أردتُ أن أصرخ: لماذا تفعل ذلك أنتَ أيضًا؟ لكنّ صوتي لم يخرج.
تسلّل إلى ذهني على نحوٍ ضبابيّ ذكرى قديمة ؛ كأنّني في وقتٍ ما ، كنتُ أحدّق في عينيّ الحاكمة هكذا.
“أيتها الحاكمة.”
حين ناداها فينسترنيس مرّةً أخرى ، تحرّكت حدقتاها المتوهّجتان ببريقٍ حادّ.
و مع ذلك ، كان التحكّم في جسدي مستحيلًا عليّ.
كلّ ما استطعتُ فعله آنذاك هو مراقبة الموقف و رأسي مائل على نحوٍ غير متوازن.
واجه فينسترنيس الحاكمة ، أخذ نفسًا عميقًا ، ثمّ عاد يتوسّل.
“سأقدّم نفسي قربانًا ، فامنحي ريبلي مرّةً أخرى قوّتكِ. إن كان لديكِ حقًّا قوّة إعادة الزمن ، فاجعلي ريبلي تعود إلى الماضي.”
أغلقتُ شفتيّ اللتين فتحتهما بالكاد ، أمام الكلمات الواضحة المتتابعة.
‘إن كان لدى الحاكمة حقًّا قوّة إعادة الزمن.’
كان ذلك شكًّا تعمّدتُ ألّا أستحضره.
لو عدتُ إلى الماضي ، فسأتمكّن من إنقاذ روين بأيّ وسيلة.
اندفعتُ بلا تفكير ، و أنا لا أفكّر إلا في ذلك وحده ، لكنّ قوّة إعادة الزمن ـ على عكس الخلود الذي رأيته بعينيّ ـ لم يكن صدقها مؤكّدًا.
فحتّى لو عاد الزمن فعلًا ، فلن يتمكّن طرفٌ ثالث من التحقّق من ذلك.
و مع هذا ، تجاهلتُ الأمر عمدًا.
لم أفكّر و لو قليلًا في احتمال أن تكون قوّة إعادة الزمن مزيفة ، أو أنّها مجرّد ‘تمثيل عودة’ ، أو أنّ ما يحدث هلوسة ، أو أنّ عواقب خطيرة قد تترتّب على ذلك…… مع أنّه كان بوسعي نسج تلك المخاوف كيفما شئت.
رغمَ أنّني كنتُ طوال الوقت أفترض أسوأ الاحتمالات و أقلق بسببها ، إلّا أنّني هذه المرّة لم أفعل.
فينستيرنيس أمسك بتلك النقطة بالذات.
و مع ذلك ، كان واضحًا أنّه ـ لا يقلّ عنّي…… بل أكثر منّي ـ يائسًا.
لأنّه قال ، باكيًا:
“……و إن لم يكفِ القربان ، فسأقدّم كلّ البشر الذين دخلوا الدير … ج ، جميعهم.”
البشر الذين دخلوا الدير هم فرسان الحرس الإمبراطوريّ.
لو عثروا علينا ، فسيهاجمون فورًا ، و قد يقتلوننا في لحظة.
إذا أخذنا ذلك بالحسبان ، لم يكن قول فينستيرنيس غير مفهوم ، لكنّ معظمهم كانوا ينفّذون الأوامر فحسب ، ممّا جعل صدري يضيق.
لكنّ هذا لم يكن وقت التفريق بين الخير و الشرّ ، و لا بين الأخلاق و السلوك الغير أخلاقي.
‘في الأصل ، أنا نفسي لستُ إنسانةً صالحة…….’
ثمّ إنّ تلك العملاقة المنحرفة التي لا ترى سوى الوجوه ، لذا لن تهتمّ بالآخرين أصلًا.
و كما توقّعتُ ، لم تُبدِ أيّ ردّة فعل تُذكر.
لكنّها حدّقت في فينسترنيس بنظرةٍ جشعةٍ إلى حدّ القشعريرة ، و لوّحت بلسانها.
[أشعرُ برغبةٍ يائسة.]
اخترق الصوت ذهني ، فانكمش جسدي تلقائيًّا.
الرغبة اليائسة.
المشاعر التي تعشقها الحاكمة أكثر من أيّ شيء.
أدركتُ أنّ فينستيرنيس أصبح الآن ، بالنّسبة لها ، فريسةً جذّابةً بلا حدود.
تحرّكت عينها العملاقة.
‘لا.’
يجب أن أوقفها.
كان عليّ أن أوقفها.
كنتُ أستعدّ للتضحية بنفسي من أجل مَنٔ أردتُ حمايته ، لكنّني كنتُ المحميّة في النهاية.
و حين قرّرتُ أخيرًا إنقاذ ذلك الشخص ، ها هو شخصٌ آخر يحميني مرّةً أخرى.
بينما كنتُ أحرّك شفتيّ محاولةً إخراج أيّ صوت ، انحنى فينستيرنيس و نظر إليّ.
رغم المسافة ، كان تعبيره يخبرني بكلّ ما يفكّر فيه بوضوحٍ مؤلم.
و مع ذلك ، رسم ابتسامةً خفيفة ، كأنّه يقول إنّه بخير ، و أنّ كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام.
“…….”
كان جسدي الذي تصلّب كأنه شُـلّ من قبل يعود ببطءٍ إلى طبيعته.
لكنّني لم أستطع فعل أيّ شيء.
وقفتُ فقط ، أراقب العملاقة و فينستيرنيس.
كما حدث حين التهمت روين ، شاهدتُ اللسان المقزّز يلتقط الجسد الصغير و يبتلعه.
كراك ، كراك.
عاد الصوت المرعب ليملأ البرج.
[آآآآآآه…….]
و تبعه أنينٌ مفعمٌ بالنشوة.
كان كلٌّ من روين و فينستيرنيس قربانين أرادتهما الحاكمة منذ خمسمئة عام.
و لأنّها ظلّت جائعةً طوال تلك القرون عندما كانت نائمة ، أخذ جسدها يرتجف و هي تذرف الدموع.
[لذيذ. لذيذ حقًّا. كيف كبرتما على هذا القدر من الحلاوة ، يا صغاري الفراخ؟]
“…….”
[آه، أيتها الفتاة. تبدين أنتِ أيضًا شهيّةً للغاية. بما أنّني أخذتُ ثمن استعارة قوّتي من طفلٍ آخر ، فقد أصبح عقدُنا لاغيًا. لكن اعتبريه شرفًا. سأمنحكِ فرصة تقديم جسدكِ لي.]
سال اللعاب من شفتي الحاكمة بلا توقّف.
تملّكني شعورٌ مشؤوم ، فابتعدتُ على عجل ، لتسقط قطرة على الأرض و تبدأ بالغليان و هي تذيبها.
ازداد اشمئزازي ، فحدّقتُ بها و هي تهذي.
لو كان الأمر بيدي ، لألقيتُ عليها كلّ ما أعرفه من شتائم و أذقتها طعم الإهانة.
و أنا واثقة أنّني أستطيع ذلك.
لكنّ فينستيرنيس علّمني كيف يجب التكلم معها ، و ما الذي يجب علي أن أطلبه منها.
“……لقد أكلتِ فين ، لذا عليكِ تحقيق ما يريده فين. أعيدي الزمن ، و أعيديني إلى الماضي.”
تلكَ العملاقة ماكرة للغاية.
رغمَ أنّ روين ضحّى بنفسه بدلًا عنّي ، تظاهرت بالجهل و حاولت التهامي.
لكنّ ما إن ذكر فينستيرنيس الحقيقة ، حتّى صرفت نظرها متظاهرة باللامبالاة.
و الآن ، ها هي تعود للتفوه بمثل هذا الكلام.
على أيّ حال ، رغم أنّ الحاكمة تبدو و كأنّها تفعل ما يحلو لها ، إلّا أنّ لها قانونًا خاصًّا: إذا نالت القربان الذي تريده ، فعليها تحقيق الأمنية.
لا أعلم على وجه اليقين إن كانت تملك قوّة إعادة الزمن أم لا.
و يبدو أنّ فينستيرنيس خشي ذلك أيضًا ، و مع هذا راهن بكلّ شيء.
لذا ، لم يكن عليّ أن أنساق خلف عواطفي.
لم يعد هناك مجال للتراجع.
“قلتِ إنّ فين قد لا يكون كافيًا ، لكن في الحقيقة لديكِ فائض ، أليس كذلك؟ لأنّ روين كان ، أكثر ، أكثر…… إشباعًا ، كفريسة.”
عضضتُ بقوّة على لحم فمي الداخليّ و أنا أُخرج الكلمات بشقّ الأنفس.
مع شعوري بالألم ، شعرتُ بطعم الدم ، لكنّ هذا القدر كان مناسبًا لأبقى هادئة.
حدّقت الحاكمة بي مبتسمةً ابتسامةً ملتوية. لم أبعد نظري عنها ، و أكملتُ:
“و قلتِ إنّ فين لذيذ…… أعلم أنّكِ تستطيعين تحقيق الأمنية حتّى لو لم يكن القربان صاحبها. فحين كان يسمّى هذا المكان ديرًا ، كنتِ تأكلين الفراخ و تلبّين أمنيات هنفلين ، أليس كذلك؟ إذن ، لا تحاولي الاحتيال عليّ ، و أعيدي الزمن فورًا.”
أنهيتُ كلامي و أنا أضبط أنفاسي المرتجفة ، و شدّدتُ نظرتي كمَن يتشبّث بآخر خيط.
لم أرد أن ينكسر قلبي ، لكنّ النفور الغريزيّ و الخوف عادا يتدفّقان ، فضاق صدري.
تحرّكت عينا الحاكمة و زاويتا فمها بارتعاشةٍ تشبه السخرية.
[يا فتاة. حتّى لو أعدتُ الزمن ، فلن يتغيّر شيءٌ في حياتكِ الحقيرة. مصيركِ بائس ، مروّع ، و مغمور باليأس. و الأسوأ أنّكِ تجرّأتِ على التفكير في إيذائي ، فأيّ دودةٍ تافهةٍ أنتِ.]
“…….”
[لكنّ جسدكِ جميل للغاية، و مغـرٍ.]
انزلق طرف لسانها ، و قد انحنى عنقها أكثر ، فلامس خدّي.
اجتاحتني القشعريرة ، لكنّني تحمّلتُ.
فروين أو فينستيرنيس اللذين التُهما حيّين عانيا أكثر من هذا.
كان عليّ أن أفرح الآن.
لأنّ جسدي ، على الأقلّ ، يملك قيمةً في هذه الصفقة.
حلّ صمت ثقيل كأنّه ألف عام ، و في تلك الأثناء ازداد الضجيج في الخارج عمّا كان عليه.
و بما أنّ الصخب كان من الأعلى لا من الأسفل ، يبدو أنّ الفرسان عبروا الجسر المتأرجح و هم يحاولون الدخول.
تسارعت نبضاتي.
أمسكتُ باللسان الذي كان يلوّح بجانبي و صرختُ:
“حسنًا. إن كان ما تريدينه هو جسدي ، فلنعقد عقدًا مرّةً أخرى. بعد أن تعيدي الزمن ، و إذا عدتُ إلى هنا و واجهتُكِ من جديد…… حينها سأقدّم لكِ جسدي. لكن بشرطٍ واحد: أن يكون الزمن الذي أعود إليه قبل دخولي إلى هذا المكان.”
هكذا ، كما خطّطتُ سابقًا ، أستطيع الالتحاق فورًا بفرسان المعبد و البحث عن الكاهنة العظمى.
حدّقت بي الحاكمة بنظرةٍ توحي بأنّها تقرأ كلّ ما في صدري ، ثمّ شقّت شفتيها مجدّدًا و قالت:
[يا فتاة. إنّ نيل شرف عقدٍ ثانٍ معي لا يحظى به أحد سواكِ. حسنًا. عندما نلتقي مجدّدًا ، سيكون جسدكِ لي كاملًا. سأمحو الأثر المحفور في الزمن ، و ألبّي أمنيتكِ.]
ما إن اجتاحني شعور مزدوج من الارتياح و القلق بسبب استجابتها السهلة على غير المتوقّع ، حتّى دوى انفجارٌ آخر في الأعلى ، و انفتح الباب.
دخل الفرسان ، و هم يلهثون و يهتفون بأنّهم وجدوها ، و في اللحظة التي تجمّدوا فيها ، وقع التحوّل.
تناثرت من جسد الحاكمة ذرّاتٌ ذهبيّة كغبار جناح فراشة ، و تحوّل النمط في حدقتيها إلى شكل ساعةٍ رمليّة.
و سرعان ما انجذبت الذرّات إلى داخل الساعة.
مرّة ، و مرّتين ، و ثلاثًا.
في كلّ مرّة تُحجب فيها العين العملاقة بين الجفنين ، كان الظلام يبتلع المكان.
لم يبقَ في بصري سوى جسدي و عين الحاكمة.
ثمّ امتلأ الفضاء بالعيون من كلّ الجهات.
“……!”
طوال اختباري تلك الظواهر اللامعقولة في ذلك الفضاء غير الواقعيّ ، لم أستطع حتّى التنفّس كما ينبغي.
أغمضت الحاكمة عينيها و فتحتهما مرارًا.
و خلال ذلك المشهد المقزّز ، بينما كان جسدي يرتجف ، شعرتُ فجأةً بأنّ رؤيتي تتلاشى.
كأنني أغوص في مستنقع ، أخذ وعيي يبتعد ، و سمعتُ صوت الحاكمة:
[أيتها الفتاة. كما وعدتُ ، أعدتُ الزمن ، وعدنا إلى اليوم الذي التقينا فيه لأوّل مرّة. سأستلم جسدكِ.]
اليوم الذي التقينا فيه لأوّل مرّة……؟
قبل أن أستوعب المعنى تمامًا ، دوى إلى جواري صوت رجلٍ مجنون:
“آه، أيتها الحاكمة! يا سيّدتنا العظيمة!”
خلال تضاؤل رؤيتي ، ظهر راهبٌ بملامح وديعة.
كان ذلك الرجل بلا شكّ هنفلين.
و فجأةً ، تذكّرتُ.
في حياتي السابقة…… في اللّحظة التي بدأتُ أُدعى فيها ‘ريبلي’ ، كنتُ ألتقي الحاكمة مرارًا لأصبح وعاءها.
و مع هذا الإدراك ، أدركتُ خطئي القاتل.
ما طلبتُه كان العودة إلى زمنٍ يسبق دخولي إلى هذا المكان.
أيّ أنّ العقد يُنفَّذ أيًّا كان الزمن الذي تُعاد إليه الأحداث في الماضي.
لم يكن الزمن الذي أعادته الحاكمة يومًا أو يومين فحسب.
كان هذا المكان هو دير لاتري قبل خمسمئة عام.
‘يا لهذا الجنون……!’
أغمضتُ عينيّ ، و أنا أشعر بقشعريرةٍ كأنّ دماغي يُسحب من مكانه.
ضحكة العملاقة ملأت الفراغ في رأسي.
و عندما تمسّكتُ بوعيي بصعوبةٍ بالغة ، بقوّة الإرادة و العزم___
التعليقات لهذا الفصل " 152"