حين عدتُ إلى المكان الذي سقطتُ فيه سابقًا ، لاحظتُ بوضوح أنّ موضع وجه العملاقة قد انخفض قليلًا.
لكن داخل فمها المسنّن لم يكن هناك شيء.
لا شيء… لم يتبقَّ شيء.
و مع ذلك ، كان تحريكها لفمها بنهمٍ باعثًا على الاشمئزاز إلى حدّ جعل أسناني تصطكّ.
قفزتُ فوق رأسها و ضربتُ بقبضتي بكلّ ما لديّ من قوّة.
“قلتُ أنني هنا ، هنا بالذات. قلتُ أنني جئـت لأفي بوعدي . قلتُ إنّني سأكون الوعاء ، فلماذا…!”
[آه، لذيذ. لذيذ للغاية. لا يختفي مهما أكلتُ. كم أنا سعيدة.]
“….”
ربّما لأنّ جسدي كان يلامسها ، وصلني صوتها الغارق في الطمع بوضوحٍ شديد.
في الوقت نفسه ، لوّحت الحاكمة بذراعها كما لو أنّها تخطف شيئًا ، ثم أعادته إلى فمها كما فعلت سابقًا.
[لذيذ. لذيذ حقًّا. آه ، لذيذ.]
لم يكن في يدها أو فمها شيء.
و مع ذلك ، تصرّفت كأنّها تأكل شيئًا فعلًا ، و كانت عيناها البشعتان تحدّقان إلى الأمام فقط.
كما لو أنّها قد فُتِنَت بروين الذي ابتلعته و لم يترك لها حتّى شظيّة عظم.
في تلك اللحظة أدركتُ.
كان روين يمتلك قدرةً على إغواء الطرف الآخر.
القوّة التي جعلتني أنا نفسي ، رغم خوفي منه ، عاجزةً عن المقاومة ، لا بدّ أنّها تزداد كلّما تعاظم الشعور نحوه.
أن تتعلّق الحاكمة بروين فجأة ، رغمَ أنّها كانت تتدخّل بلا توقّف لتجذبني إلى البرج كي أكون وعاءها ، و أن تتجاهلني تمامًا رغم أنّني كنتُ أندفع نحوها علنًا لتلتهمني ، كلّ ذلك كان لأنّها سُحِرَت بروين.
“…..”
امتلأ رأسي بالأفكار المتشابكة و تبعثرت.
الطريقة الوحيدة للقضاء تمامًا على كائنٍ يُدعى حاكمًا ، هي قتله و هو في حالة امتزاجٍ مع الوعاء البشري.
هذا ما قالته الكاهنة العظمى، و هذا ما قاله روين.
روين لم يُرِد أن أُضحّي بنفسي بدلًا عنه.
و قال إنّ العيش مجدّدًا في عالمٍ لا أكون فيه سيكون عذابًا له.
لكنّ الحاكمة كانت ستستيقظ قريبًا ، و حين تفتح عينيها ، فمن المؤكّد أنّ أوّل ما ستفعله هو محاولة التهامي أنا ، وعاءها.
و بما أنّ الوعاء لا يمكن أن يكون إلّا امرأة ، لم يكن بوسعه أن يحلّ محلّي.
لذلك… هو ، بعد أن ألقى على الحاكمة سحرًا قويًّا من الإغواء ، ترك نفسه يُلتهم.
ربّما كان قد عبث بالذكريات أيضًا ، كما فعل عندما كان ‘يتظاهر بأنّه صديق’ و يتحرّك معنا طوال الوقت.
الحاكمة الجائعة ابتلعت القربان الذي كانت تتوق إليه منذ خمسمائة عام دفعةً واحدة ، و وقعت في أسر الهلوسة التي صنعها روين.
حتّى لو انكسر الحاجز و انكشف وجود الحاكمة للعالم ، فطالما أنّ أعظم رغباتها موجّهة نحو روين ، فلن تُصغي لفترةٍ طويلة إلى أيّ أمنيةٍ أخرى.
الكاهنة العظمى قد ماتت ، لكنّ المعبد نفسه لم يُمحَ تمامًا ، لذا قد يحاولون العثور على الوعاء للقضاء على الحاكمة.
أو ربّما يقومون بختمها.
و حين تستعيد الحاكمة وعيها يومًا ما ، سيكون هناك وعاءٌ جديد قد أُعِـدّ سلفًا.
كلّ مَنٔ كان يعرف أنّني كنتُ وعاء الحاكمة قد مات ، و حياة القائد باران أيضًا كانت مجهولة المصير.
لم يكن ممكنًا أن تسير كلّ الأمور تمامًا وفق الخطّة ، و مع ذلك قام روين بالمراهنة.
إن لم أمـت وأنا متّحدة مع الحاكمة ، فلن يتحرّر فينسترنيس و إيديلاين و أسمير و فريسينغير من قيود الدير.
و مع ذلك ، روين… من أجلي ، تخلّى عن كلّ شيءٍ آخر.
لكن يا روين.
“لا يمكنني أن أعيش في هذا العالم وحدي.”
كما كنتُ أنا كلّ شيءٍ بالنّسبة لك ، كان الأمر كذلك بالنّسبة لي أيضًا.
عاد بصري لكي يصبح ضبابيًا مرّةً أخرى ، و مرّ صوت الكاهنة العظمى بخاطري.
‘ربّما سيكون من الأفضل للآنسة ، لو أنّكِ أنتِ من تُعيدينه.’
التعليقات لهذا الفصل " 149"