ بصري يضطرب ، و ذهني يتحوّل إلى فوضى ، فيما ظلّ مشهد ‘ذاتي’ و روين و هما يتجاذبان أطراف الحديث بوجوه سعيدة ماثلًا أمام عينيّ.
كيف أصف هذا الشعور؟
كان مقرفًا جدًّا.
كأنّني أشهد خيانة حبيبي ، ثمّ أكتشف أنّ الطرف الآخر هي حبّـه الحقيقي ، و أنا لم أكن سوى تسلية عابرة.
‘……من الواضح أنّ عقلي ليس في أفضل حالاته ، حتّى الأفكار التي تخطر لي مختلّة.’
كادت الضحكة الساخرة أن تخرج منّي من شدّة العبثيّة.
لكن لحسن الحظّ ، ما إن ثارت مشاعري حتّى عاد هدوئي على نحوٍ معاكس.
بعد كلّ ما مررتُ به ، لو انهرتُ الآن لمجرّد حدوث أمر أغرب قليلًا ، لكان كلّ صمودي السابق بلا معنى.
‘فلنرتّب الوضع أوّلًا.’
رغم أنّ مواصلة النظر إلى ‘أنا’ و روين و هما يتبادلان الأحاديث السخيفة كانت تثير غضبي ، تعمّدتُ تثبيت بصري عليهما لأُبقي ذهني باردًا و أتابع التفكير.
كنتُ قد وضعتُ قبل قليل فرضيّتين ، لكن يبدو أنّ الأولى غير صحيحة.
رغم أنّني بلا جسد ، و لا أملك دليلًا ملموسًا ، إلّا أنّني كنتُ أعرف ذلك ببساطة.
هذا المكان ، واقع حقيقيّ بلا شكّ.
‘أمّا الفرضيّة الثانية ، فهي أنّني أنا المزيّفة…….’
لكن مهما قال الآخرون ، أنا الحقيقيّة دون نقاش.
مَنٔ سيعرفني أكثر من نفسي؟
كلّ ما حدث حتّى الآن كان واضحًا بقدر ما مررتُ به قبل قليل ، و كذلك المشاعر التي شعرتُ بها.
أنا ‘ليلي’ الحقيقيّة.
و بالتالي ، فهذا يعني أنّ تلكَ هي ‘المزيّفة’.
كان من السهل الوصول إلى هذا الاستنتاج لأنّ جسدي قد سُلب منّي على يد الحاكمة.
‘قد تكون تلك التي في داخله هي الحاكمة التي استولت على جسدي و تقلّدني.’
هي كائن متعالٍ ، و مع ذلك ، و لأنّ روين كان شهيًّا إلى هذا الحدّ ، تعمّدت حتّى الوقوع في هلوسة.
في السابق ، لم تكن تفعل أكثر من التلصّص بعيون عملاقة ، لكن بالنظر إلى تلك النظرات الجشعة ، لم يكن تظاهرها بالقرب من روين بذلك الشكل تصرّفًا غريبًا تمامًا.
‘فالمرء إن أحبّ شيئًا ، يرغب عادةً في إبقائه قريبًا منه و مواصلـة النظر إليه.’
بالطبع ، كان هذا كلّه مجرّد تخمين مشوب بالكثير من الذاتيّة ، نابع من الغيرة—و الغضب—التي اجتاحتني و أنا أرى ألفة ‘أنا’ و روين.
لكن عندما تجمّد وجه روين الذي كان يبتسم بلطف.
وعندما برد صوته الدافئ كنسيم الربيع ليصير قارسًا كرياح الشتاء.
“خطأ.”
“ليلي لا تتحدّث بهذه الطريقة.”
و عندما جاءت كلماته التالية لتنفي ‘أنا’ تمامًا ، تأكّدتُ أنّ تخميني كان صحيحًا.
‘ليلي’ تلكَ ليست أنا حقًّا.
لا أعلم كيف أدرك روين ذلك ، و لا كيف تسير الأمور على هذا النحو ، لكن كان هذا أمرًا يستحقّ الفرح.
حقًّا ، يستحقّ الفرح.
لكن……
“ليس الأسلوب وحده ، حتّى ابتسامتكِ كانت غريبة. ليلي تبتسم ببراءة و إشراق أكبر. هل تفهمين؟ تبتسم بلا أيّ خبث أو نيّة خفيّة ، إلى درجة لا يُشعَر معها بأيّ شيء آخر.”
……حالته كانت غريبة بعض الشيء.
ملامحه متجمّدة ، و نظرته حادّة على نحوٍ مقلق.
وجهه لا يزال غضًّا ، لكن لسببٍ ما ، تداخلت فوقه ملامح وجهه المستقبليّ الذي كان يهدّدني و يعذّبني.
هل روين ، مثل فينسترنيس ، يحتفظ بذكريات ما بعد خمسمائة عام؟
“آسفة يا روين. حين أكون معكَ ، أشعر بتوتّرٍ غريب لهذا أخطئ…… و بشأن ما قلته قبل قليل ، أعتذر عنه أيضًا. لم أقصد أيّ سوء أبدًا!”
غريب. الوضع غريب فعلًا.
ما الذي يسكن جسدي حتّى يتصرّف بهذه الطريقة الحذِرة أمام روين؟
و أيّ حديث دار بينهما ليغضب روين إلى هذا الحدّ؟
ندمتُ قليلًا لأنّني تجاهلتُ كلامهما عمدًا و لم أستمع إليه حتّى بأذنٍ واحدة ، فقط لأنّني لم أرد رؤية تلك الثرثرة المبتسمة.
دون حاجة إلى مزيد من التفكير ، تقدّمتُ نحوهما.
كان روين يحدّق في ‘أنا’ بنظرة باردة كالجليد ، ثمّ مال بشفتيه ابتسامة مائلة.
“حسنًا. لو كان كلامكِ بنيّة سيّئة ، فسيكون هذا مزعجًا فعلًا. آمل أن تحفري هذا جيّدًا في رأسكِ حتّى لا تخطئي مرّة أخرى. أنّ ليلي ، مهما حدث ، كانت دائمًا ، و أبدًا ، و من دون أيّ شرط ، في صفّنا. مفهوم؟”
“……نعم! أنا دائمًا في صفّكم. لكن يا روين ، أودّ البقاء معكَ أكثر ، إلّا أنّني أظنّ أنّ عليّ العودة الآن. يجب أن أحضر الطعام لفرين.”
التعليقات لهذا الفصل " 156"