كنتُ أتوقّع أن يُقدِم روين على الهجوم فجأة ، و أن تظهر نافذة “تمّ تفادي الموت”.
كما أنّ نافذة النظام ظهرت حتّى عندما تناولتُ مصل الاعتراف.
السِّحر قوّة بلا شكلٍ تُلبّي ما يريده صاحبها. هكذا قال روين ، و كنت ما أزال أحتاج إلى مساعدة نافذة النظام.
لكن أن أرى هنا عنصر لعبة آخر يقول إنّي حقّقتُ حدثًا خاصًّا ، فهذا ما لم يخطر ببالي قطّ.
‘إذا تمّ تحقيق حدث ما ، فلا بدّ أن تكون هناك مكافأة.’
و بينما أُنظّم أنفاسي و أُحدّق بهدوء في النافذة ، تغيّر محتواها.
[ مكافأة تحقيق الحدث الخاصّ ، مكافأة مكافأة مكافأة مكافاافأة ، للـحصول على مكافأة هائلة انتقل إلى البررررج بالنقطة….]
ثمّ ومض سهم أحمر في الفراغ.
“…….”
نافذة النظام هذه التي تبدو و كأنّها فقدت صوابها على نحو مريب ، مع هذا الإغراء المباشر ، لم تكن من سحري الكامل.
شعرتُ بإحساسٍ مشابهٍ لما اختبرته سابقًا حين كنتُ أتسكّع قرب البرج بحثًا عن قطعة الخريطة ، فأخذت أتصبّب عرقًا باردًا.
لنتجاهل الأمر.
أدرتُ وجهي عن نافذة النظام ، و نهضتُ من جلستي على الأرض ، ثمّ تفحّصتُ المكان من حولي.
الهواء ثقيل خانق ، و الظلام ممتلئ بنذير شؤمٍ لا يُعرَف ما الذي قد ينبثق منه.
و بجانب المطرقة التي هوت عليّ قبل قليل ، كانت هناك مطرقةٌ حديديّة أخرى لا أدري متى سقطت.
و كان الممرّ الأيمن ، الذي كانت تتكدّس فيه الأنقاض ، مفتوحًا هو الآخر.
أطلقتُ زفيرًا طويلًا و قبضتُ على طرف ثوبي.
‘لقد عـدتُ إلى المكان الأصلي.’
بل ، في هذه الحالة ، ليس “عـدتُ” بقدر ما هو “دخلتُ” من جديد.
و المثير للغرابة أنّه رغمَ عدم وجود أيّ مصدر ضوء ، كنتُ أرى ما حولي بوضوح تامّ.
كان واضحًا أنّ هذا ليس من صنع روين ، بل إمّا سِحري أنا أو قوّة الحاكمة.
و الدليل على ذلك أنّني استطعتُ رؤية روين واقفًا في ظلام دامس قرب الممرّ الأيمن ، ظلامٍ لم تكن عيناي الأصليّتان لتبصراه أبدًا___
‘هل من الممكن أنّه كان واقفًا هناك طوال الوقت؟’
لم يظهر روين بسقوطٍ من مكانٍ ما أو بالمشي نحوي.
كان هناك منذُ البداية ، في موضعه ذاك.
و ربّما… كان ينتظرني.
تظاهرتُ بالتخبّط في الظلام بينما أُقلّص المسافة بيني و بينه على مهل ، و واصلتُ الحديث.
“أنا مَنٔ جلبتُ الوباء إلى الدير ، و أنا مَنٔ استدعى فرسان المعبد فتسبّبتُ في خراب المكان ، و أنا أيضًا مَنْ غرستُ وتدًا فيكَ و أنتَ في غرفة الصلاة ، أتذكّر…….”
لكنّي لم أستطع إكمال كلامي.
ذلك لأنّ وجه روين ، الذي لم يُبدِ أيّ انفعالٍ حتّى اللحظة ، قد تشوّه فجأة.
تفاجأتُ بتعبيرٍ مكبوتٍ يوحي بأنّه على وشك البكاء ، فتدحرجتُ بجسدي جانبًا مرّةً أخرى ، و في تلك اللحظة اندفع مِخرز من الأرض.
[‘ريبلي’ تجنّبت ‘أصبحت كباب ……’]
كما خطر لي قبل قليل ، كنتُ أتوقّع أن يُهاجم روين بلا مقدّمات.
لكنّي لم أتوقّع أبدًا أن أراه يُظهِر تعبيرًا كهذا.
روين في الماضي ، و روين الآن ، كان دائمًا يبتسم ، حتّى إذا ساء مزاجه كان يمحو تعابيره و لا يكتفي سوى بالعبوس بعينيه.
لكنّه الآن تجاوز حدّ البكاء ، و ها هو يذرف الدموع بصمت.
“…….”
بما أنّني نجحتُ في إثارة نيّة القتل لديه ، فكلّ ما تبقّى هو أن أتّحد مع الحاكمة ، ثمّ أتركه يقتلني.
لم يكن هناك وقت للترف.
فما دام فرسان الإمبراطوريّة قد عقدوا العزم ، فسيُكتشَف الدير سريعًا و تتم مهاجتمه.
قد نكون في فضاءٍ مختلف الآن ، لذا قد نكون بخير مؤقّتًا ، لكن المشكلة كانت الحاكمة.
لم أكن أعلم متى ستفتح عينيها استجابةً لتلك الرغبة الجامحة ، و الأهمّ أنّ عليّ أن أقدّم جسدي قربانًا.
لذلك كان عليّ أن أستفزّ روين أكثر ، و أن أُضخّم مشاعره السلبيّة ، لكن___
ظلّ صدري و أسفل بطني ينبضان بالألم ، فلم تنفرج شفتاي.
ساد الصمت لبرهة.
ثم أخذ روين ، الذي لم يقم بشيء سوى البكاء دون صوت ، يهمس أخيرًا بصوتٍ خافت.
“خطرت لي فكرة ، لعلّك اضطررتِ لفعل ذلك لسببٍ ما. لعلّه لم يكن أمامكِ خيار آخر.”
كان هناك سبب فعلًا.
و كانت هناك ظروف لا مفرّ منها.
لكنّ قول “أردتُ أن أحرّرك!” لروين لن يجعله سعيدًا على الأرجح.
فالأمر قائمٌ أصلًا على تضحيتي.
حتّى لو بدّلتُ المواقع و فكّرتُ بالأمر ، فالنتيجة واحدة.
لكن بما أنّ حالة روين بدت سيّئةً للغاية ، قرّرتُ أن أكون صادقة.
“في الحقيقة ، كلّ ما قلتَه صحيح. كان لكلّ تصرّفٍ قمتُ به سبب ، و كانت هناك ظروف.”
قرار إخفاء السرّ؟ ما أهمّيّة ذلك أمام شخصٍ يبكي كان يبدو و كأنّه لن ينزف قطرة دمٍ حتّى لو طُعن بخنجر بدل إبرة.
عندها ردّ روين.
“و تطلبين منّي أن أصدّق هذا الكلام؟”
“…… لا ، أنتَ مَنٔ قلتَ ذلك بنفسك. قلتَ إنّك فكّرتَ في أنّه ربّما كانت هناك أسباب أو ظروف. لذا أخبرتك بالحقيقة. لذلك… لا تبـكِ. إن بكيتَ…… لا أعرف ماذا عليّ أن أفعل.”
مددتُ يدي اليمنى نحو عينيّ روين.
في صغرنا لم يكن فرق الطول كبيرًا ، فكنّا نتلاقى بنظراتٍ مستقيمة ، أمّا الآن فكان عليّ أن أرفع رأسي بالكاد لألتقي بعينيه.
حين مرّرتُ أصابعي برفق على طرف عينه و خدّه ، لم يُبـدِ روين أيّ مقاومة.
روين الحالي لا يتذكّر ، لكن في الجولة الأولى قال لي الكلام نفسه يومًا ما.
حينها ظننتُه مجرّد تصرّف مُغلّف باللطف أثناء تردّده بين قتلي أو تركي.
لكن ربّما كان ذلك صدقًا منه.
وقتها أيضًا كنتُ غارقةً في الحيرة ، و هذه المرّة لا تقلّ حيرتي.
الفرق أنّ حيرتي آنذاك كانت حول ‘كيف أبقى على قيد الحياة’ ، أمّا الآن فهي حول ‘كيف أُنقذ روين’.
و بينما كنتُ أُحرّك يدي ببطء ، و حين كنت على وشكِ فتح شفتيّ حتّى اعترضت نافذة النظام مجال رؤيتي.
[▶سيكون هذا اختياري الأخير.
1. لا أخفي شيئًا ، و أبوح بكلّ الحقائق بصدق.
2. بما أنّني بدأتُ الحديث ، أتجنّب شرح التفاصيل ، و أكتفي بالكلام عن طريقة التخلّص من الحاكمة.
3. لا أقول شيئًا. ]
توقّفتُ لحظةً عند عبارة ‘سيكون هذا اختياري الأخير’.
هل يعني ذلك أنّه لن تظهر أيّة خياراتٍ أخرى بعدها؟
كان الأمر عبثيًّا بعض الشيء.
فأنا محكومة بالموت على أيّ حال ، و حينها لن يكون لي خيار أصلًا.
على أيّة حال ، لم أحتج إلى تفكيرٍ عميق ، فقد كان الجواب محسومًا.
“تعرف يا روين ، عندما خرجتُ إلى الخارج و بحثتُ عن فرسان المعبد ، التقيتُ بالكاهنة العظمى.”
“لا يهمّني ذلك. أنا فقط…….”
“لا ، لا. لا يمكن ألّا يهمّكَ. لأنّي سمعتُ منها أمورًا كثيرة. قالت أن الحاكمة النائمة في البرج كائن بالغ الخطورة. لكن هناك طريقة للتخلّص منها. طريقة مؤكّدة.”
تغيّر تعبير روين ، الذي كان يحاول انتزاع إجابةٍ منّي بأيّ ثمن.
حدّقتُ فيه و هو يبدو و كأنّ عقله قد توقّف ، و سارعتُ إلى متابعة الحديث.
“يبدو أنّ الحاكمة تضعف حين تحلّ في جسد بشريّ. لذا يمكن القضاء عليها في تلكَ اللحظة. لكن المشكلة أنّ الأوعية القادرة على احتواء حاكم ما نادرة للغاية. و كما تعلم ، أنا كنتُ الوسيط.”
“…… هل تعنين أنّك ستقدّمين جسدكِ للحاكمة؟”
“نعم. في تلك اللحظة ، ستهاجمني أنتَ و تقضي على الحاكمة. كنتُ قد اتّفقت على التعاون مع فرسان المعبد ، لكن الوضع في الخارج انهار. لا وقت لدينا ، روين. هذا هو السبيل الوحيد لنصبح أحرارًا.”
الخيار الذي اخترتُه كان الثاني.
بما أنّني بدأتُ الحديث ، تجنّبت شرح التفاصيل ، و أكتفيت بالكلام عن طريقة التخلّص من الحاكمة.
فلو صارحتُه بكلّ شيء ، لكان عليّ أن أخبره أنّني أنا نفسي سأفنى.
و مهما حمل روين من مشاعر سلبيّةٍ تجاهي ، لم أرغب في أن أزرع في قلبه أيّ شعورٍ بالذنب.
فرغم أنّه أخلاقه الآن تبدو مختلّة بعض الشيء ، فإنّ روين الحقيقي كان لطيفًا و حنونًا إلى أبعد حدّ.
‘إن عاد شخصًا عاديًّا ، فلا بدّ أنّ الماضي قد يُمسك بكاحله يومًا ما.’
أنا علقتُ في الماضي ، عاجزةً عن التقدّم أو التراجع ، لكن روين ليس كذلك.
أردتُ له فقط أن يعيش حياةً عاديّة ، و أن يكون سعيدًا.
كانت تلك مشاعري الحقيقيّة التي لم أستطع أن أبوح بها له.
التعليقات لهذا الفصل " 144"