باستثناء المرّة الأولى التي وطئتُ فيها الدير ، لم يسبق لي أن رأيت منظره من الخارج ، فاجتاحني شعور غريب جديد.
إنّه فخم.
لا بدّ من استخدام هذا الوصف ، فبعد مرور خمسمائة عام كانت الجدران الخارجيّة قد تهالكت و النوافذ قد تحطّمت ، ممّا أضفى عليه جوًّا كئيبًا ، أمّا الآن فكان مختلفًا تمامًا.
طوب أبيض ناصع بلا أيّ بقعة ، مكدّس بإحكام ، و فوق الأبراج الذهبيّة كانت هناك مجسمات جميلة تزينها ، و في المنتصف كان هناك جرس معلّق.
كما أنّ عدّة نوافذ طويلة كانت مصنوعة من الزجاج الملوّن ، فبدت بالغة الفخامة و الجمال في آنٍ واحد.
‘و على ذكر ذلك ، من أين كان هنفلين يجمع كلّ تلك الأموال أصلًا؟’
لم يكن الدير سوى مكان مليء بالقوانين و القيود الصارمة ، أمّا المعيشة فيه فكانت مرفّهة ، فضلًا عن أنّ التجهيزات كانت جيّدة ، و المظهر الخارجي—كما هو واضح—ممتازًا.
كان هنفلين يترك الدير أحيانًا ، لكنّه لم يكن يبدو و كأنّه يمارس أيّ نشاط اقتصاديّ خاصّ.
‘ربّما كان هناك داعم يقدّم له المساعدة الماليّة.’
و ذلك الداعم ، على الأرجح ، هو الإمبراطور.
و السّبب الذي جعلني أصل إلى هذا الاستنتاج هو أنّ الدير و القرية كانا أقرب ممّا توقّعت.
صحيح أنّ المناظر كانت مختلفة بوضوح ، لكن بالنظر إلى أنّ سرعة العربة لم تكن عالية ، بدا أنّ تلك القرية التي مررنا بها قبل قليل تقع على مسافة مشابهة للمكان الذي نشأتُ فيه.
و ربّما لم يكن الفرق سوى في الحجم ، بل قد يكون المكان ذاته تمامًا.
و بالنظر إلى نظرات الناس الجافّة و هم يمرّون ، كان من المؤكّد أنّ هناك صلة تجمعهم هنفلين.
‘و فوق ذلك ، يبدو أنّ تلك القرية ليست واحدة فقط.’
كانت هناك ثلاثة طرق أخرى مسطّحة جيّدًا ، تتفرّع في اتّجاهات مختلفة ، بحيث يمكن للناس و العربات المرور فيها.
مهما بلغ من دهائه و ذكائه ، تبقى لقدرات الفرد حدود ، و إن كان حدسي صائبًا ، فلا بدّ أنّ هنفلين تواصل مع الإمبراطور منذُ البداية و عقد معه صفقة ما.
منذُ دخولي الدير ، لم أخرج إلى الخارج و لو مرّة واحدة ، و لهذا لم أكن على دراية بما يجري حولي.
لو أنّني هربتُ بسلام مع روين في ذلك الماضي الذي اندثر الآن ، فهل كنّا ، نحن الساذجين الذين يجهلان شؤون العالم ، سنهتف بلا شكّ: “هناك قرية هناك! لِنطلب المساعدة!” ، ثمّ ندخلها و يُقبض علينا؟
كان الشعور و كأنّ أقفاصًا حديديّة غير مرئيّة قد أُنزِلت من كلّ الجهات ، و بجوارها مستنقع بلا قاع مفروش تحت أقدامنا.
كنت أزفر تنهيدة تلو الأخرى ، حينها حدث ذلك.
“مرحبًا بكم، أيّها الإخوة. لقد تعبتم كثيرًا في المجيء إلى هنا.”
“السيّد هنفلين!”
انفتح باب الدير و خرج هنفلين إلى الخارج.
الابتسامة المجنونة التي رأيتُها حين استولت الحاكمة على جسدي اختفت بلا أثر ، و قد ارتدى قناع راهبٍ ودودٍ و طيب.
إلى جواره كانت تقف امرأة مألوفة الملامح ، و ما إن فكّرتُ قليلًا حتّى تذكّرت اسمها.
‘إيرين.’
إذا كان يُطلَق على هنفلين لقب رئيس الدير ، فإيرين كانت بمنزلة رئيسة الكاهنات.
كانت بمثابة ذراعه اليمنى ، شديدة القسوة و الصرامة ، و كنتُ أنا ، لكثرة مخالفتي للقواعد ، أتلقّى التوبيخ منها يوميًّا.
“أحضرنا الصغار هذه المرّة أيضًا. يوجد اثنان حالتهما ليست جيّدة ، فهل يمكنكَ.إلقاء نظرة عليهم؟”
الرجاا الذين انحنوا له أكثر من اللازم كانوا يجرّون الأطفال المرتجفين بعد أن ربطوهم بالحبال.
تصلّب وجه هنفلين للحظة قبل أن يعود كما كان ، لكنّني أدركتُ أنّ ذلك لم يكن سوى تمثيل مقزّز.
كان الأطفال جميعًا يرتجفون من الخوف و لا يفعلون شيئًا سوى البكاء المكتوم.
حين نظر هنفلين إلى جانبه و هو واقف بلا حراك ، أخرجت إيرين كيسين من صدرها و ناولتهما للرجال.
فتح الرجال الأكياس بلهفة ، فارتسمت على وجوههم ابتسامات جشعة.
و عندما اقتربتُ لأتأكّد ، وجدتُها مليئة بعملات ذهبيّة.
أغلق الرجل الكيس على عجل و أمسكه بكلتا يديه ثمّ انحنى بخصره.
“إذًا ، السيّد هنفلين، سنعود في المرّة القادمة ببضاعة أفضل.”
لكنّ رجلًا آخر أخرج بعض العملات من داخل الكيس ، ثمّ أعادها إلى إيرين.
“هـ ، هذا سيكون قربان هذا الشهر!”
“شكرًا لكَ. إنّ إيمانكَ ، الذي يلمع أكثر من الذهب ، يسرّ الحاكمة أيضًا. قريبًا ستُظهر الحاكمة معجزة جديدة ، و إن واصلتَ إخلاصك لها كما تفعل الآن ، فستغدَق عليكَ قوتها لا محالة.”
“……نعم!”
بالنسبة لعينيّ اللتان تعرفان الحقيقة ، لم يكن ذلك سوى هذيان طائفة مزيفة ، لكنّ الرجل انحنى بوجهٍ تغمره العاطفة.
الرجل الآخر ، الذي كان يقف محرجًا ، راح ينظر بالتناوب بين الكيس و إيرين ، ثمّ صعد مسرعًا إلى مقعد السائق.
“هيه ، ما الذي تفعله؟ اصعد بسرعة! لدينا عمل في المساء أيضًا!”
“آه ، آه!”
بإلحاح رفيقه ، صعد الرجل إلى العربة على عجل ، و مع صوت السوط صهل الحصان بقوّة ، و انطلقت العربة دون تردّد.
‘إنّهم يحصلون على تعاون الناس بالمال و الإيمان معًا.’
كان تغيّر مواقفهم صارخًا لدرجة يسهل ملاحظته.
و بعبارة أخرى، إذا انقطع التمويل ، و انكشف أنّ ما يتم تقديسه هنا ليس حاكمًا حقيقيًّا ، فسيختفي أمثال أولئك المتعاونين أيضًا.
لا أدري إن كان سيفيدني ذلك أم لا ، لكنّني ظللتُ أُسجّل في ذهني كلّ ما أراه و أسمعه و أنا أحوّل نظري بعيدًا.
و حين اختفت العربة تمامًا ، اقترب هنفلين من الأطفال المرتجفين كأوراق الحور ، و جثا على ركبتيه ليبادلهم النظر.
بوجهٍ لطيف أظهر فيه الشفقة و الحزن بلا مواربة ، ضمّ هنفلين أصغرهم إلى صدره و ربّت على ظهره.
“مـ ، مـ ، من أنتَ……؟ نـ ، نحن ، نحن ، ماذا ، ستفعلون بنا؟ هـ، هل ستقتلوننا؟”
“آه ، يا إلهي…… لا ، لا. لن نفعل شيئًا.”
“لا ، لكنك….أعطيتهم المال و اشتريتنا…….”
كانوا ممتلئين بالارتياب ، يرتجفون خوفًا و يتحفّظون ، لكنّ ذلك الجدار سيتهاوى سريعًا أمام همسات هنفلين المعسولة.
ابتعد هنفلين قليلًا عن الطفل الذي كان يعانقه ، و ابتسم ابتسامة مريرة.
نهض بخفّة ، ثمّ توجّه إلى الأطفال الذين كانت على وجوههم و أذرعهم ندوب ، و جثا أمامهم من جديد ، و غطّى تلك الندوب براحة يده بحذرٍ شديد.
انبعث ضوء دافئ من يد هنفلين ، و ما إن رفع ذراعه حتّى اختفت الندوب بلا أيّ أثر.
“آ…آ ، آه!!”
“لو لم نعطِهم المال ، لما أطلقوا سراحكم ، فلم يكن أمامنا خيار. أنا آسف لأنّني منحتكم ذكريات حزينة.”
“…….”
“هذا دير يحبّ الأطفال كثيرًا ، و أنا رئيس هذا المكان. لا بدّ أنّكم لم تأكلوا جيّدًا و لم ترتاحوا منذ وقت طويل ، أليس كذلك؟ ما رأيكم أن ندخل أوّلًا ، نتناول طعامًا دافئًا ، نغتسل ، و نرتاح جيّدًا؟ و إن كان لديكم مكان تعودون إليه ، فسأوصلكم إليه فورًا ، فلا تقلقوا.”
عند سماعهم لصوته اللطيف المتواصل ، ارتعش الأطفال ، لكنّهم ما إن سمعوا عبارة “مكان تعودون إليه” حتّى ازداد بكاؤهم.
بحسب ذاكرتي ، كان هناك أطفال اختُطِفوا ، لكنّ الستّة الموجودين هنا إمّا تُرِكوا أو بِيعوا.
“آه ، آسف. أنا آسف.”
اعتذر هنفلين بوجهٍ يوحي بأنّه أخطأ ، ثمّ فكّ الحبال التي كانت تربط أذرع الأطفال و أرجلهم.
لا شكّ أنّ ذلك أيضًا كان مقصودًا.
ليذكّرهم بأنّه لا مكان يعودون إليه ، فلا يحاولوا الهرب.
كاد الغضب أن ينفجر داخلي ، فهويتُ بقبضتي على رأس هنفلين ، لكنّ ذراعي الشاحبة اخترقته دون أن تمسّه.
“لا بأس. انظروا إلى ديرنا. إنّه كبير و واسع ، أليس كذلك؟ في الداخل يوجد هناك الكثيرون مثلي ، كما يعيش معنا أطفال لا مأوى لهم مثلكم. الجميع يفعل ما يريد ، و يبقون هنا حتّى يكبروا. لا تخافوا ، و تعالوا معنا إلى الداخل.”
أمام نظرته الحنونة و صوته الدافئ ، أومأ الأطفال المرهقون برؤوسهم في النهاية.
كان اثنان منهم لا يزالان يبدوان قلقين ، لكنّ ذلك لن يدوم طويلًا على أيّ حال.
كان هذا المكان أشبه بمصيدة نمل ؛ ما إن يتم إمساكك ، لن تتمكن من الإفلات
‘حقًّا أودّ أن أضربه ضربًا يُثلج الصدر.’
و بينما كنت عاجزة عن تهدئة الغضب الذي يفور داخلي ، أدرتُ جسدي لأدخل الدير معهم.
في تلكَ اللحظة تحديدًا ، الطفل الأصغر بنية ، الذي كان يقف في المؤخّرة ، نظر في اتّجاهي و ابتلع ريقه.
كان هنفلين و إيرين يهدّئان الأطفال و يقودانهم إلى الداخل ، و لم يكن بالقرب منّي أي أحد.
‘لا تخبرني أنه يراني؟!’
تفحّصتُ المكان من حولي ، ثمّ عدتُ أنظر إلى الأمام على عجل ، فتجمّدتُ في مكاني.
بين خصلات شعره الأسود التي نمت بعشوائيّة ، كانت عينا الطفل باللون بنفسجيّ.
التعليقات لهذا الفصل " 154"