كانوا يتفحّصون ما حولهم كما لو أنّهم يبحثون عن شيءٍ ما.
و بالنظر إلى ما عرفته حتّى الآن ، رجّحتُ بنسبةٍ كبيرة أنّ الهدف كان إمّا الكاهنة العظمى أو أنا.
كنتُ جالسةً في زاويةٍ مظلّلة بعيدة عن الأنظار كي لا أكون عائقًا ، ثمّ غفوتُ هناك.
لم يكن ذلك مقصودًا ، لكنّه كان اختيارًا جيّدًا.
‘مثلما كان المعبد يترقّب تحرّكات الإمبراطوريّة ، يبدو أنّ الإمبراطوريّة كانت تفعل الشيءَ نفسه.’
ندمتُ لأنّني مررتُ على موقفِ عمدة القرية ذي الدلالة العميقة في وقتٍ سابق دون أن أستجوبه بجدّيّة.
و الآن بعد أن نظرتُ إلى الأمر ، بدا أنّ عمدة القرية نفسه قد قُتل أيضًا ، فاجتاحني شعور بالفراغ يصعب وصفه.
على أيّ حال ، كان الوقتُ الآن لحماية نفسي.
قرّرتُ أن أغادر هذا المكان بأسرع ما يمكن.
أخفضت جسدي قدر الإمكان ، و بدأتُ أزحف إلى الخلف.
لا أدري إن كان هذا يُعدّ حظًّا أم لا ، لكن بعض أهل القرية كانوا يقاومون بيأسٍ و يحاولون الفرار ، لذلك بدا أنّ فرسانَ الإمبراطوريّة يركّزون اهتمامهم هناك أكثر.
و مع ذلك ، كانوا يراقبون المكان بصرامةٍ لا تسمح حتّى لهروب نملةٍ واحدة ، لذا كان التحرّك بتهوّر أمرًا بالغ الخطورة.
لكنّني كنتُ شخصًا اعتاد ، أيّام إقامتي في دير لاتري ، التسلّل في كلّ مكانٍ هربًا من عيون الناس.
إلى حدّ أنّني كنتُ أتساءل إن كان بين والديّ أو أسلافي المجهولين لصٌّ عظيم من لصوص القرن.
كنتُ بارعةً في الاختباء و الهروب ، كما كنتُ قادرةً على فتح الأقفال بأدواتٍ بسيطة كالإبر الطويلة الحادّة أو دبابيس الشعر.
‘بفضل ذلك ، حتّى عندما كنتُ محتجزةً ، استطعتُ الهرب من النافذة للذهاب إلى روين ، أو التسلّل لرؤية الأطفال المحبوسين.’
تلكَ الموهبة أظهرت بريقها حتّى الآن ، و أنا في أقصى درجات التوتّر.
و كان من حسن الحظّ أيضًا أنّ اقتحام فرسان الإمبراطوريّة لم يحدث منذ وقتٍ طويل.
فقد كانوا ، كما فعل فرسانُ المعبد سابقًا ، يفتّشون البيوت الخالية و يبعثرون ما فيها بعنف.
مستغلّةً تلك الفوضى ، خبّأتُ جسدي قرب الصناديق أو العربات بجانب البيوت ، و تقدّمتُ بسرعةٍ نحو أطراف القرية.
على الرّغم من أنّ القمر كان ساطعًا ، فإنّ تجمّع المشاعل في الساحة جعل أطرافَ القرية تبدو أكثر ظلمةً نسبيًّا.
و لهذا السّبب كانت أكثر هدوءًا ، فكان عليّ أن أحرص ألّا يُسمع صوتُ أنفاسي أو احتكاك ملابسي.
حتّى بعدما ابتعدتُ مسافةً لا بأس بها عن القرية ، لم أجرؤ على النهوض.
كان العرقُ يتدفّق بغزارةٍ منّي على الرغم من البرد القارس ، و كانت راحَتا يديّ المرتكزتان على الأرض تؤلمانني بسبب الخدوش.
تنمّلت أطرافي ، و امتدّ الألم حتّى خصري ، و لم أستطع سوى أن أزفر أنفاسًا متقطّعة ببطءٍ و أتحمّل.
و عندما هدأت الرعشة أخيرًا ، اجتاحني شعوران معًا: الغضب و الفراغ.
لا بدّ أنّ هناك جاسوسًا داخل المعبد.
و بينما كانت الكاهنة العظمى تستدعي الفرسان استعدادًا للغد ، تسرّبت المعلومات ، فبادرت الإمبراطوريّة ، التي كانت أصلًا متواطئةً مع عمدة القرية ، إلى إرسال فرسانها و شنّ الهجوم.
كثيرًا ما وُضعتُ في مواقفَ شعرتُ فيها بأنّني محاصَرة في طريق مسدود لا مخرج له.
و مع ذلك ، كنتُ أجد دائمًا طريقة للفرار ، إمّا بحفر نفق أو بتجاوز جدار ، و الاتّجاه إلى مكان آخر.
أمّا الآن ، فلم يخطر ببالي شيء على الإطلاق.
أنا التي أردتُ حلّ كلّ شيءٍ بأسرع ما يمكن ، قالت لي الكاهنة العظمى إنّه يجب نصب حاجز قويّ من الخارج ثمّ شنّ الهجوم.
أي إنّ محاولةَ الحلّ وحدي كانت خاسرةً من الأساس.
المعبد كان يخشى قوّةَ الحاكمة و يسعى إلى التخلص منها ، أمّا الإمبراطوريّة فكانت تطمع في تلك القوّة.
لم يكن من الصعب توقّع ما سيحدث بعد ذلك.
“……لو كنتُ أعلم أنّ الأمر سينتهي هكذا ، لما خرجتُ أصلًا.”
تبعثرت همستي المنخفضة ممزوجةً بالمرارة.
حتّى لو عرفتُ الحقيقة ، فلن يكون لذلك أيّ معنى.
كنتُ قد أدركتُ منذ زمنٍ بعيد أنّ حياتي سلسلة من المعاناة ، لكنّ هذا الوضع كان بلا إجابة.
لو كنتُ أعلم حقًّا أنّ الأمور ستؤول إلى هذا الحدّ ، لتمسّكتُ بروين و قلتُ لنفسي: ‘هذا قبري’.
بعد كلّ ما مررتُ به ، لم أكن أبكي بسهولة ، لكنّني الآن أردتُ فقط أن أبكي.
و مع ذلك ، خشيةَ أن يكتشفني فرسان الإمبراطوريّة ، فلم أجرؤ على إصدار صوت ، و اكتفيتُ بكبح دموعي بشكلٍ بائس.
‘لو كان هذا العالم فعلًا داخل لعبة ، لكان بإمكاني أن أبدأ من جديد منذُ البداية.’
لم أكن أعني اللّحظة التي أصبحتُ فيها ‘ليلي’ و دخلتُ القصر لأوّل مرّة.
بل كنتُ أعني ما حدث في دير لاتري ، نقطة البداية لكلّ المآسي.
صحيحٌ أنّني لا أمتلك قدراتٍ خاصّة ، باستثناء أنّني أفضل من غيري في التعامل مع الأزمات ، لكنّ التخلّص من هنفلين ، أصل كلّ الشرور ، كان أمرًا ممكنًا___
بالطبع ، طالما أنّ الحاكمة موجودة ، فقد يظهر هنفلين ثانٍ أو ثالث في مكانٍ ما.
لكنّني كنتُ قد تعبتُ حقًّا ، و بدأتُ أفكّر بإلحاح : ‘يكفي أن ننجو نحن’.
جلستُ منهارةً على الأرض ، أحدّق بذهولٍ في القرية التي تعصف بها الفوضى.
في تلكَ اللّحظة___
“يا آنسـة…….”
جاءني صوت منخفض متصدّع من مكانٍ قريب.
فزعتُ و تجمد جسدي انعكاسيًّا ، و في الوقت نفسه شعرتُ بأنّ الصوت مألوف على نحوٍ غريب.
نظرتُ بحذرٍ إلى الجانب ، فرأيتُ شخصًا ممدّدًا على الأرض غير بعيد.
كان الظلام دامسًا ، لكنّ عينيّ المعتادتين عليهما ميّزتا الشخص بسرعة.
“… الكاهنة العظمى؟”
كان وجهها الدافئ الطيّب مشوّهًا كما لو أنّه يعود لشخصٍ آخر ، لكنّها كانت هي دون شكّ.
تقدّمتُ على ركبتيّ على عجل ، و عندما اقتربتُ أكثر ، اندفع إلى أنفي فجأةً عبقُ الدم.
الرداء الأبيض ، الذي كان يبرز القداسة مثل دروع فرسان المعبد البيضاء ، انتشرت عليه بقع داكنة قذرة.
ضيّقتُ عينيّ و حدّقتُ جيّدًا ، فبدت الملابس ممزّقة عند البطن ، و كان الدم يتدفّق منها بغزارة.
حتّى دون كشف الجرح ، كان واضحًا أنّ الإصابة خطيرة.
عضضتُ على شفتي ، و رفعتُ رأسي ، و سألتُ بصوتٍ خافت و أنا أواجه وجهها الشاحب.
“و ماذا عن القوّة المقدّسة؟ قلتِ إنّكِ سكبتِها عليّ قبل قليل بلا توقّف. أليست لها قدرةٌ على العلاج؟”
“لا فائدة. القوّة المقدّسة لا تستطيع علاجَ جراح صاحبها.”
“ما هذا الهراء السخيف…… لا ، لا. و ماذا عن الآخرين؟ لم أستطع أن أرى جيّدًا لأنّني هربتُ على عجل ، لكن لا يمكن أنّكِ هربتِ وحدكِ ، أليس كذلك؟”
لم أكن أسأل لأنّني لا أعلم.
قرب جثّة أرنو ، كنتُ قد لمحتُ فرسانًا آخرين.
الهجوم المفاجئ لم يترك لهم مجالًا للاستعداد ، و ربّما كان الفارق في القوّة كبيرًا.
أن تكون الكاهنة العظمى مصابةً إلى هذا الحدّ و ملقاةً وحدها يعني إمّا أنّ مرافقيها قُتلوا جميعًا ، أو أنّها صرفتهم بنفسها.
و كأنّها أدركت أنّ تخميني صحيح ، عبست قليلًا ، ثمّ أطلقت ضحكةً صغيرة.
“عندما ظننتُ أنّ كلّ شيءٍ انتهى أخيرًا ، أرخيتُ حذري. لطالما كنتُ حذرةً من العدوّ الداخلي ، لكن في اللحظة الأخيرة تعقّد الأمر.”
“…….”
“قلتُ للآنسة ، متباهيةً ، إنّ للأمور ترتيبًا ، لكنّني أنا أيضًا كنتُ مستعجلة. ما إن عُرف موقعُ حجرِ الانتقال حتّى شنّ فرسان الإمبراطوريّة هجومهم. لعلّ المعبد يتعرّض للهجوم الآن أيضًا. أرسلتُ القائد باران ، لكن لا أستطيع الجزم بأنّه سينجو.”
يبدو أنّ العلاقة بين الإمبراطوريّة و المعبد كانت أسوأ بكثير ممّا تصوّرت.
و مع ذلك ، فإنّ معاداة معبد يحظى بتأييدٍ شعبيّ واسع ، بل و محاولة اغتيال الكاهنة العظمى نفسها ، أمر لا يُعقل حقًّا.
التعليقات لهذا الفصل " 142"