فهمتُ كلمات لا يمكن فهمها ، و لا تُفهم أصلًا ، لدرجة أنّني نسيتُ كيف أتنفّس.
في مثل هذا الوضع الخطير ، لا ينبغي أن تخطر مثل هذه الأفكار ، لكن الكاهنة العظمى بدت لي و كأنّها فقدت صوابها قليلًا.
‘طبعًا ، مقارنةً بالموت بهذه الطريقة ، فإعادة الزمن أفضل…!’
لكنّني لم أكن أعلم أيّ عواقب أو كوارث قد تترتّب على ذلك ، و لهذا لم أستطع اتخاذ القرار بتهوّر.
و قبل أن أُظهر ارتباكي بوضوح ، أطلقت ضحكةً خافتة.
“حتّى أنا أرى أنّه كلام مجنون. لكن ما العمل؟ بعد أن آلت الأمور إلى هذا الحال ، فالأهون شرًّا أفضل من الأسوأ.”
“سواء كان الأسوأ أو الأهون ، فالاستعانة بالقوّة هي نفسها.”
“على الأقلّ ، ستختلف النتيجة….”
و كأنّ مواصلة الكلام باتت شاقّة ، أخذ صوت الكاهنة العظمى يخفت تدريجيًّا.
كان واضحًا أنّ بؤبؤي عينيها يهتزان و يغيب تركيزهما ، لكن لم يكن بوسعي فعل أيّ شيء.
“قلتِ إنها تطلب قربانًا مقابل منح القوّة. العائلة الإمبراطوريّة و النبلاء لا يُقدّرون حياة العامّة. يميّزون بين الأحياء ، و يضحّون بهم من أجل أنفسهم.”
“……أليس أفراد العائلة الإمبراطوريّة و النبلاء ، في الغالب ، أنيقين في مظهرهم؟”
في رأيي ، حتّى لو قال الإمبراطور إنّه سيقدّم قرابين حيّة ، فإنّ الحاكمة ستطلب الفريسة التي تريدها بنفسها.
و من المرجّح جدًّا أن تكون تلك الفريسة من العائلة الإمبراطوريّة أو النبلاء.
صحيحٌ أنّني لم أقابلهم شخصيًّا ، لكنّ مَن نشؤوا مدلّلين و مترفين يبدون مختلفين حتّى في ملامحهم ، فضلًا عن أنّهم عادةً ما يتأنّقون بملابس فاخرة.
ألن تجذب تلكَ الفئة الأنظار أكثر من العامّة الذين يرتدون ملابس بلا تميّز و يكدحون في العمل ، مثل أهل القرية الذين ماتوا؟
و بينما كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة ، رسمت الكاهنة العظمى ابتسامةً على وجهها مرّةً أخرى.
“هكذا إذًا. يبدو أنّها تحبّ الجَمال حبًّا جمًّا.”
“ليس مجرّد حبّ ، بل هي منحرفة بامتياز. أنا متأكّدة. نحن انتهينا ، و الآن الإمبراطور سينتهي ، و العالم سينتهي. بما أنّ الجميع سينهارون ، فهذا نوع من العدل…….”
كنتُ أقول ما يخطر ببالي دون تفكير ، حتّى إنّني لم أعد أعرف ما الذي أتفوّه به.
لكن لو لم أفعل ذلك ، شعرتُ أنّ صوتَ الكاهنة العظمى سينقطع.
الموت كان مألوفًا بالنّسبة لي.
.…قد يبدو هذا غريبًا ، لكنّني أعني ذلك حرفيًّا.
في هذه الحياة وحدها ، مـتُّ مرّةً بالفعل ، و كدتُ أموت عشرات المرّات.
و على مدى مئات السنين ، مـتُّ و بُعثتُ مرارًا ، و في دير لاتري كان الناس يموتون يوميًّا.
لذا فموتُ الكاهنة العظمى لم يكن أمرًا جديدًا عليّ.
و مع ذلك ، كان قلبي مضطربًا على نحوٍ غريب ، و لعلّ السبب أنّ موتَها يعني النهاية حقًّا.
بينما كنتُ أعضّ على شفتيّ المتورّمتين بلا توقّف ، قالتْ الكاهنة العظمى بهدوء.
“لا بأس. في الأصل ، الموت له وقته المحدد.”
“……لكنّ هذا ليس موتًا طبيعيًّا ، أيتها الكاهنة العظمى. حتّى الفارس أرنو ، منذ أن قال إنّه سيتزوّج بعد انتهاء المهمّة ، شعرتُ بشيءٍ سيّئ.”
شعرتُ بعدم ارتياح لأنّه رفع راية الموت ، و ها هو قد مات فعلًا.
لم تكن لي علاقةٌ وثيقة بأرنو ، و لم نتبادل سوى حديثٍ قصير اليوم.
و بالنّسبة لشخص مثلي اعتاد الموت ، لم يكن ينبغي أن يحمل ذلك معنىً كبيرًا.
و مع ذلك ، ظلّ يراودني التفكير فيه.
و ليس أرنو وحده.
والدة جين التي جلست تبكي قبل قليل ، كانت تطفو في ذهني أيضًا.
و لم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ ، بل تتابعت صور الأصدقاء المحتجزين في الدير في رأسي.
و بينما كنتُ أمسك رأسي محاوِلة طرد هذه الأفكار ، فتحتْ الكاهنة العظمى ، و قد أغمضتْ عينيها ، فمها و أطلقتْ زفرةً خافتة.
“الآنسة ، ستكون بخير.”
“لا أفهم… على أيّ أساس تقولين إنّني بخير؟”
“لا يجوز…… أن ينتهي…… العالم…… هكذا…….”
“……انتظري قليلًا. الكاهنة العظمى ، يا جدّتي ، افتحي عينيكِ قليلًا.”
“أرجوكِ…… الناس…….”
“حتّى لو طلبتِ منّي ذلك…… فهذا صعب…….”
توقّف الصدر الذي كان يرتجف بالكاد عن الحركة.
و انقطع صوت الأنفاس اللاهثة ، و كأنّ الدم قد امتلأ في الحلق.
شحب وجهها في لحظة ، و شعرتُ و كأنّ الدم ينسحب من جسدي أنا أيضًا.
ماتت الكاهنة العظمى.
و تركتْ لي وصيّةً غريبة.
“…….”
كان كلّ شيءٍ يبدو كذبًا ، و كأنّه كابوس رديء.
حذّرتني كثيرًا من خطورة قوّة الحاكمة ، و ها هي الآن تطلب منّي استخدامها.
كان الأمر عبثيًّا و مثيرًا للدهشة ، لكنّني فهمتُ لماذا قالت ذلك.
“كنتِ تحاولين تخفيف شعوري بالذنب أو بالدَّين.”
و في الوقت نفسه ، لا بدّ أنّها حسبت الأمور و خرجت باستنتاج.
أنّه بدلًا من أن يُجرَّد الإمبراطور من كلّ شيء ، فإنّ عودتي إلى الماضي قد تنقذ عددًا أكبر من الناس.
نهضتُ و أنا ما زلتُ أمسك يدها المتصلّبة كقشرة شجرة.
“آسفة، أيتها الكاهنة العظمى”
لقد دللتِني على الطريق ، لكن لا يمكنني أن أفعل ذلك.
فكما فكّرتُ قبل قليل ، حتّى لو عدتُ إلى الماضي ، فإنّ أقصى ما أستطيع فعله هو التخلّص من هنفلين.
لكن ما الجدوى من إعادة الزمن لهذا الغرض؟
روين ، و أسمير ، و فينسترنيس ، و إيديلاين ، و فريسينغير ، سيعانون الألم نفسه و يواجهون المصير نفسه.
و أنا و جين ، و ريد ، و مينا ، و لاس ، و ماريان كذلك.
‘و قبل ذلك ، لا أملك حتّى الثقة في أنّني سأحافظ على سلامة عقلي.’
اهدئي.
في مثل هذه الأوقات ، يجب أن أكون باردة الأعصاب.
مسحتُ يديّ المتّسختين بالغبار على ثيابي على عجل ، و صفعتُ خدّي بقوّة ، ثمّ استدرتُ نحو الدير.
بعدما وصلت الأمور إلى هذا الحدّ ، لم يبقَ سوى خيارٍ واحد.
إعادة الزمن؟ هذا أمر مستحيل.
‘سأُغلق الدير إغلاقًا كاملًا ، بحيث لا يستطيع أحد الدخول.’
حتّى الآن ، لا يمكن الدخول إليه بوسائل عاديّة ، فلا بدّ من وجود طريقةٍ ما.
صحيح أنّ روين قال إنّه سيقتلني إن عدتُ ، لكن لو تجنّبتُ الهجمات كلّها و شرحتُ الوضع ، فسيضطرّ إلى الاستماع إلي!
‘و إن أراد قتلي ، فليقتلني بعد ذلك.’
بعد شرح ما يحدث ، لا يهمّ ما سيجري لاحقًا.
في الأصل ، كان الموت بالنّسبة لي أفضل من الحياة.
فإذا عادت الحاكمة ، فأوّل ما ستفعله إمّا أن تسلب جسدي أو تبتلع روين.
‘أو ربّما أندمج مع الحاكمة ، ثمّ أطلب من روين بأيّ طريقةٍ أن يقتلني. هذا ليس خيارًا سيّئًا.’
تحدّثت الكاهنة العظمى عن الحاجز ، لكن المهمّ في النهاية هو القتل.
روين يكرهني و يحمل في قلبه ضغينةً تجاهي.
لو كان ذلك سيمنحهم الحرّيّة ، ألن يحاول التخلّص منّي دون تردّد؟
و لا حاجة لمعرفة ما هي مشاعري الحقيقيّة ، أو ما كانت حقيقة ذلك اليوم.
‘لحسن الحظّ ، روين لا يستطيع قراءة الأفكار.’
حتّى لو قلتُ كذبًا إنّني استعدتُ ذكريات حياتي السابقة كلّها ، و إنّني في الحقيقة كنتُ أريد العيش وحدي ، فلن يكون ذلك صعبًا.
عدتُ أركض إلى الدير و أنا ألهث حتّى بلغ النفس حلقي.
ما زال المكان موحشًا و صامتًا.
حتّى لو صرختُ هنا ، فلن يصل الصوت إلى القرية.
لكن إن اقتربت فرقة الفرسان إلى هنا فستكون مشكلة ، لذا قرّرتُ إحداث فوضى لاستفزاز روين و إخراجه.
ركلتُ أوّلًا الباب المغلق بقوّة و صرختُ.
“روين! أنا ، تذكّرتُ حياتي السابقة كلّها! لقد خنتُـكَ لأنّني أردتُ أن أعيش وحدي! آسفة!”
تردّد صوتي عاليًا في المكان الذي لا يكاد يكون سوى أنقاض.
و بعد نحو عشر ثوانٍ من الصراخ ، اهتزّ المشهد من حولي كما لو أنّ تموّجًا أصاب سطح الماء.
“……هيك!”
و في اللحظة نفسها التي استشعرتُ فيها خطرًا مرعبًا ، تدحرجتُ بجسدي على عجل ، فسقطت مطرقة من السقف.
و بينما كان الغبار يتناثر في الهواء ، ظهرت أمامي نافذةُ النظام.
التعليقات لهذا الفصل " 143"