أثناء تسلّقي مستندةً إلى الجدار ، تعمّدتُ ألّا أُوجّه نظري إلى الجانب.
لأنّني شعرتُ أنّني إن نظرتُ بلا داع و رأيتُ شيئًا غريبًا مرّةً أخرى ، فقد أرغب حقًّا في الفرار.
و هكذا ، و بعد المرور بالساقين و الخصر ، وصلتُ إلى مستوى الصدر.
كان ذراعا الحاكمة متقاطعين ، و كانت يداها ، مثل قدميها ، حادّتَين و ذات هيئةٍ غريبة.
لم يبقَ سوى القليل حتى يظهر الرأس.
وما إن أدركتُ ذلك حتّى تباطأت خطواتي.
‘أشعر أنّني سأتقيّأ.’
بسبب الاشمئزاز الغريزيّ ، بدأ معدتي تتقلّب.
و بصراحة ، أظنّ أنّ تحمّلي إلى هذا الحدّ وحده إنجاز عظيم__
كما أنّ الهواء الخانق كان أحد أسباب الغثيان.
حسنًا ، وجود نافذة هنا كان سيبدو غريبًا أيضًا.
و بينما كنتُ أتردّد للحظة ، اقترب السهم أكثر.
كان مقرفًا حقًّا أن يتحرّك و كأنّه يملك إرادةً خاصّة ، لكن بعد الوصول إلى هنا ، لم يعد بوسعي الهرب.
و في اللّحظة التي أخرجتُ فيها أنفاسي أطول زفيرٍ على الإطلاق ، ثمّ حرّكتُ قدمي من جديد—
“انتظري.”
توقّفتُ عن الحركة عند الصوت الذي انغرس من الخلف…… بل أدقّ ، من الأسفل قليلًا.
ابتلعتُ أنفاسي التي كنتُ قد أخرجتها ، و استدرتُ.
و في مجال الرؤية الواضح ، ظهر وجه روين شاحبًا.
و لأنّه كان يقف عدّة درجاتٍ أسفل ، تلاقت أعيننا على مستوى واحد.
“أنتَ….أنتَ كيف دخلتَ إلى هنا؟!”
صرختُ بصوتٍ متكسّر من شدّة الارتباك الحقيقيّ.
و من لون وجهه الشاحب وحده ، كان من السهل معرفة مدى قلق روين.
على أيّ حال ، يجب أن أُخرجه من هنا بسرعة.
نزلتُ درجةً واحدةً بلا وعي ، لكن روين صعد في المقابل ، فوجدتُ نفسي أرتفع من جديد.
عاد مستوى نظرنا متساويًا ، لكن لسببٍ ما كان من غير المريح أن أنظر إليه مباشرةً في عينيه.
حوّلتُ بصري برفق ، و اصطنعتُ صوتًا هادئًا و قلتُ:
“اخرج بسرعة يا روين. إن كنّا أنا و أنتَ معًا ، فستستهدفكَ تلك العجوز أوّلًا بلا شكّ.”
“لا بأس. منذُ البداية ، هذا مصيري.”
تملّكني شعور خانق عند سماع نبرته الهادئة الخالية من أيّ إحساس.
“أيّ مصير هذا؟ لو لم يكن ذلك بسبب هنفلين ، لما جُررنا نحن الاثنان إلى هذا المكان القذر أصلًا. كنّا سنعيش حياةً عاديّة و بخير.”
حتى لو كنّا أيتامًا من دون شخصٍ واحدٍ نعتمد عليه ، فأنا واثقة أنّ ذلك كان أفضل بمئة مرّة من العيش في هذا المكان.
لم يكن الأمر سوى سوء حظ أصابني و أصاب روين.
لكنّ استسلامه و تسميته لذلك بالمصير لم يكن يشبهه إطلاقًا.
“لا.”
جاءني الردّ بعد صمتٍ قصير ، فشعرتُ و كأنّ صدري سينفجر أكثر.
لم أُحاول استفزاز روين بسبب ضيق الوقت فحسب ، بل لأنّ وجودنا معًا قد يُضعف عزيمتي ، و لأنّني أردتُ تحريره و لو للحظةٍ واحدة أسرع.
لكن هذا التدخّل كان مزعجًا.
نظرتُ إلى روين نظرةً ثابتةً و أنا أفكّر.
‘في الماضي كان جميلًا إلى درجةٍ تُثير غريزة الحماية.، فأردتُ أن أدلّله و أحميه ، أمّا الآن ، فهو لا يزال جميلًا ، لكنّه أصبح شابًّا قويّ البنية لا يمكنني أن أشعر نحوه بتلك الغريزة بسهولة.’
ثمّ أرسلتُ نظري بخفّة نحو أسفل الدرج.
‘حتى لو أسقطتُه من هنا ، فلن يموت ، أليس كذلك…..’
أردتُ فقط إبعاده قدر الإمكان عن عيني الحاكمة و فمها.
و في اللحظة التي شددتُ فيها كتفي استعدادًا للاصطدام به—
“لولا هنفلين ، لما التقيتُ بـكِ.”
عند الصوت الذي وصلني بنبرةٍ شجية ، توقّفتُ متسمّرة في مكاني.
رفعتُ رأسي الذي كان مطأطأً قليلًا.
كان روين ينظر إليّ مجدّدًا بوجهٍ يوحي بأنّه على وشك البكاء.
“أنـتِ مَنٔ قلتِ ذلك يا ريبلي. ألم تسألي إن كنتُ لا أريد الهرب من هذا المكان القذر الحقير؟ و إن كان لهذا المكان أيّ معنى بالنّسبة لي.”
الكلمات التي قلتُها حين أقنعتُه مستخدمةً فينسترنيس كرهينة ، خرجت الآن من فم روين.
تردّدتُ قليلًا ، ثمّ أجبتُ:
“سألتُكَ ، و أنتَ قلتَ بحزمٍ شديد إنّ هناك معنى.”
كنتُ أظنّ أنّ تعلّقًا غريبًا نشأ لديك بعد مئات السنين من العيش هنا ، لكن إجابته كانت غير متوقّعة.
“لأنّني التقيتُ بـكٓ.”
“……ماذا؟”
“لأنّـكِ كنـتِ هنا.”
“…….”
“و أنـتِ؟ أليس الأمر كذلك لكِ؟”
كان سؤالًا يصعب عليّ أن أُجيب عنه بنعم ، كما يصعب أن أُجيب عنه بلا.
بالطبع ، الجواب الذي في قلبي هو ‘أنا أيضًا أحببتُ المكان لأنّني التقيتُ لكَ هنا!’ ، لكن النتيجة كانت أنّنا انتهينا جميعًا إلى الشقاء و المعاناة
لا أفهم لماذا يقول روين مثل هذا الكلام ، و هو الذي بدا و كأنّه أُصيب بخيبةٍ و أذى كبيرين.
لكنّني تماسكتُ و فتحتُ فمي.
“لا ، ليس كذلك. قلتَ بنفسك إنّك تستطيع قتلي بشكلٍ مؤكد. فلماذا تقول الآن مثل هذا الكلام؟ إن لم تنزل بقدميكَ ، فسأُسقطك من هنا…….”
“كاذبة.”
“كاذبة؟ مَن؟ أنا؟”
“ريبلي ، أنتِ كنتِ سيّئةً للغاية في الكذب. لذلك ، حتّى بعد أن كنتِ تذهبين خفيةً إلى السجن أو تُحضِرين الطعام للأطفال ، لم تستطيعي قول ‘لم أفعل ذلك’، و كنتِ تتعرّضين للتوبيخ.”
“….صحيح أنّ ذلك حدث ، لكنّني الآن مختلفة يا روين.”
“إذًا ، لماذا قبلتِ الموت بتلك السهولة؟ كنتِ تريدين الحرّية حتّى لو خنتِني ، فلماذا تعمّدتِ استفزازي و حاولتِ الموت؟”
سؤال منطقيّ.
كنتُ أُريد تشتيت انتباهه كي لا يمسك بي بدافع الشكّ ، لكن يبدو أنّ ذلك كان طموحًا زائدًا.
لكن مع ذلك ، يمكنني إنكار الأمر مهما شئت!
“لأنّني تعبتُ فحسب. هل تعلم كم هو مخيف أن أعيش تجربة رعب في مكانٍ مرعبٍ كهذا في كلّ مرّةٍ أولد فيها من جديد؟”
“مكان مرعب؟ قبل قليل ، قلتِ أنه إن لم يكن هناك حلّ آخر ، فستعودين و تبقين معنا هنا إلى الأبد.”
“……كان ذلك ، مجرّد كلامٍ عابر. لو لم أقل ذلك ، لما تركتني أذهب.”
“إن كنتِ تريدين الخروج من هنا لدرجة أنكِ كذبتِ ، فلم يكن هناك داعٍ للعودة أصلًا. لماذا عدتِ بدلًا من الهرب؟”
“لا ، لا يمكنني الهرب! إن لم أكن هنا ، فأنتم…….”
“قلتِ إنّك خنتِني لأنّك أردتِ أن تعيشي وحدك. إذًاز، سواء علقنا هنا إلى الأبد أو صرنا طعامًا و متنا ، فلا علاقة لكِ بنا ، أليس كذلك؟”
لم أعد أستطيع الردّ على أيّ شيء بسبب روين الذي كان يدحض كلّ كلمة.
يبدو أنّه أدرك تمامًا أنّني تعمّدتُ فعل كلّ هذا.
عضضتُ على شفتِي السفلى و أنا أنظر إليه ، ثمّ في النهاية أطلقتُ زفيرًا طويلًا.
بعد أن وصل الأمر إلى هذا الحدّ ، لم يعد من الممكن تأجيج الكراهية.
لم يبقَ سوى أن أستعطفه بمشاعري و أقنعه.
“……فهمتُ. فهمتُ أنّه من المستحيل أن نهرب من هنا أبدًا. الشخص الذي تلتهمه الحاكمة لا يمكن إنقاذه أبدًا. لذلك ، أردتُ أن أمنعكَ من أن تصبح طعامًا لها.”
“و لهذا قتلتِني بيديكِ؟”
“نعم. حينها لم يكن هناك خيارٌ آخر. لكن صحيح أنّه إن اختفت الحاكمة ، فستُرفع لعنة الخلود عنكَ و عن فين. و حينها ستصبحان حرّين حقًّا. في الأصل ، كان من المفترض أن تحميكما الكاهنة العظمى…… لكن في هذا الوضع ، لا أعرف ما الذي سيحدث. مع ذلك ، لديكما خبرة خمسمئة عام ، لذا ستتمكّنان من الهرب بشكلٍ جيّد.”
عند التفكير بالأمر ، بدا لي أنّ الإمبراطور الذي لم أرَ وجهه قطّ قد يموت فور اختفاء قوّة الحاكمة.
حتى إن لم يمت ، فهو لم يحصل على الشباب.
و عندها ، ألن ينشغل بمعالجة ذلك لدرجة أنّ فرسان الإمبراطوريّة لن يعودوا إلى هنا؟
على أيّ حال ، لم يكن أمامي كلّ آخر سوى ترك هذا الأمر لروين.
تنفّستُ بعمقٍ مرّةً أخرى ، ثمّ نظرتُ إليه بجدّيّة و قلتُ:
“أنا آسفة يا روين. لأنّني فعلتُ أفعالًا مجنونة كهذه و لم أشرح لك شيئًا…….”
سلوكي ، إن حاولتُ تجميله ، كان حبًّا ، لكن إن قيل بصراحة ، لم يكن سوى جنونٍ محض.
ربّما ، بعد أن سُلب جسدي من قِبل الحاكمة ، تلوّث عقلي بشيءٍ ما ، لكن على أيّ حال ، كنتُ أدفعه إلى جحيمٍ حيّ، مقتنعةً بأنّ النتيجة الجيّدة تبرّر أيّ مسارٍ كان.
“لأنكَ شخص رومانسيّ و حسّاس إلى درجة أنّك تعلّقتَ بهذا المكان القذر لمجرّد أنّك التقيتَ بي و لأنّني كنتُ هنا ، قد تقول شيئًا مثل: ‘عالم من دونكِ لا معنى له!’. لكن يا روين ، ليس لدينا الآن أيّ خيار. إمّا أن تقتلني ، أنا التي سُلب جسدها من الحاكمة ، و تكسر اللعنة و تعيش بحرّية ، أو نُلتهم معًا و ينهار العالم و ننهار نحن أيضًا. إن اخترنا الخيار الثاني ، فسأشعر بحزنٍ و ظلمٍ لا يُحتمل.”
لم يكن خيار الهرب موجودًا أصلًا.
فعلى عكسي ، أنا التي أستطيع الخروج ، كان روين كيانًا مقيّدًا بهذا الدير.
“لذلك ، اقتلني. إن كان من الصعب عليكَ أن تفعلها بيديكَ ، فاصنع فخًّا ، أو حتّى سيطر على أصدقائي ، و افعلها بأيّ طريقة.”
لم أعد أُخفي شيئًا ، و لم أعد أُراوغ.
و عند كلماتي الصادقة ، بدأ تعبير روين ينهار ببطء.
لا.
عندما رأيتُ مشاعره تنعكس على وجهه ، تذكّرتُ روين القديم.
كان سيّئًا في رفض الأشياء التي لا يحبّها ، لكن من مجرّد التجعّد الطفيف في وجهه ، كنتُ أفهم كلّ شيء.
“……قد يكون هذا مكانًا غير مناسبٍ للكلام ، لكنّني أحبّـكَ يا روين.”
كنّا قد تحدّثنا بخجلٍ عن الزواج إن هربنا من الدير ، لكنّ هذه كانت المرّة الأولى التي أقول فيها شيئًا كهذا صراحةً.
مددتُ ذراعي ، و أمسكتُ بياقة روين الذي اتّسعت عيناه ، و اصطدمتُ بشفتيه.
ثمّ ، و بكلّ قوّتي ، دفعتُه إلى الأسفل.
“انتظ……!”
روين ، الذي ارتبك من الاعتراف المفاجئ و الهجوم بالقبلة ، فقـدَ توازنه و سقط إلى أسفل الدرج.
كانت الشفاه التي لامستني للحظةٍ خاطفة فقط ، ساخنةً كما لو أنّها أُصيبت بحرق.
التعليقات لهذا الفصل " 147"