رغم أنّ عينيها كانتا محجوبتَين ، شعرتُ بوضوح أنّها تحدّق بي.
‘……هل استيقظت تمامًا لأنّني دخلتُ إلى هنا؟’
قالوا إنّها نائمة ، لكن أيّ جزءٍ من هذا يبدو كنوم؟
الخوف الغريزيّ الذي شعرتُ به في الأسفل تبعه اشمئزاز و نفور ، لكنّني تحمّلتُ هذه المرّة أيضًا و أنا أتنفّس بعمق.
سيكون الأمر بخير.
حتّى لو التهمتني ، فالألم لن يدوم سوى لحظة.
أنا أثق بروين.
بعد أن سمع منّي كلمة ‘أحبّـك’ ، لن يتجاهل طلبًا يُشبه الوصيّة الأخيرة.
و أثق أيضًا أنّه ، حتّى لو تحرّر من اللعنة بسلام ، فلن يختار روين التخلّي عن الحياة بنفسه.
لأنّه فهم سبب ارتكابي لهذا الفعل الأحمق ، و لأنّه سيكون عليه حماية فينسترنيس.
‘بهذا الشكل ، يبدو الأمر و كأنّني ألقيتُ عليه لعنةً جديدة.’
لكن ما لا مفرّ منه ، لا مفرّ منه فعلًا.
بعد أن هدّأتُ نفسي بصعوبة ، صرختُ بسرعة:
“جئـتُ لأفي بالوعد!”
لم أرد أن أستخدم أسلوب الاحترام حتّى لو مـتُّ ، و عبارة ‘جئتُ لأفي بالوعد!’ بدت حميميّة أكثر من اللازم ، فخرج الأسلوب غريبًا.
على أيّ حال ، كان لديّ يقين.
يقينٌ بأنّني ، في نظر الحاكمة التي استيقظت من سباتها الطويل و هي جائعة ، سأبدو فريسةً مغريةً للغاية.
قالت الحاكمة إنّها ، في اليوم الذي تفتح فيه عينيها ، ستأخذ جسدي وفقًا للعقد.
و لأنّها تحتاج إلى جسدي لتعيش على هذه الأرض من دون الحاجة إلى أتباع أو قرابين ، فلا بدّ أنّها تريدني أكثر من أيّ شيء.
و فوق ذلك ، أنا أتمشّى أمامها بهذا الشكل و كأنّني أقدّم نفسي لها ، فالأمر بديهيّ!
كنتُ الآن أستحضر في ذهني اللحظة التي تم فيها تفعيل مسار روين لأوّل مرّة.
‘رغم أنّني كنتُ مجرّد وجبة خفيفة ، تظاهرتُ بالقرب منه كثيرًا ، و قد أعجبه ذلك.’
كان النظام الذي جعلنا نستمرّ في سوء الفهم حتّى النهاية مثيرًا للضحك ، لكن روين أيضًا لم يكن في كامل وعيه آنذاك.
في ذلك الوقت ، لم يكن هناك حلم و لا أمل ، و كنتُ مثقلةً ، أتساءل حقًّا لماذا يفعل بي العالم هذا.
لكن عندما أفكّر فيه الآن كذكرى ، لا يسعني إلّا أن أبتسم.
في اللّحظة نفسها تقريبًا ، انشقّت شفتا الحاكمة مرّةً أخرى على اتّساعهما.
داخل الفم المفتوح ظهرت الأسنان.
كانت حادّةً و متراصّة كأنّها شفرات منشار ، تشبه إلى حدٍّ بعيد أسنان القرش التي في ذاكرتي.
‘……سيكون مؤلمًا بشدّة.’
لا يبدو أنّ الألم سيكون للحظة واحدة ، لكن على أيّ حال ، كنتُ مستعدّة.
فتحتُ عينيّ على مصراعيهما و حدّقتُ في الحاكمة مباشرةً.
اللسان الذي كان يتلوّى في الهواء اقترب منّي.
و عندما لامس طرف اللسان النحيل خدّي ، سرت قشعريرة في جسدي كلّه.
كان الإحساس إحساس لحمٍ حيّ ، لكن من دون أيّ حرارة ، بل كان باردًا كأنّ قطعة جليد لامستني.
قبضتُ يديّ بقوّة ، حتّى شعرتُ بوضوح بإحساس أظافري المصقولة و هي تنغرس في راحتي.
ابتلعتُ ريقي الجافّ ، و كتمتُ ارتجافي بكلّ ما أوتيتُ من قوّة.
كنتُ خائفةً إلى حدّ الجنون ، لكنّني لم أرد أن أستسلم للذعر.
“إن كنتِ ستأكلينني ، فافعليها بسرعة. إن جاء مُتطفّل الآن ، فسنقع نحن الاثنتان في مأزق.”
كان من حسن الحظّ أنّ روين و بقيّة الرفاق ، مهما كانوا يظهرون فجأةً أو يمشون على السقف ، لا يملكون أجنحة.
في اللّحظة التي مددتُ فيها يدي الشاحبة و أمسكتُ باللسان—
“توقّفي يا ليلي. أرجوكِ ، لا تفعلي هذا…….”
كما في المرّة السابقة ، انغرس صوت روين من جانبي بعد أن صعد الدرج من دون أيّ إحساسٍ بوجوده.
كان صوته المبحوح شبيهًا بالبكاء ، فالتفتُّ نحوه بلا وعي.
أكرّر مرّةً أخرى ، كنتُ واثقة.
واثقةً من أنّ الحاكمة تريد أن تأكلني.
و لهذا ، غفلتُ عن حقيقةٍ أساسيّة.
منذ البداية ، كانت ترغب في روين ، الذي سيُقدَّم قربانًا ، أكثر ممّا ترغب بي أنا ، التي سأكون وعاءها.
[أخيرًا.]
دوى صوت مقزّز داخل رأسي ، لا عبر أذنيّ.
كان وجه الحاكمة ، الذي كان يحدّق بي مباشرةً ، قد انحرف الآن إلى الجانب.
هبّـت في المكان المغلق الذي لا نافذة فيه ، ريحٌ باردة رطبة ، مزعجة إلى أبعد حدّ.
رفرفت الأقمشة التي كانت تغطّي وجهها الهائل ، و ظهرت عيناها الذهبيّتان المفتوحتان على اتّساعهما.
النقوش الغريبة المحفورة في حدقتيها أطلقت بريقًا ساطعًا ، و كان نظرها موجّهًا ، لا إليّ ، بل إلى روين ، مشوّهًا بالجشع.
انزلق اللسان الذي كنتُ أمسكه و خرج من يدي.
لا أعلم أيّ حالةٍ عقليّةٍ كنتُ فيها.
بمجرّد أن خطر لي أنّني لا يجب أن أتركه يفلت ، تحرّك جسدي قبل عقلي.
أمسكتُ باللسان بكلتا يديّ ، و قفزتُ به مباشرةً إلى الفراغ.
“ليلي!”
“آآه! اهرب ، اهرب بسرعة!”
لحسن الحظّ أنّ اللسان كان رفيعًا.
بينما كنتُ معلّقة تمامًا في الهواء ، لففتُ قطعة اللحم حول معصمي بيأس.
و بسبب تحسّن بصري الشديد ، رأيتُ الهاوية السحيقة أسفلي بوضوح ، فكاد نفسي ينقطع ، لكنّني صرختُ على روين مرّةً أخرى بعجلة:
“قلتُ لكَ اهرب! إنّها تستهدفكَ!”
“……لماذا أنتِ ، في ذلك الوقت و الآن ، تحاولين تحمّل كلّ شيء وحدكِ؟”
“هذا ليس الوقت المناسب لمثل هذا الكلام……!”
عندما لوّح روين بيده ، توقّف اللسان الذي كان يهتزّ بعنفٍ و كأنّه فقد عقله.
اتّسعت عيناي عند رؤيته يرتجف كما لو أُصيب بالشلل.
“تعالي إلى هنا ، يا ليلي.”
كانت حدقتا روين ، و هو يفتح ذراعيه نحوي ، مشقوقتَين طوليًّا كما رأيتهما مرّاتٍ عدّة من قبل.
حدّقتُ به شاردةً ، ثمّ أملتُ جسدي قليلًا.
كانت عينا الحاكمة لا تزالان تشعّان بقوّة ، لكنّني رأيتُ بوضوح أنّ تركيزهما قد تشتّت.
تردّدتُ لوهلة ، ثمّ أفلَتُّ اللسان و قفزتُ إلى حضن روين.
رغمَ أنّنا كنّا نقف على درجٍ ضيّق ، حملني روين بثباتٍ كبير ، و دفنتُ وجهي في كتفه.
“ذلك…… ما الذي حدث بالضبط؟”
“حين صرتُ لا أموت و لا أكبر في السن ، و بقيتُ محبوسًا هنا أعيش مع الأرواح الشرّيرة ، برأيكِ ماذا كنتُ أفعل؟”
“لا بدّ أنّكَ…….”
لا بدّ أنّك أضرمتَ نار الانتقام نحوي بشدّة.
لكنّ روين شدّد ذراعيه حولي أكثر ، و همس:
“قرأتُ كلّ الكتب في المكتبة. حتّى تلك التي قال هنفلين إنّها كتب محرّمة و منعني من لمسها ، قرأتها كلّها.”
أنفاسه الدافئة عند مؤخرة عنقي كانت تُدغدغني.
رغم الموقف ، سخن وجهي و أذناي ، و كلّ ذلك بسببه.
ابتلعتُ ريقي مرّةً ، و سألته بهدوء:
“قرأتَها كلّها؟”
“نعم ، كلّها. لم يكن لديّ ما أفعله.”
كان روين يحبّ القراءة منذُ البداية ، و كان ذكيًّا.
و مهما كان عدد الكتب هائلًا ، فخلال خمسمئة عام قضاها مقيّدًا قسرًا في هذا الدير ، لم يكن ادّعاؤه بأنّه قرأها جميعًا كذبًا.
كان إنسانًا عاديًّا ، لكن لديه قدرات غريبة كثيرة… و يبدو أنّ ما يقيّد الحاكمة الآن أيضًا ، هي تقنيّة تعلّمها من الكتب.
واصل روين حديثه:
“لذلك كنتُ أعرف. كنتُ أعرف أنّ الكيانات التي تُسمّى حكام يمكن إبادتها إن قُتلت و هي مختلطة بالإنسان الذي يشكّل وعاءها. و هنفلين لا بدّ أنّه بحث عن طرقٍ متعدّدة تحسّبًا لأسوأ الاحتمالات.”
“لكنّك قلتَ قبل قليل إنّك لا تعرف أيّ طريقة…….”
سألتُ بلا وعي ، ثمّ أطبقتُ فمي.
لأنّني الآن أعرف ، و لا بدّ لي أن أعرف ، أيّ مشاعر كانت وراء تصرّف روين المريب.
رفعتُ ذراعي التي كانت متدلّية بلا قوّة و احتضنتُ ظهره.
ثمّ سألتُ بصوتٍ هادئ:
“رغم أنّكَ قرأتَ كلّ الكتب ، لم تكن هناك طريقةٌ أخرى للقضاء على الحاكمة بشكلٍ نهائيّ ، أليس كذلك؟”
لم يُجب روين بشيء ، لكنّ صمته كان تأكيدًا واضحًا.
ظننتُ أنّه لو كان لدينا وقتٌ أطول ، فقد نجد طريقةً أخرى لا تتطلّب تضحيتي ، لكنّ كلام الكاهنة العظمى كان صحيحًا.
عندما أملتُ بنظري قليلًا إلى الجانب ، رأيتُ اللسان يتحرك في الهواء بعنفٍ أشدّ من ذي قبل.
يمكن إيقافها مؤقّتًا ، لكن لا يمكن تقييدها تمامًا.
و بما أنّني كنتُ قد عزمتُ على الموت منذُ البداية ، لم أشعر بخيبة أمل.
شعرتُ فقط بمزيدٍ من الأسف تجاه روين.
‘من الأفضل أن أقفز أنا إلى فمها قبل أن تلتهم روين.’
و مع ذلك ، لم يكن هذا ليغيّر شيئًا.
جمعتُ قوّتي لأدفع روين بعيدًا مرّةً أخرى ، لكنّه رفع وجهه.
التعليقات لهذا الفصل " 148"