“يا سعادة الكاهنة العظمى. في أحد العوالم يقولون إنّ حتّى قرن الحديد يُنزعُ دفعةً واحدة. أي إنّه إذا عقدتَ العزمَ فلا تتردّد ، بل بادر فورًا بالتنفيذ. و بما أنّ الكلام قد خرج ، فما رأيكِ أن ننطلق الآن حالًا؟”
“للأمور ترتيب يا آنسة. دعينا نرتاح اليوم أوّلًا ، و ننطلق صباحًا.”
للأمور ترتيب.
لم يكن كلامًا خاطئًا ، لكنّ قلبي كان مستعجلًا.
أنا أيضًا لا أريد أن أموت.
إن كان بالإمكان أن أعيش ، فأنا أريد أن أعيش.
ربّما توجد طريقة أخرى لا أضطرّ فيها للتضحية بنفسي.
لكن لم يكن لدينا وقت ، و كان واضحًا أنّ تفويتَ هذه الفرصة يعني النهاية مباشرةً.
كنتُ أعلم ذلك لأنّني متّصلة بالحاكمة.
و كما قال فينسترنيس ، فإنّها ستستيقظ قريبًا.
في مثل هذا الوضع ، كنتُ أخشى ألّا أعرف كيف سيتغيّر قلبي إذا حلّ الصباح.
فالآن ، ذهني ممتلئ بأفكارٍ عن روين ، و لذلك فإنّ التضحية بنفسي لا تبدو أمرًا جللًا ، لكن لم يكن من السهل أن أثق بأنّ هذا الشعور سيستمرّ مع مرور الوقت.
غريزةُ البقاءِ ‘الراسخة’ التي رأيتها في نفسي مرارًا داخل الدير لم تكن من فراغ.
“لذلك لا أملك رفاهيّةَ الراحة بطمأنينة. كنّا سننطلق صباحًا ، لكن ماذا لو غيّرتُ رأيي و قلتُ: ‘في النهاية ، لا أريد أن أموت!’ أو هربتُ وحدي؟”
حتّى لو حدث ذلك ، فلن يتغيّر الوضع سوى بأن أُمسك و أُسحب قسرًا ، و لن يكون مشهدًا جميلًا ، و لا أريد أن أصل إلى تلك الحال.
و على أيّ حال ، كانت لديّ ثقة مفرطة بأنني أمتلك إرادةَ النجاة مهما حدث ، حتّى لو عادت الحاكمة للحياة و دهست الناس جميعًا و قتلتهم و افترستهم.
‘قد يحدث ذلك فعلًا…….’
و بينما كنتُ أمسح بسرعةٍ هذه الخيالات التي خطرت في بالي ، هزت الكاهنة العظمى رأسها.
“أعتقد أنّ الآنسـة لم تكن تُكابد بكلّ تلك المحاولات لتجنّب الموت بدافع غريزةِ البقاء وحدها ، بل لأنّها كانت تشعرُ غريزيًّا بالنتائج التي سيجرّها موتها.”
يُقال إنّ الأمر يعتمد على زاوية النظر ، لكن سماع مثل هذا الكلام جعلني أفكّر: ‘أكان الأمر كذلك فعلًا؟’.
و حين تردّدتُ ، تابعت الكاهنة العظمى كلامها.
“أتمنّى أن تُقيّمي قراركِ هذا بشكل عالٍ ، و أن تُدركي كم هو قرارٌ نبيل و عظيم. تمامًا كما فعل فرساني الذين بذلوا أرواحهم طوعًا من أجل حماية السلام.”
“…….”
“ثمّ إنّه ، و بصراحة ، لا يمكننا فعل أيّ شيءٍ بهذا العدد الحالي. عندما يحلّ حاكم ما في الجسد ، يضعف الجسد خلال امتزاج الأرواح. و في تلك اللحظة يجب علينا من الخارج أن ننصبَ حاجزًا قويًّا و نشنّ الهجوم. لكنّ ذلك الحاجز لا يمكن أن يُنشأ بقوّة شخصٍ أو اثنين.”
“آه ، إذًا علينا انتظار قوّات الدعم؟”
“نعم. إضافةً إلى ذلك ، فالليل هو الوقت الذي تقوى فيه الكائنات الشرّيرة ، و على العكس ، فإنّ قوّتنا المقدّسة تشتدّ عندما ترتفع الشمس عاليًا. ما زال لدينا بعض الوقت ، و لذلك يجب أن نذهب بعد أن نُعدّ كلّ شيء على أكمل وجه. و كما فكّرتِ ، الفرصة واحدة ، و إن فاتتنا هذه المرّة فسينتهي كلّ شيء.”
كانت كلماتها مقنعةً تمامًا.
و رغمَ أنّ العجلة المتأجّجة في داخلي لم تهدأ ، بل زادت معها مخاوف غامضة لا أعرف مصدرها ، فإنّني كبحتُ مشاعري السلبيّة بصعوبة و أجبتُ بأنّني فهمت.
بعد ذلك ، بدأت الكاهنة العظمى بإصدار شتّى الأوامر للفرسان.
كان أهل القرية مقيّدين و مُجبرين على الركوع ، و يُخضَعون واحدًا تلو الآخر لتحقيقٍ ما ، و خلال ذلك دخل عدد أكبر من الفرسان إلى القرية.
و أمّا أنا ، التي أُنيط بها الدورُ الأهمّ ، فكنتُ أتحرّك بحرّيّة تامّة من دون أيّ مراقبة.
و حين انتهزتُ لحظة فراغٍ قصيرة الكاهنة العظمى و سألتها عن السبب ، فجاءني هذا الجواب.
“على أيّ حال ، الآنسـة لن تهرب ، فلا حاجة لمراقبتها. ما دمتِ لا تخرجين من حدود القرية ، فلا يهمّ ما تفعلين.”
كان إيمانها بي راسخًا إلى حدّ أربكني ، لكنّ الحقيقة أنّ فكرة الهرب لم تخطر ببالي إطلاقًا.
و بالطبع ، لم أفكّر بالخروج من القرية أيضًا.
لذلك جلستُ في مكانٍ غير لافت ، و بدأتُ أرتّب بهدوء الذكريات التي تدفّقت إلى ذهني بلا نظام.
ذكريات عن هذه القرية…… إن كان يمكن تسميتها بذكريات أصلا.
لم يكن هناك ما يُذكر.
مهما حاولتُ أن أستعيد ذكريات حياتي السابقة ، كانت كلّها باهتة كصورٍ قديمةٍ بهت لونها.
لكن ، من بين ما عشته في هذه الحياة ، كانت هناك ذكرى واحدة عادت إليّ بوضوح.
كانت منذ زمنٍ لا بأس به ، عندما التقيتُ ريد و لاس مجدّدًا في الجولة الأولى.
بعد أن دخلتُ غرفة الصلاة هربًا من أسمير (الرأس) الذي كان يلاحقني بمظهره المرعب ، كنتُ أتحدّث عن شيءٍ ما ، ثمّ ذكرتُ اسمه قائلةً: ‘مير—’.
حينها أبدى ريد و لاس ردّة فعلٍ مستغربة ، متسائلين لماذا يكون مير هنا ، ممّا أربكني.
‘كنتُ أظنّ دون شكّ أنّ التلاعب بالذكريات قد اختلّ بشكلٍ غريب.’
لكن اتّضح أنّ الأمر لم يكن كذلك.
‘مير’ كان اسم طفلٍ صغيرٍ مقيّدٍ معنا ، يتذمّر و يبكي.
مير ، صبيّ ، عمره ثلاثُ سنوات هذا العام.
طفل عاديّ وُلد في هذه القرية ، و لا علاقة له بنا إطلاقًا.
و لأنّ طفلًا لا يكاد ينطق قد كان هناك و أعطاني عودَ ثقاب ، فقد نظروا إليّ بتلك التعابير الغريبة.
لم يكن الأمر مجرّد اشتباهٍ بسيط ، بل كان مريبًا للغاية ، و لهذا هربوا حينها.
‘……و بالمناسبة ، ماذا سيحدث للأرواح الشرّيرة إذا تخلّصنا من الحاكمة؟’
كان ذهني ممتلئًا بأفكارٍ عن روين إلى درجة أنّني لم ألتفت إلى هذا الأمر إطلاقًا.
‘عندما كنتُ ريبلي ، كنّا مقرّبين حقًّا.’
الذكرياتُ المتأخّرة من حياتي السابقة كانت أقسى و أكثرَ تحكّمًا ، و مستنقعًا بائسًا أكثر ممّا توقّعت.
و مع ذلك ، كنتُ أنا في تلك الذكريات مشرقةً جدًّا و ذاتَ عزيمة.
كان هنفلين يستاء كثيرًا منّي لأنّني أقلق على الفراخ المرشّحين و أعتني بهم.
سبق أن ضُربتُ بعصا غليظة أثخن من ساقي حتّى انكسرت عظامي ، و تعرّضتُ للرّكل حتّى تقيّأتُ دمًا.
لكنّه كان يعالجني دائمًا بسحرٍ غريب ، و لذلك لم يكن أحدٌ يعلم أنّني أتعرّض لذلك القدر من التعذيب على يد هنفلين.
حتّى روين نفسه لم يكن يعلم.
و مع ذلك ، كنتُ صامدةً للغاية.
كثيرًا ما كنتُ أتلقّى الضرب بدلًا عن الفراخ ، و لذلك لم يكن غريبًا أن يتعلّقوا بي إلى هذا الحدّ.
لكي يعيش روين بسلام و سعادة ، كان لا بدّ من وجودهم.
فقد كنّا نتشارك الماضي نفسه و الذكريات نفسها.
‘فينسترنيس لا بأس به ، فهو فقط أصيب بلعنة الخلود…….’
لكن روين قال إنّ أسمير و إيديلاين و فريسينغير قد التهمت الأرواح الشرّيرة أجسادهم منذُ زمنٍ بعيد ، و أنّ أرواحهم في حالة امتزاج.
إذا اختفت الأرواح الشرّيرة مع الحاكمة ، و زالت أرواحهم معها ، فستكون تلكَ مشكلةً كبيرة.
و حتّى إن حصل لهم شيءٌ يشبه الخلاص و تناسخوا بهيئاتٍ أخرى ، فذلك أيضًا سيكون مشكلةً إلى حدٍّ ما.
لكن بقاء الأرواح الشرّيرة و عدم زوالها سيكون أسوأ بكثير.
‘ألا يمكن منحهم أجسادًا جديدة و وضع أرواحهم فيها؟’
كان افتراضًا غير واقعيّ ، لكنّني كنتُ قد عشتُ أصلًا سلسلةً من الأمور غير الواقعيّة.
و ربّما كان ذلك ممكنًا.
حاملةً هذا الأمل ، انتظرتُ مرّةً أخرى اللحظةَ التي تتفرّغ فيها الكاهنة العظمى.
لكن ، على عكسِ المرّة السابقة ، لم تظهر أيّ فرصة بسهولة.
حتّى إن أردتُ المقاطعة ، كان تعبيرها جادًّا إلى حدٍّ يجعل من الصعب إزعاجها.
‘مع ذلك ، ما زال هناك وقتٌ حتّى الصباح ، فلا بأس.’
لم تكن لديّ ساعة ، لذلك لم أعرف الوقتَ بدقّة ، لكن كان لا يزال أمام الفجر وقتٌ طويل.
رفعتُ بصري إلى السماء المظلمة ، و ضممتُ ركبتيّ ، و حدّقتُ في الكاهنة العظمى.
ثمّ ، من دون أن أشعر ، بدأتُ عيناي تُغلقان مرارًا.
و بينما كان وعيي يضطرب و يغيم ، دوى فجأةً صوتٌ هائل.
فزعتُ و فتحتُ عينيّ ، فرأيتُ الفرسان وهم يقتلون أهلَ القرية.
“كيااااااه!”
“انقذونا ، انقذونا ، أرجوكم، ساعدو…… آااخ!”
لم يستطع المقيّدون إبداءَ أيّ مقاومة تُذكر ، فسقطوا و هم يصرخون.
ظننتُ للحظة أنّني أحلم بسببِ المفاجأة ، لكنّ رائحةَ الدم النفّاذة و البرودة التي زحفت إلى جسدي كانتا واقعًا لا شكّ فيه.
‘ما الذي يحدث بحقّ الجحيم……!’
كان الأمر عنيفًا و وحشيًّا إلى درجةٍ لا يمكن معها أن يكون أمرًا صادرًا عن الكاهنة العظمى.
و فوق ذلك ، كان الوقت لا يزال منتصف الليل.
و حين رأيتُ الطفل مير ينهار و هو يبكي بعنفٍ و يتقيّأ دمًا ، سدَدتُ فمي و ابتلعتُ أنفاسي.
ثمّ أدركتُ الأمر متأخّرة.
فرسانُ المعبد كانوا يرتدون دروعًا بيضاء ناصعة ، لكن الفرسان الذين كانوا يذبحون أهل القرية الآن كانوا يرتدون دروعًا ذهبيّة.
و ليس هذا فحسب ، بل لم يكن الضحايا من أهل القرية وحدهم.
الجثّةُ الملقاة بإهمالٍ قرب المشاعل المغروسة في الأرض كانت لأرنو.
و بجانبه ، كانت جثثُ فرسانٍ آخرين يرتدون الدروع البيضاء.
‘…هل هم فرسان …. العائلة الإمبراطوريّة؟’
في ذاكرتي ، كان فرسان الإمبراطوريّة يرتدون دروعًا ذهبيّة تمامًا مثل هؤلاء.
عندها أدركتُ فجأةً.
ذلك القلق الذي شعرتُ به سابقًا ، لعلّه كان تحذيرًا من هذا بالذات.
التعليقات لهذا الفصل " 141"