لم تقل الكاهنة العظمى ذلك إلّا لتمنع الإمبراطور من الاستحواذ على قوّة الحاكمة و إغراق العالم في الفوضى .
كانت ترغب في أن أُعيد الزمن ، أقصره أيّامًا و أطوله بضع سنوات ، لأتواصل معها في وقتٍ أبكر.
بل في الحقيقة ، لم يكن هناك داعٍ للعودة بعيدًا إلى هذا الحدّ.
كان يكفي فقط أن أُعيد الزمن إلى ما قبل دخولي الدير ، و أتواصل مرّةً أخرى مع فرسان المعبد بعيدًا عن أعين أهل القرية.
ثم أستدعي الكاهنة العظمى.
فالوصول إلى تلك المرحلة لم يكن أمرًا صعبًا على الإطلاق.
بما أنّنا فشلنا مرّةً من قبل ، فلو حصلنا هذه المرّة على معلوماتٍ أدقّ ، لأمكننا التخلّص من الحاكمة دون أيّ تدخّل.
لا بدّ أنّ الكاهنة العظمى حسبت الأمر على هذا النحو.
‘صحيح. هذه هي الطريقة الأصحّ.’
روين في الماضي لم يكن يعلم لماذا خنته و قتلته.
كنتُ دائمًا أستقبل الموت باستسلام ، لكن لأنّني تصرّفتُ هذه المرّة بشكلٍ غريب ، أخذ يراقبني.
على الأقلّ ، و قبل أن نجري حديثًا حقيقيًّا ، كان من المؤكّد أنّ مشاعر الكراهية لديه كانت أعمق من المودّة.
لذلك ، لو سارت الأمور على هذا النحو فقط ، فسأصل إلى النهاية التي أردتها الكاهنة العظمى ، و التي أردتُها أنا أيضًا.
أن أصبح وعاء للحاكمة ، و أموت ، و لا يمرّ أصدقائي بأيّ شيءٍ مرعب.
و يعود روين و فينسترنيس إلى أجسادٍ بشريّة عاديّة ، و يعيشان تحت حماية فرسان المعبد.
قد يشعران ببعض المرارة عند تذكّري ، لكن بما أنّهما لن يعرفا شيئًا ، فلن يُصابا بجرحٍ أكبر.
هذا هو المشهد الذي كنتُ أتمناه.
‘يجب أن أعود.’
بعد أن وصلتُ إلى هذا الاستنتاج ، لم يكن هناك متّسع لأن أفقد صوابي و أغرق في الألم.
كنتُ دائمًا هكذا.
حتّى لو حُبستُ في ظلامٍ دامسٍ لا يظهر فيه أيّ منفذ ، لم أتخلّ يومًا عن الصراع و المقاومة.
الاستسلام و الحزن يمكن فعلهما قبل الموت مباشرةً ، و هذا كافٍ.
بعد أن تفحّصتُ ما حولي من فوق ذلك الرأس العملاق ، نهضتُ بتردّدٍ و قفزتُ مباشرةً إلى السلّم.
مع ارتكاز ثقل جسدي على ساقَيّ ، شعرتُ بوخزٍ حادّ ، لكنّني شددتُ على أسناني و تحملتُ.
حين نظرتُ إلى الجانب ، بدا أنّ حجم الحاكمة قد صغر قليلًا مرّةً أخرى ، لكن حتّى ذلك لم يكن ذا معنى ، إذ لم يتقلّص إلّا إلى ما يقارب طول جسدي.
فكون خمسةٍ و عشرين مترًا تصبح ثلاثةً و عشرين فاصلة أربعة ، لا يجعلها تكفّ عن كونها عملاقة.
حدّقتُ في منظرها المرعب و هي تكرّر نفس الحركة ، تقضم هواءً لا شيء فيه ، ثم نزلتُ أسفل السلّم.
ما إن خرجتُ ، حتّى رأيتُ فينسترنيس جالسًا قريبًا ، منكمشًا على نفسه.
و من ملامحه الشاردة ، بدا أنّه أدرك هو أيضًا ما آلـت إليه الأمور.
جثوتُ أمامه و لمستُ رأسه بلطف ، ثم تكلّمتُ.
“فين ، ليس هذا وقت الجمود. قلتَ إنّ الحاجز انكسر و دخل الناس إلى الدير ، أليس كذلك؟ قبل أن يصلوا ، علينا بسرعة…”
“اهربي.”
“ماذا؟”
“هناك فتحة من هناك. صديقتي ، اخرجي بسرعة. هذا خطر.”
كان وجه فينسترنيس شاحبًا بلا أيّ دم ، و هو يشير باضطرابٍ إلى مكانٍ ما.
و حين وقفتُ أحدّق دون حركة ، تابع كلامه.
“الأرواح الشرّيرة تعيث فسادًا. البشر الذين دخلوا ، جميعهم يحملون أسلحة. سيقتلونكِ أنتِ أيضًا. روين ، روين لم يعد هنا ، لذلك لا يستطيع حمايتكِ.”
“هل قال روين ذلك؟ هل أخبركَ أن تُخرجني من هنا؟”
“…روبن قال فقط أن آخذ الصديقة و أبتعد بها قدر الإمكان. قال إنّه سيتكفّل بالحاكمة ، و أنّ كلّ شيءٍ انتهى. لكن… هذا ليس صحيحًا ، أليس كذلك.”
كان صوت فينسترنيس يرتجف منذُ خروجه من فمه ، و عند نهايته تحوّل إلى شبه نشيج.
احتضنتُ فينسترنيس ، الذي غطّى وجهه بيديه ، و فكّرتُ قليلًا.
انكسار الحاجز يعني أنّ الدير عاد إلى هيئته الأصليّة.
و في شكله الأصلي ، كان الممرّ المؤدّي إلى القبو مسدودًا بركامٍ حجري ، و الدرج في الجهة اليسرى منهارًا.
كما أنّ هذه الحديقة لا يمكن دخولها من الخارج.
أي أنّ الوصول إلى هنا سيستغرق بعض الوقت لا محالة.
بعد أن رتّبتُ أفكاري بسرعة ، ربّـتُّ على ظهره الصغير و همستُ.
“أنا أيضًا مخطئة لأنّني لم أفكّر أبدًا في قلب روين الذي سيُترَك خلفي ، لكن روين… هو حقًّا شخص سيّئ.”
“رو ، روين ليس سيّئًا.”
“بل هو كذلك. سيّئ جدًّا. روين تخلى عن الصداقة لأنّ الحبّ أعمـاه. أليس هذا وقحًا؟ بصراحة ، لو كنتُ مكانكَ لشعرتُ بالخيانة.”
و مع ذلك ، كان فينسترنيس يحاول أن يجعلني أهرب من هنا.
و من أجله ، لم أستطع أن أقرّر النجاة وحدي.
ابتعدتُ عنه و فتحتُ فمي بجدّية.
“اسمع جيّدًا يا فين. علينا من الآن فصاعدًا أن نفعل أيّ شيءٍ لنحوّل انتباه الحاكمة و نحصل على قوّة.”
“قوّة…؟ لا ، لا يمكن. سنُؤكَل من طرف الحاكمة…”
“الحاكمة تحتقرنا كثيرًا. مهما تحدّثنا بجانبها ، فهي لا تعتبره أكثر من نباح كلب ، لذلك لا تحذرنا أصلًا. بصراحة ، أنا أفهم ذلك. فلو كانت هناك بعوضة أصغر من ظفري تخطّط لامتصاص كلّ دمي و قتلي ، فلن أهتمّ بها أيضًا. يمكنني قتلها برشّ مبيدٍ أو بضربة كفّ واحدة ، أليس كذلك؟”
لو كانت تلك البعوضة تنقل مرضًا ، فستختلف القصّة ، لكن بالنسبة للحاكمة ، لم نكن تهديدًا على الإطلاق.
غرورها نابع من معرفتها بأنّها في موقع تفوّقٍ ساحق.
و مع ذلك ، كانت تُبدي اهتمامًا بالإقتراحات التي تثير فضولها.
“و هذا مفهوم أيضًا. لو أنّ بعوضةً ذات مخطّطٍ مرعب ظلت تطنّ قرب وجهي كلّ ليلة ، ثم قالت إنّها ستكون مطيعة إن أعطيتها قطرة دم واحدة في اليوم ، فربّما كنتُ سأوافق.”
و لهذا السّبب ، قبلت عرضي قبل خمسمائة عام.
آنذاك ، كنتُ أظنّ أنّ لا شيء أكثر رعبًا من الموت ، لذلك دافعتُ عن نفسي حين حاولت الحاكمة غزو عقلي.
يُقال إنّ الدودة تتلوّى إذا دُهست ، أمّا أنا فلم أكتفِ بالتلوّي ، بل قاومتُ بجنون.
و في النهاية ، لم تستطع الحاكمة الاستحواذ على جسدي بالكامل ، و عندما قلتُ لها ‘إن منحتِني القوّة ، سأُسلّمكِ جسدي طواعيةً!’ وافقت.
نظرتُ إلى فينسترنيس ، الذي ما زال جالسًا بوجهٍ مشوّش ، و تابعتُ حديثي بهدوء.
“بصراحة ، يا فين، لا يهمّني ما الذي سيحدث لجسدي. طبعًا سيكون جميلًا لو عشنا جميعًا ، لكن التمسّك بأملٍ مستحيل و خسارة الفرصة… تصرّف أحمق. أعلم أنّ لديكَ مشاعر معقّدة تجاهي ، لكن فكّر جيّدًا. بعد اختفاء روين ، أنتَ حزين و أنا حزينة ، أليس كذلك؟”
“من دون الصديقة ، السيد روين و أنا… سنحزن.”
“…شكرًا يا فين. لكن إن عـدتُ بالزمن إلى ما قبل دخولي الدير ثم مـتُّ ، فلن تحزنا لا أنتَ و لا روين. لأنّكما لن تتذكّرا شيئًا.”
ارتجفت عينا فينسترنيس بعد أن فهم كلامي متأخّرًا ، و حين حرّك شفتيه ، هزّ رأسه.
“هذا… لا يجوز. روين لا يريد ذلك…”
“سواء أراد أم لا ، لا خيار آخر. روين الذي كان عليه أن يمنعني و يوقفني لم يعد هنا. إن كان سيضحّي بنفسه بدلًا عنّي ، فكان عليه أن يفكّر مسبقًا فيما قد أفعله و أستعدّ له.”
رغمَ أنّني كنتُ أعلم أنّه لم يكن لديه أيّ متّسع للتفكير أو الاستعداد ، ابتسمتُ و أنا أنطق بتلك الكلمات.
“كلّ شيءٍ سيكون بخير. على أيّ حال ، فرسان الحرس الإمبراطوري يجوبون المكان بعيونٍ متأهّبة ، و حتّى لو هربتُ وحدي فسوف تتم ملاحقتي بسرعة. ثم إنّني لا أعرف شيئًا عن العالم الخارجي ، و لن أتمكّن من العيش فيه بشكلٍ صحيح. فتاةٌ ريفيّة جميلة بلا عائلة و لا تعليم ، إلى أيّ حدّ يمكنها أن تعيش بذكاء؟ لذا فلنفكّر في هذا على أنّه ليس تضحيةً بنفسي ، بل إنقاذ لروين.”
أمام سيل كلماتي المتواصل ، الذي بدا و كأنّه يفرغ روحه ، لم يجد فينسترنيس في النهاية ما يقوم به سوى أن يُومئ برأسه.
كان الأمر أشبه بالضغط القسري ، لكن حتّى أنا وجدتُه مقنعًا.
السّبب الذي جعلني أقول كلّ هذا لفينسترنيس هو أنّني اعتقدتُ أنّه ، أكثر منّي ، يعرف جيّدًا قدرة روين الغريبة.
أمسكتُ بفينسترنيس المتردّد و دخلتُ معه البرج.
و كما هو متوقّع ، كانت الحاكمة ما تزال تكرّر فعل الأكل و المضغ ، سعيدةً بروين.
نظرتُ إليها بازدراءٍ كما لو أنّني أنظر إلى حشرةٍ مقزِّزة ، و سألتُ فينسترنيس.
“الحاكمة الآن عالقة داخل الهلوسة التي يُريها إياها روين. حتّى ضرب رأسها لم يُظهر أيّ ردّة فعل. ماذا يجب أن نفعل كي تهتمّ بي؟”
و كان الجواب الذي عاد صادمًا إلى حدّ بعيد.
“لا يمكن. روين علّق الهلوسة مقابل موته. لن تنكسر إلّا إذا جاء إنسانٌ بقوّةٍ أكبر.”
“…آه ، هكذا إذًا. لكن هل يوجد في هذا العالم شخصٌ أقوى من روين الذي عاش خمسمائة عام؟”
“لا أعرف. ثم إنّ روين كان أصلًا القربان الذي رغبت به الحاكمة أكثر من أيّ شيء ، لذلك… لا أظنّها ستتفاعل إلّا مع قربانٍ أكثر إغراءً من ذلك…”
“إذًا… هل ستبقى الحاكمة على هذه الحال إلى الأبد…؟”
غالبًا نعم.
عند همهمة فينسترنيس بصوتٍ فارغ ، قبضتُ على شعري بعنف.
لم يكن الأمر أنّني لم أضع أيّ خطّة.
من المؤكّد أنّ روين توقّع أنّني سأصل إلى هذا القرار.
تراءى لي روين ، و هو يبتسم بلطف فوق وجه العملاقة القبيح ، و يرفع يده ملوّحًا.
التعليقات لهذا الفصل " 150"