“حسنًا ، روين. إذن لا تهتم بما في الخارج ، و لنضع الخطّة أوّلًا. سأدخل أنا إلى هناك ، أوقظ الحاكمة ، ثمّ أُسلِّم لها جسدي. آه ، هل تستطيع أنتَ أيضًا أن تنشئ حاجزًا أو شيئًا مشابهًا؟ الكاهنة العظمى قالت إنّهم كانوا سيهاجمون من الخارج و هم يفرضون حاجزًا قويًّا.”
سألته ذلك لأنّه كان يمتلك شتّى أنواع القدرات ، فظننتُ أنّ هذا الجانب أيضًا قد يكون ممكنًا.
و مع ذلك ، لم أكن أتوقّع شيئًا ، لكنّ روين أجاب من دون أيّ تغيّر في تعابير وجهه.
“أستطيع.”
“آه…… كنتُ أسأل مجرّد احتمال ، لكن يبدو أنّك فعلًا لا تعجز عن شيء.”
كان هكذا في الماضي أيضًا.
القواعد و الصلوات و طرائق الطقوس التي يجب حفظها ، كان يتذكّرها كلّها دفعةً واحدة و ينفّذها بإتقان.
و كذلك الطهوّ و الخياطة اللذان تعلّمهما قبل أن يصبح أحد الفراخ ، كان بارعًا فيهما إلى حدّ مدهش.
حتّى خطّه كان مستقيمًا و جميلًا.
و عندما كنتُ أمدحه ، كان يبتسم بخجل.
لكنّه ، كما هو متوقّع ، لم يبتسم الآن.
فقط حوّل نظره إلى مكانٍ آخر كما فعل قبل قليل ، و قال بصوتٍ منخفض.
“……هذا الدّير نفسه مُنشأ على هيئة حاجز ، بحيث لا يمكن اقتحامه من الخارج.”
“آه ، فهمت.”
زادني ذلك اطمئنانًا.
“إذن ، فور دخولي ، أقم الحاجز. و وفقًا لكلام الكاهنة العظمى ، عندما تحلّ الحاكمة تختلط بالروح، يضعف الجسد. لا أعرف كيف يتمّ الحلول و لا كيف يحدث امتزاج الأرواح ، لكن على أيّ حال ، راقب الوضع و اقتلني حينها. حسنًا ، انتهى الشرح ، سأدخل البرج الآن!”
تظاهرتُ بالهدوء قدر الإمكان ، و لوّحتُ مودِّعةً و أنا أترك يده.
لكن قبل أن أستدير تمامًا ، أمسك روين بمعصمي بعنف.
“أقتلكِ؟ تريدين منّي أن أقتلكِ؟”
……كنتُ آمل أن يمرّ الأمر بسلاسة ، لكن يبدو أنّ ذلك كان مستحيلًا.
أعدتُ الجزء العلويّ من جسدي إلى وضعه الأصليّ ، و هززتُ رأسي و أنا أتحكّم بتعابير وجهي.
“نعم. لكن لا تقلق ، لن يكون الأمر صعبًا. لقد هدّدتَ حياتي مرارًا حتّى الآن ، كلّ ما عليكَ هو أن تكون أكثر جديّة قليلًا. صحيح أنّني قتلتكَ لسببٍ ما ، لكن إن أردتَ أن أعترف بصدق ، فقد فعلتُ ذلك من أجل نفسي…….”
لم تكن القبضة على معصمي قويّة ، فحرّرتُ نفسي بلطف و تابعتُ الكلام.
“إذن ، سأدخل البرج حقًّا!”
لوّحتُ مجدّدًا و كأنّني أودّعه بلا اكتراث ، و تحركتُ بخفّة ، لكنّه أمسك بي مرّةً أخرى.
نظر روين إلي بملامح مشوَّشة ، و شدّ قبضته أكثر من ذي قبل ، ثمّ فتح فمه.
“انتظري. إن استولت الحاكمة على جسدكِ ، فماذا سيحدث لكِ؟”
“ماذا سيحدث؟ ستستولي عليه فحسب.”
“تعلمين أنّني لا أسأل بهذا المعنى ، ريبلي. لستِ غافلة إلى هذا الحدّ ، فلماذا تتهرّبين؟ أسألك عمّا سيحدث بعد أن أقتلكِ بينما جسدكِ مسلوب و روحكِ ممتزجة.”
كنتُ أتعمّد الكلام بشكل عام دون تفاصيل ، لكنّه حدّده بدقّة ، ممّا أكّد أنّ مشاعر روين تجاهي لم تكن مجرّد كراهية أو حقد.
بردَ بطني من تعقيد تلك المشاعر و دقّتها.
شعرتُ بالراحة الحظ أنّ روين، بخلاف الكاهنة العظمى، لا يستطيع قراءة أفكار الآخرين ، ثمّ نفضتُ ذراعي مرّةً أخرى و تنهدتُ.
“ستفنى الحاكمة ، و ستتحرّر أنتَ و فين من لعنة الخلود. و سينال أصدقائي حريّتهم أيضًا. أمّا فريسينغير ، و إيديلاين ، و أسمير ، فلا أعلم ما الذي سيحدث لهم. لكنّ ذلك سيكون أفضل من وضعهم الحاليّ و هم عالقون مع الأرواح الشرّيرة. أما بالنّسبة لي؟ ربّما سيكون حالي مشابهًا. هل اكتفيتَ الآن؟”
“…….”
“لم أرَ الأمر بوضوح لأنّني كنتُ أهرب بجنون ، لكن قد يكون الإمبراطور في الخارج. يُقال إنّ تلك الحاكمة تستجيب لرغبات البشر ، و إن استيقظت بسببه ، فقد تتعقّد الأمور أكثر. لا وقت لدينا لهذا الكلام.”
ما دام الأمر قد وصل إلى هذا الحدّ ، كان عليّ أن أتكلّم ببرودٍ يدفعه إلى النفور ، لا إلى الشعور الشفقة.
تراجعتُ خطوةً خطوة كي لا يُمسكني مجدّدًا ، و واصلتُ الكلام بلا توقّف.
“بما أنّنا وصلنا إلى هنا ، سأكون صريحة معكَ ، روين. ليس أنتَ فقط ، بل فين و الآخرون أيضًا ، سبب حبسهم في هذا الدّير و عدم قدرتهم على الخروج… كان أنا.”
لأنّها لم تكن كذبة ، خرج الكلام مني بسهولةٍ مدهشة.
و رغم ازدياد المسافة بيننا ، رأيتُ بوضوح كيف كانت عينا روين تهتزان بعنف.
“أتريد أن تعرف لماذا مـتُّ سريعًا كلّ مرّة دون أيّ مقاومة تُذكر؟ لأنّني ظننتُ أنّني سأتحرّر من هذا الدّير المقزّز ، لكنّني في النّهاية لم أستطع.”
كانت هذه كذبة ، لذا اهتزّ صوتي قليلًا ، لكنّه بدا و كأنّه انفعال ، فكان مقبولًا.
سحبتُ نفسًا عميقًا ، و تابعتُ الكلام دون توقّف.
“و هكذا ، عشتُ إلى أن شعرتُ أنّ ‘هذا حقًّا ليس صائبًا’ ، فمحوتُ ذكرياتي بنفسي. في الحقيقة ، كان ذلك لأنّني أردتُ أن أتوقّف عن الموت على يديكَ. و فعليًّا ، عندما رأيتَ التغيير فيّ ، أصبحتَ مهتمًّا…….”
“كفى.”
“……يجب أن تعرف. فين لم يطمع في دمي ، لكنّك كنتَ تأكله بشهيّة. و كان لذلك سبب . لأنّك إن تذوّقتَ طعمه ، سترغب في حفظه…….”
“قلتُ كفى!”
في اللّحظة التي صرخ فيها روين ، داهمني أخطر إحساسٍ حتّى الآن.
إن مـتُّ هنا ، فسيضيع كلّ شيء ، فحاولتُ الابتعاد على عجل ، لكن فجأةً خمدت نيّته القاتلة.
نظرتُ إلى الأمام و قطرات العرق البارد تنساب ، فرأيتُ روين منحنِيًا ، قابضًا على جبينه ، يتمتم بصوتٍ مبحوح.
“……أستطيع قتلكِ بشكلٍ مؤكد ، لذلك لا تقولي المزيد.”
كانت كتفا روين المتدلّيتان ترتجفان بخفّة.
أطبقتُ شفتيّ ، و استدرتُ بجسدي بالكامل.
الآن ، لن يتردّد روين.
و أتمنّى ألّا يندم.
“أنا لا أشعر بالندم ، روين. حتّى لو عدتُ إلى الماضي ، سأفعل الشّيء نفسه.”
لم يُجـب روين على تلك الكلمات الأخيرة التي قلتُها بهذا المعنى.
رغم أنّني كنتُ أخشى أن يشعر بالذّنب بعد كلّ هذا ، لم يكن بإمكاني استفزازه أكثر.
وقفتُ أمام البرج ، مسترشدةً بالسّهم ، و أمسكتُ بطرف ثوبي و أنا أرى القدمين بوضوح.
كنتُ قد هيّأتُ نفسي ، و حين رأيتُ المتعصب عديم الرّأس في الممرّ السّرّي ، لم أشعر بأيّ خوف.
لكنّ رؤية تلك القدمين الحادّتين المشوَّهتين جعلت مشاعري تضطرب على نحوٍ لا أفهمه حتّى أنا.
‘لا أريد الدّخول.’
كان ذلك تحذيرًا غريزيًّا.
إحساس فأرٍ اكتشفه قطّ ، أو ضفدعٍ يواجه أفعى.
و مع ذلك ، كان عليّ أن أفعلها.
أردتُ أن أنظر إلى روين مرّةً أخيرة ، لكنّني خفتُ أن تهاجمني أفكار لا داعي لها ، فثبتُّ قدميّ و مضيتُ.
بصعوبة ، وضعتُ خطوةً واحدة ، و بدأتُ أهدّئ أنفاسي اللاهثة المؤلمة ، و أجبر ساقيّ المرتجفتين على الحركة.
التعليقات لهذا الفصل " 146"