إنّها قصّة مُربِكة و غير معقولة ، لكنّني أشعر و كأنّ وضعًا عبثيًّا من نوع ‘أنا الآن محتجزة داخل لعبة……’ قد عاد ليبدأ من جديد.
حدّقتُ في السماء الزرقاء الفاقعة الغريبة جدًّا بمشاعر شاردة ، ثمّ أعدتُ نظري إلى الأمام.
[تحوّلت ‘ريبلي’ إلى ‘👻’……]
حتّى بعد أن فركتُ عينيّ و تحقّقتُ مرّةً أخرى ، ظلّ محتوى نافذة النظام كما هو.
أي أنّه ، على ما يبدو ، قد تمّ العبث بي من قِبل الحاكمة و سُلب جسدي ، و تحولتُ إلى شبح.
على الأقلّ إن كان ذلك الرمز يُمثّل شبحًا بالفعل.
‘هل هذا جنون حقيقي؟’
كان الأمر مُحبِطًا إلى درجة أنّني ، حتّى لو حاولتُ ألّا أشتم ، لم أستطع منع نفسي.
لم يبقَ لديّ ما يكفي من الطاقة لأغضب.
و ما زاد ارتباكي هو أنّني ، قبل أن أفقد وعيي ، كنتُ داخل الدير ، لكن عندما فتحتُ عينيّ وجدتُ نفسي مطرودة إلى مكانٍ لا أعرفه.
بلدة صغيرة و هادئة لا ترقى إلى أن تُسمّى مدينة ، لكنها أكثر تطوّرًا من المكان الذي نشأتُ فيه ، و التي لا أعرف اسمها .
كان المشهد مسالمًا إلى حدٍّ لا يُشعِر بالواقع.
‘لكن لماذا تحوّلتُ إلى شبح أصلًا؟’
أليس من المنطقيّ أن يموت الإنسان موتًا طبيعيًّا إذا سُلب جسده؟
و فوق ذلك ، و بالنظر إلى أنّ نافذة النظام ما تزال ظاهرة ، فلا يبدو أنّ قواي السحريّة قد اختفت.
و طبعًا ، لو فكّرتُ بطريقة سلبيّة إلى أقصى حدّ ، لكان من الممكن تخيّل سيناريو بلا أمل أو أحلام ، حيث تُبقي الحاكمة التي استولت على جسدي ، روحي عمدًا لتُشعرني باليأس ، و تعبث بنافذة النظام كما فعلت مرّات عدّة داخل الدير.
لكن___
[إنّ قوّة الإرادة الصلبة النابعة من غريزة البقاء القويّة تحمي روحكِ التي كان من المفترض أن تتحطّم و تختفي.]
عندما ظهرت نافذة النظام التالية ، أدركتُ أنّ الأمر ليس كذلك.
الذي حماني لم يكن شخصًا آخر ، بل كنتُ أنا نفسي.
‘كنتُ حذِرة بما فيه الكفاية ، و لم أتوقّع أن أتعرّض لمثل هذا في اللحظة الأخيرة.’
كان موقفي ميؤوسًا منه ، لكنّ عقلي كان يعمل على نحوٍ جيّد على غير المتوقّع.
كان من الصواب أن أتنفّس الصعداء لأنّ وعيي ما يزال حاضرًا و واضحًا.
و في الوقت نفسه ، بدأتُ أفكّر فيما ينبغي عليّ فعله لاحقًا.
‘في البداية ، من المنطقيّ أن أعود إلى دير لاتري لأتحقّق ممّا حدث لجسدي….’
لكنّني لا أعرف أصلًا أين يقع الدير ، و لا أستطيع أن أسأل الناس عن الطريق.
و حتّى لو عثرتُ عليه مصادفةً ، فإن ظهرتُ أمام الحاكنةع فسأنتهي إلى الأبد ، لذا كان عليّ أن أحذر من هذا الاحتمال أيضًا.
في مثل هذا الوقت ، كنتُ أتمنّى لو أنّ نافذة النظام تُقدّم أيّ نوع من المساعدة، و في تلك اللحظة بالذات ، ظهر رمز ما!
فقد ظهر فوق رأسي رجلين غريبين يسيران أمامي رمزُ تعجّبٍ أصفر.
‘يُشبه الأمر مهمّةً ما.’
و بما أنّ الآخرين لم يظهر عليهم أيّ تغيير ، بدا أنّ هذا يعني بأنّ عليّ تتبّعهما.
مررتُ عبر الناس كما أنا ، و لحقتُ بالرجلين من الخلف ، و أصغيتُ إلى حديثهما.
“آه ، صحيح. يُقال إنّ وباءً آخر ينتشر في الجنوب. آمل ألّا يصل إلى هنا.”
“على كلّ حال ، رغم ضخامة جسده ، فهو جبان. لا يهمّنا الأمر ، أليس كذلك؟ إن حدث شيء ، فالسيد هنفلين سيساعدنا.”
“هذا صحيح.”
ثمّ سمعتُ اسمًا مألوفًا.
تجمّدتُ للحظة ، ثمّ أسرعتُ ألاحق الرجلين و هما يبتعدان.
لم يُكملا الحديث عن هنفلين ، لكنّهما توجّها نحو عربة بضائع متوقّفة عند طرف القرية ، و كان بداخلها أطفالٌ مقيّدو الأيدي و الأرجل.
كان واضحًا لأيّ ناظر أنّه مشهد اتّجار بالبشر.
لكن لم يُبدِ أيٌّ من المارّة اهتمامًا بالعربة. بعضهم ألقى نظرةً عابرة ثمّ مضى ، و جميعهم بوجوهٍ لا مبالية.
و بينما كنتُ أشعر بالاستغراب ، نقر الرجل الذي كان يتفحّص الأطفال بلسانه و قال:
“هذان الصغيران لن ينفعا. هناك ندوب على جسديهما.”
“آه ، لهذا اشتريتهما بثمنٍ بخس. سأصطحبهما على أيّ حال. قال السيّد هنفلين إنّ الندوب الخفيفة يمكن علاجها.”
“حقًّا؟ حسنًا ، ما دمنا لن نخسر ، فلا بأس. لقد شبعنا ، لذا لنستعدّ للانطلاق.”
بعد أن أنهى الرجلان حديثهما ، جلسا على مقعد السائق.
من الوضع الظاهر ، بدا أنّ هؤلاء الأطفال يُنقلون ليُباعوا إلى دير لاتري كمرشّحين ليكونوا ‘فراخًا’.
من دون أيّ تردّد ، صعدتُ إلى العربة.
كان الأطفال الجالسون متّكئين على جدار العربة متّسخين و رثّي الثياب بعض الشيء ، لكنّ ملامحهم متناسقة لدرجة أنّ كلمة ‘جميل’ كانت تخرج تلقائيًّا.
و كانوا جميعًا بوجوهٍ كئيبة ، ما يوحي بأنّهم يدركون مصيرهم.
و أثناء تحرّك العربة ، كان الرجلان يُحدّقان في الأطفال بعيونٍ مُهدِّدة أو يُطلقان الشتائم ، و في كلّ مرّة كان الصغار ينكمشون بأجسادهم الصغيرة و ينتحبون.
ثمّ ، في لحظةٍ ما ، قالا بنبرةٍ كهذه:
“أيّها الصغار. المكان الذي ستذهبون إليه الآن هو جحيم جبليّ لا يختلف عن جحيم حقيقيّ ، فإن لم ترغبوا في الموت مبكّرًا ، احسنوا التصرّف ، مفهوم؟”
الأطفال الذين كانت أطرافهم مقيّدة و لا يستطيعون الهرب ، لم يجدوا ما يفعلونه في النهاية سوى البكاء.
صحيح أنّ دير لاتري هو فعلًا مكان أسوأ من الجحيم ، لكنّ ما قاله ذلك الرجل كان فعلًا مقصودًا.
فذلك كان أحد أساليب هنفلين.
‘يُشفق على الأطفال الذين يصلون إلى الدير و هم خائفون بعد أن ذاقوا شتّى أنواع القسوة ، و يحتضن أجسادهم المتّسخة مواسيًا ، و يُطعمهم خبزًا دافئًا و حساءً ليملأ بطونهم الجائعة….’
ثمّ يجعلهم يستحمون بماءٍ دافئ ، و يُلبسهم ثيابًا جيّدة ، و يقول: “من اليوم ستعيشون هنا” ، ثمّ يُدخلهم إلى الغرفة المشتركة مع الأطفال الآخرين.
و حينها ، يصبح حذر الأطفال ليّنًا كحبّة بطاطا مسلوقة ، و يبدأون بسماع المرشّحين الآخرين الذين تلوّثوا بالدير يقولون لهم: “هذا المكان هو النعيم!” ، فيقعون في الوهم.
في البداية ، يُقال لهم: “لا يزال بإمكانكم ألّا تقوموا بهذا العمل” ، و يُمنحون وقتًا حرًّا ، لكنّ الأطفال الذين اعتبروا هذا المكان مأوى لهم يبدأون بالشعور بالعزلة.
و هكذا ، يبدؤون بالصلاة مع الآخرين ، و النسخ ، و الدراسة___
و تُغسل أدمغتم ليؤمنوا بأنّ التحوّل إلى ‘فرخ’ هو ردّ للجميل لهنفلين ، بل و شرف عظيم.
أي أنّ سلوك هذين الرجلين القاسي لم يكن سوى أوامر من هنفلين.
‘إنّه حقًّا شخصٌ مقزّز.’
هنفلين فعلَ ذلك بي أيضًا.
نظر إليّ بشفقةٍ و أنا أعيش حياةً لا بأس بها في المعبد ، و بكى قائلًا إنّه سيحبّني أكثر من أيّ شيء في هذا العالم.
كان رجلًا ذا مظهرٍ لطيف و دافئ ، تفوح منه رائحة أشعّة الشمس و الأشجار ، و يجيد استغلال مظهره الخارجي و مآسي الناس و مشاعرهم السلبيّة على نحوٍ بارع.
الشخص الذي أخبرني بأنّ ‘هذا أمرٌ مريب’ ، بينما كنتُ أقدّسه كما يفعل معظم الأتباع و مرشّحي الفراخ ، كان روين.
عندما تذكّرتُ روين ، شعرتُ و كأنّ جسدي ، رغمَ أنّه غير موجود ، قد برد فجأة.
‘……روين ، لا بدّ أنّه بخير.’
قالت الحاكمة : “لقد عدنا إلى اليوم الذي التقينا فيه أوّل مرّة.”
إن كان ذلك صحيحًا ، ففي ذلك الوقت لم يكن روين قد أصبح بعدُ فرخًا.
و مع ذلك ، لا يمكن الاطمئنان تمامًا ، فالحاكمة تحتفظ بذكرياتها كاملة ، و قد تحاول التهام روين أوّلًا.
‘في الأصل ، كانت تلك الحاكمة ترغب في إعادة الزمن. فالحصول المستمرّ على القرابين من دير لاتري كان أمرًا جيّدًا لها أيضًا.’
كان هذا أمرًا يمكن إدراكه بقليل من التفكير الهادئ ، لكنّ موت روين و فينسترنيس جعلني أُخطئ التقدير على عجل.
لا أعلم إن كانت قد استولت على جسدي لتلتهمني ، أم لتتّخذني وعاءً.
لكن بما أنّها اعتبرتني عائقًا ، فقد أعادت الزمن إلى أبعد نقطة ، و لهذا قرّرتُ أن أفكّر بالأمر بإيجابيّة.
إذا فكّرتُ انطلاقًا من هذه النقطة الزمنيّة ، فإنّ اختيار روين ليصبح فرخًا لن يحدث إلا بعد بضع سنوات.
‘سأغيّر القدر مهما كلّف الأمر.’
لم يصبح أسوأ الاحتمالات سوى أسوأ قليلًا لا أكثر.
فكما أنّ إضافة طلاءٍ أسود إلى طلاءٍ أسود لا تجعله أكثر سوادًا.
و بينما كنتُ أحافظ على هدوئي على نحوٍ أدهشني حتّى أنا ، توقّفت العربة.
و ما رأيته عندما قفزتُ أوّلًا كان دير لاتري قبل خمسمئة عام.
التعليقات لهذا الفصل " 153"