لكنّ روين لم يُبدِ أيّ ردّة فعل ، رغمَ أنّني أضفتُ: “لا يوجد وقت”.
سواء كان يُفكّر فيما سيفعله ، أو يشكّك في كلامي ، فالحقيقة أنّنا لم نكن نملك متّسعا من الوقت ، لذلك حثثتُه مرّةً أخرى.
“بهذه الطريقة يمكننا إنقاذ فين ، و مير ، و إيديلاين و فريسينغير أيضًا.”
حين أصبتُ بدقّة أنّ الأمر لا يتعلّق به وحده ، تغيّر تعبير وجهه.
كما توقّعت ، لم يأتِ بأيّ ردّ واضح ، لكنّني واصلتُ الكلام.
“الأمر ليس صعبًا. سواء نصبتَ فخًّا أو فعلتَ أيّ شيء ، يكفي أن تهاجمني و أنت تخطّط لقتلي ، كما فعلتَ قبل قليل.”
كنتُ أتكلّم بما يخطر على بالي فحسب ، لكن بعد أن نطقتُ بذلك أدركتُ أنّه حقًّا لا يوجد ما هو صعب في ذلك.
عدد المرّات التي أفلتُّ فيها من الموت حتّى الآن يفوق أن يُحصى على أصابع اليدين ، و كان معظمها بسبب حِيَل روين.
“لكن على عكسي ، أنا العاديّة و الضّعيفة ، فالحاكمة لا بدّ أنّها تمتلك قوّة هائلة.”
“……عاديّة و ضعيفة؟”
“بالنّسبة لي ، هذا يُعـدّ عاديًّا و ضعيفًا. لذلك لا ينبغي مهاجمتها بهجوم فرديّ كما تفعل معي ، بل بهجوم شامل. من تجربتي ، كان التّفادي صعبًا جدًّا.”
لو أنّ الفرسان هاجموا بجدّيّة أكبر ، أو استخدموا أسلحة أشدّ فتكًا ، أو لم يتوقّفوا في المنتصف ، لكنتُ قد هلكتُ لا محالة.
أمسكتُ بيد روين الذي بدا عليه الارتباك.
انتفض روين محاولًا الإفلات ، لكنّ قوّته لم تكن كافية ، فلم أتركه.
و بإصرارٍ على ألّا أتركه أبدًا ، شبكتُ أصابعي بأصابعه ، و فتحتُ فمي من جديد.
“قلتُ لكَ إنّ الوضع في الخارج قد انهار. هل تعرف مَنٔ هو الإمبراطور ، روين؟ قبل خمسمائة عام ، عندما هاجمت فرقة فرسان المعبد الدّير ، جاء ذلك الإمبراطور معهم. يبدو أنّ الحاكمة منحته حينها قوّة الخلود. لذلك ظلّ الإمبراطور حيًّا حتّى الآن ، منتظرًا أن تستيقظ الحاكمة ، و لهذا بقيت القرية قائمة. فرقة فرسان المعبد حاولت إيقاف ذلك بأيّ ثمن ، لكنّ الكاهنة العظمى ، الذي يمكن اعتباره محور المكان الآن، قد قُتل. سأشرح الباقي لاحقًا ، فلنذهب إلى البرج أوّلًا. هذه فعلًا فرصتنا الأخيرة ، روين. طالما أنّ الحاكمة ستستيقظ على أيّ حال ، فعلينا أن نسبقها.”
بعد أن تحدّثتُ من دون أن ألتقط أنفاسي ، جفّ حلقي و احترق صدري.
روين و فينسترنيس لم يكونا يعلمان متى ستستيقظ الحاكمة ، و لذلك لا بدّ أنّهما ظنّا أنّ هناك “مرّة قادمة”.
لكن لم يعد هناك شيء من هذا القبيل.
و بما أنّه كان واقفًا شاردًا ، و كأنّه ليس في وعيه ، سحبته من يده و قُدتُه نحو الرواق الأيمن.
لحسن الحظّ ، تبعني روين من دون مقاومة ، و في تلك الأثناء أفرغتُ عليه بلا انتظام كلّ ما دار بيني و بين الكاهنة العظمى ، و كلّ ما توصّلتُ إليه.
ركلتُ باب القبو و دخلتُ ، فانكشف ممرّ يؤدّي مباشرةً إلى الحديقة.
السّهم الأحمر الذي ظهر قبل قليل كان يشير هو الآخر إلى هناك.
انحنيتُ و دخلتُ من دون أيّ تردّد.
قبل الدّخول ، التفتُّ إلى الخلف ، فكان روين لا يزال بوجهٍ شارد.
يبدو أنّ “توقّف الدّماغ” قد أصابه مرّةً أخرى كما قبل قليل ، لكن لا بأس.
‘على الأقلّ هذا أفضل من البكاء أو الاندفاع نحوي وهو يصرخ بأنّه سيقتلني.’
إنّه فقط مشوّش الآن ، و لهذا كان رد فعله بطيئًا.
شدَدتُ قبضتي على يده و تقدّمتُ إلى الأمام من دون تردّد.
و عندما قطعنا نحو نصف المسافة ، دخل شخص ما من الجهة المقابلة.
توقّفتُ فجأةً و أنا أرى ظلًّا أسودَ داكنًا يتحرّك.
و بفضل تحسّن بصري ، كانت معالمه واضحة إلى حدّ ما ، و اللافت أنّ منطقة العنق كانت فارغة.
‘هل هو ذلك المتعصّب عديم الرّأس الذي كان يتسكّع هنا؟’
قبل قليل كان يلاحقنا من الخلف ، و يبدو أنّه غيّر طريقته الآن ، فجلس ليقطع علينا الطّريق.
رغمَ أنّني لا أمتلك الآن سلاحًا ، لم أشعر بالخوف ، بل خرجت منّي ضحكة ساخرة.
فالإنسان ، عندما يعزم على التّخلّي عن شيء ما ، يصبح جريئًا بلا حدود.
‘قد تكون الحركة غير مريحة قليلًا ، لكن الارتطام بالرّأس أو الرّكل ممكنان.’
و إن بدا الوضع خطيرًا فعلًا ، فلأجعل روين درعًا.
فهو أصلب منّي ، كما أنّ المتعصبين على ما يبدو يتحاشونه.
في اللّحظة التي أمسكتُ فيها بطرف تنورتي و جهّزتُ نفسي ، حدث ذلك___
ما إن تقدّمتُ خطوةً واحدة ، حتّى اندفع السّهم و غرس نفسه في المتعصّب عديم الرّأس
طاااخ!
“…….”
كان السهم ضخمًا و عريضًا لدرجة أنّ الجسد انشطر إلى نصفين.
و أمام ذلك المشهد الواضح ، شهقتُ لا إراديًّا و ناديتُ روين.
“روين ، هل ترى ذلك……؟”
“أراه. هل أنتِ مَنٔ فعلتِ ذلك؟”
“لو كانت لديّ مثل هذه القوّة لكان الأمر أسهل قليلًا ، لكن لا. يبدو أنّ الحاكمة بانتظاري.”
إمّا أنّها لا تفهم هدفي ، أو أنّها تتوقّع اقترابي بحماسٍ شديد.
أو لعلّها تفهم ، لكنّها لا ترى في الأمر شأنًا يُذكر.
تنفّستُ بعمق و أنا أراقب جسد المتعصّب المنشطر يختفي في الظّلام.
“……لنخرج إلى الخارج بسرعة. لكن أين الآخرون؟ هل ما زالوا يبكون في قاعة الصّلاة؟”
كنتُ قلقة على سلامة أصدقائي ، لكنّ الأهمّ من ذلك كان مكان فينسترنيس.
لم أتمكّن من سؤال الكاهنة العظمى عمّا إذا كانت هناك طريقة لإنقاذ أسمير ، و فريسينغير ، و إيديلاين ، قبل أن تنفجر الأمور.
بعد أن ينتهي كلّ شيء ، كان فينسترنيس هو الأرجح الوحيد الذي سيبقى بجانب روين.
كان السّؤال ما إذا كان روين سيجيبني بصدق ، لكن لحسن الحظّ ، جاء صوته فورًا.
“نعم. هم في قاعة الصّلاة. سينامون قريبًا.”
“فهمتُ. أ- أصدقائي؟ هل قتلتهم جميعًا……؟”
“إن قلتُ إنّني قتلتُهم جميعًا ، هل ستحزنين؟”
“……بصراحة ، لن أحزن. لكن سأشعر بالأسف و بثقل في قلبي.”
قلتُ ذلك ببرود ، لكنّني كنتُ أرغب في ضرب رأسي بالأرض و الاعتذار.
لم أخبر روين بالتّفاصيل الكاملة.
و تلك التّفاصيل تتضمّن أنّني فعلتُ كلّ هذا لإنقاذ روين ، و جررتُ آخرين إلى هذه الفوضى.
على عكسِ أسمير ، و إيديلاين ، و فريسينغير ، الذين التهمت الأرواح الشّريرة أجسادهم و اختلطت بأرواحهم ، فأصبح مستقبلهم غامضًا ، كان لدى الآخرين مستقبل.
بالطّبع ، قد لا يكون البقاء على قيد الحياة أمرًا جيّدًا دائمًا.
لقد فقدوا منازلهم ، و قُتلت عائلاتهم جميعًا.
و فوق ذلك ، قد تُلحق بهم فرقة الفرسان الإمبراطوريّة الأذى____
‘لكنّهم أصحاب إرادة قويّة في البقاء ، و سيختارون العيش على الموت.’
ظلّت عبارة “العيش في الوحل أفضل من الموت” تدور في رأسي.
ظلّ روين صامتًا طويلًا ، و لم يجب إلّا عندما خرجنا من الممرّ إلى الخارج.
“إنّهم أحياء. ما زالوا نائمين فقط.”
“……لم تقتلهم؟”
“ما داموا سيموتون في النّهاية محبوسين في حلمٍ أبديّ إن لم يُوقظهم أحد ، فلا داعي لأن أتولّى الأمر بيدي.”
رغمَ أنّني أعلم أنّه كان يفعل ذلك بنفسه في السابق ، إلّا أنّني اكتفيتُ بهزّ رأسي.
يكفي أنّهم أحياء.
‘أتمنّى أن يكون القائد باران بأمان أيضًا.’
من نظرةٍ واحدة ، سيتعرّف على أنّ سيغ ابنه.
و سيغ كذلك.
لا أعلم ما الذي سيحدث لذاكرة سيغ بعد موت الكاهنة العظمى ، لكن إن كان القائد سالمًا ، فلعلّه يعتني بالآخرين.
ما كان يُقلقني حقًّا هو ماريان.
ما فعلته ماريان ، في حياهها السّابقة ، بإيديلاين ، كان فعلًا قاسيًا و وحشيًّا للغاية.
قد لا يتمكّن إيديلاين من مسامحتها ، لكن بما أنّها قُتلت في كلّ مرّة عادت فيها للحياة طوال خمسمائة عام ، و انتهى بها الأمر محتجزة هنا بسببي ، آمل ألّا يحمل حقدًا تجاهها.
رتّبتُ أنفاسي المرتجفة ، و رفعتُ بصري نحو البرج.
كان السّهم يومض بعنف ، مشيرًا إلى المدخل كما فعل سابقًا.
كنتُ أُجبر ساقيّ اللتين لا تكادان تتحرّكان على الثّبات ، حين قال روين.
بل بالأحرى ، تمتم.
“دخل أحدهم.”
لم يكن الفاعل مذكورًا بوضوح ، لكنّني فهمت فورًا.
لقد اقتحمت فرقة الفرسان الإمبراطوريّة الدّير.
“قلتَ إنّهم في فضاءٍ آخر. هل هذا المكان آمن؟”
لوّحتُ باليد التي أمسكها و أنا أطرح السّؤال ، فانتفض روين.
ثمّ أدار وجهه قليلًا و أجاب.
“……لا بأس. حتّى لو وجدوا شقًّا و دخلوا ، فلن يستطيعوا فعل شيء. هذا المكان تحت سيطرتي الكاملة. إنّه نطاقي.”
في لحظة ، استطالت حدقتا عينيّ روين عموديًّا ، ثمّ عادتا إلى طبيعتهما.
كان صوته هادئًا ، خاليًا من أيّ عاطفة ، لكنّ القلق تلاشى فورًا.
و في المقابل ، شعرتُ بانقباضٍ خفيف في صدري.
في الماضي ، كان هذا الدّير بالنسبة إلينا سجنًا لا أكثر.
و أن يقول عن ذلك المكان ، بلا أيّ تردّد ، إنّه نطاقه ، زاد من شعوري بالذّنب.
‘لكنّني أشعر بالراحة. روين قادر حقًّا على قتلي دون تردّد.’
كبتُّ تلك المشاعر غير المريحة بصعوبة ، و ابتسمتُ عن عمد.
التعليقات لهذا الفصل " 145"