وفقًا لكلامها ، كان العثور على وعاءٍ جديد للحاكمة أمرًا بالغ الصعوبة.
لكنني ، رغم تكرار تناسخي ، كنتُ قد اختلطتُ بها بالفعل.
كنتُ أتوقّع الأمر إلى حدٍّ ما ، لكن القسوة التي فاقت توقّعاتي خنقت صوتي.
الكاهنة العظمى لم تؤكد ذلك و لم تنفه.
لكن تعبير وجهها وحده كان جوابًا كافيًا.
“……لا توجد طريقة أخرى ، أليس كذلك؟”
“لو كانت هناك ، لَتمّت المحاولة منذ خمسمئة عام. لقد كنتِ محظوظة يا آنسة. لو كُشف أنّكِ وعاء الحاكمة ، لكنتِ قد مـتِّ في الحال.”
نعم ، هذا صحيح.
قبل خمسمئة عام ، لأنّ حقيقة كوني تجسيد الحاكمة لم تُكتشف ، استطعتُ أن ألتقي بروين من جديد.
لو أنّ الحاكمة قد اندثرت في تلك الحالة ، لكنتُ أنا و روين قد متنا ببساطة و انتهى كلّ شيء.
“…….”
نعم ، كان كلّ شيء سينتهي هكذا.
ذلك ما أثار شعورًا غريبًا بعدم الارتياح.
لم يكن فرسان المعبد و لا فرسان الإمبراطورية يعلمون أنّني وعاء.
كما لم يكونوا يعلمون أنّ الأطفال يُبعثون من جديد ، و لا أنّهم يُرسَلون إلى الدير ليكونوا قرابين.
كان من الغريب أنّه لم يتفوّه أيٌّ من أتباع الدير المدمَّر بهذه الحقيقة.
كان من الممكن أن يُبلِّغ أحدهم على الأقل.
أجابت الكاهنة العظمى عن شكوكي فورًا.
“ليس أمرًا يُعلن عنه ، لكن أتباع هذا القرية الأوائل خضعوا جميعًا للتعذيب و المحاكمات ، و خلال ذلك أفصحوا عن كلّ ما يعرفونه. مرّوا حتّى بطقوس التحوّل الديني ، و مع ذلك لم يكشف أحد أنّكِ قدّيسة. لكن أليس من الغريب ، كما تقولين ، أن يلوذ الجميع بالصمت ؟”
“……نعم. من المرجّح أنّ باقي الأتباع لم يكونوا يعلمون.”
لكن ، لماذا كان أتباع هذه القرية و رئيسها وحدهم يعرفون الحقيقة كاملة ؟
السبب بسيط.
كان هناك مَنٔ أخبرهم بذلك.
من هنا فصاعدًا ، هو مجرّد تخمين.
لكن ، ككلّ مرّة ، شعرتُ بيقينٍ أنّه ‘لا شكّ في الأمر’.
نعم ، بالتأكيد.
الشخص الذي أخبر أهل القرية عن الحاكمة ، و عن ما يجب عليهم فعله ، كان___
‘أنا في حياتي السابقة.’
في لحظة ، مرّ في ذهني مشهدٌ لي بوجهٍ خالٍ من التعابير ، أجمع الناس في قريةٍ أفقر من هذه ، و أتحدّث إليهم عن شيءٍ ما.
و بدأت ذكريات الحياة السابقة ، التي لم أستطع تذكّرها مهما حاولت ، تطفو بشكلٍ ضبابي.
‘كنتُ ، أريد حماية روين.’
و لهذا قتلتُـه.
أصابني دوارٌ حادّ ، و خارت قوّة ساقَيّ.
و مع صوتٍ يناديني “يا آنسة!” ، بدأ رأسي يؤلمني و كأنّه سينفجر.
* * *
لا أذكر بدقّة متى ، و في أيّ لحظة ، أدركتُ الحقيقة في حياتي السابقة.
ربّما كنتُ قد تنصّـتُّ سرًّا على حديث هنفلين.
علمتُ أنّ جسدي سيُنتزع منّي لصالح الحاكمة ، و أنّني لن أستطيع حماية روين.
بينما أرى روين يحلم بمستقبلٍ سعيدٍ معي ، عانيتُ مرارًا و تكرارًا ، و في النهاية اتّخذتُ قراري.
قرّرتُ قتلـه ، كي لا تلتهمه و هو ما يزال فرخًا.
قدّمتُ للحاكمة الغاضبة صفقة.
إن هي أعارتني قوّتها ، فسأمنحها جسدي كاملًا في المستقبل.
و إلّا ، فسأُنهي حياتي بيدي.
الحاكمة ، التي أصغت إلى رغبتي ، أعارتني قوّتها.
و بتلك القوّة ، وضعتُ على روين لعنة الخلود ، و أعدته إلى الحياة.
كون روين ، الذي لم يختلط بالأرواح الشريرة ، يستجيب فقط لدمي و يشتهيه بنشوة ، كان لأنّني أنا مَنٔ رغبتُ بذلك.
لكي لا ينساني.
و لكي أُخبره أنّه مهما كان ما يسكن جسدي ، فأنا بالنّسبة إليه مجرّد طعام ، و لستُ كائنًا ينبغي أن يخشاه أبدًا.
الوباء الذي تفشّى في دير لاتري كان بسببي أيضًا.
أدخلتُ أتباع حاكم آخر إلى الداخل لإثارة الفوضى.
كما أنّني وضعتُ لعنة الخلود على الإمبراطور الذي هاجم الدير مع فرسان المعبد.
لأنّه كان إنسانًا جشعًا ممتلئًا بالطمع ، مثل هنفلين ، و كنتُ واثقة أنّه سيُبقي الأتباع أحياء ليحصل على قوّة الحاكمة.
وضعتُ لعنة الخلود على فينسترنيس أيضًا.
كنتُ أتمنّى أن يبقى إلى جانب روين.
كما أنّني قيّدتُ أسمير ، إيديلاين ، و فريسينغير ، الذين كان روين يكنّ لهم مودّة خاصّة ، داخل الدير قسرًا.
كون هيرمينا ، و ماريان ، ناهلاسين ، و هيلريد ، و جينت قد تناسخوا معًا ، كان محض صدفة.
لقد اختيروا فقط لأنّهم كانوا إلى جانبي.
قال روين إنّ الحاكمة قد نامت من تلقاء نفسها.
ذلك بسبب إسرافي في استخدام القوّة ، و ضعف الأتباع.
و قبل أن تغمض عينيها ، تركت علامةً على روحي.
[يا فتاة. في اليوم الذي أفتح فيه عينيّ ، سآخذ جسدكِ وفقًا للعقد.]
الوعاء الجسدي القادر على احتواء الحاكم يُحدَّد بالروح.
و عندما تلتهم الحاكمة الروح التي استولت على الجسد ، يتمّ الاستحواذ الكامل.
و هكذا ، وُلدتُ من جديد مرارًا و تكرارًا ، و أنا أحمل كلّ ذكرياتي.
لم يكن ذلكَ استسلامًا و لا يأسًا.
لم أستطع مواجهة روين ، الذي جُرح و خُدع بسببي ، بوجهٍ مرفوع.
و لم أستطع أن أكون فخورة أمام مَنٔ تورّطوا بسببي.
لذلك عشـتُ هكذا.
و مع اقتراب يوم استيقاظ الحاكمة ، دبّ الطمع في قلبي ، فمحوتُ ذكرياتي.
أردتُ أن أكون فتاةً قروية عاديّة لا تعرف شيئًا ،
و أن أواجه كلّ شيء دون أيّ شعور بالذنب.
لقد قتلتُ روين لأنّني ، حقًّـا ، أردتُ إنقاذه.
عندما أقدّم جسدي للحاكمة بعد استيقاظها و تندثر ، ستزول اللعنة.
و عندها سيتمكّن روين أخيرًا من عيش حياةٍ عاديّة.
كنتُ أؤمن أنّه ، إن كان يحمل في قلبه كراهيةً و حقدًا تجاهي ، فسيكون قادرًا على العيش بسعادة حتّى دون وجودي إلى جانبه.
لقد راهنتُ بكلّ ما أملك.
بينما كنتُ أرتجف كأنني أعاني من نوبة و أتصبّب عرقًا باردًا ، انسكب ماء بارد فوق رأسي.
رفعتُ رأسي و أنا ألهث ، فكان القائد واقفًا أمامي.
كان يحمل دلوًا خشبيًّا ، و قد بدا أنّ الحبل قد انقطع ، ممّا يوحي بأنّه أحضر الماء من البئر.
“يا آنسة.”
و بجانبه ، كانت الكاهنة العظمى تركع و هي تنظر إليّ.
الذكريات التي حاولتُ جاهدَةً استحضارها ، و إن لم يكن إلى حدّ الإعياء ، انهمرت دفعةً واحدة.
كما أنّ المشاعر التي لم أشعر بها حين كنتُ مع روين اجتاحتني كالأمواج ، فلم أستطع استعادة رباطة جأشي.
معدتي مضطربة و صدري مثقل.
لم يكن لديّ أصلًا أحلام أو آمال ، لكن الحقيقة التي عرفتُها بهذه الطريقة كانت أنانيّة للغاية.
“……هذا غير مضحك. كلّ شيءٍ كان من فعلي.”
الماء الذي انسكب من رأسي سال على خدّي.
برد نافذ تسلّل إلى عظامي ، فارتجف جسدي.
بينما كنتُ أعضّ على أسناني ، نزع القائد عباءته و غطّى كتفَيّ.
“أعتذر. مهما قامت الكاهنة العظمى بضخّ قوتها المقدّسة لم تكن تجدِ نفعًا ، و كنتِ لا تستطيعين التنفّس بشكلٍ طبيعي ، لهذا استعجلت.”
“….هل كنتُ فاقدة الوعي طوال هذا الوقت؟”
“ألم تُدركي ذلك بنفسكِ؟”
“كانت الآنسة مغمًى عليها لما يقارب ثلاثين دقيقة.”
ظننتُ أنّ الأمر لم يدم سوى لحظة ، لذا كان مرور ثلاثين دقيقة صادمًا ومفاجئًا.
و في خضمّ ذلك ، شعرتُ بالامتنان و الإحراج في آنٍ واحد تجاه الكاهنة العظمى…… التي واصلت استخدام القوّة المقدّسة.
ففي نهاية المطاف ، و من وجهة نظر فرسان المعبد ، كنتُ أنا العقل المدبّر و جذر كلّ الشرور.
ما إن خطرت لي هذه الفكرة ، حتّى ارتسمت ابتسامة على وجهها الوقور.
“لا بأس. بما أنّني أفكّر في التضحية بالآنسة ، فلنعتبر أنّنا تبادلنا الضربات.”
“…….”
“لماذا ؟ هل أصبح الموت مخيفًا فجأة ؟ لكن يؤسفني القول ، بعد أن فهمتُ ما يجري ، لا يمكنني إطلاق سراحكِ. و مع ذلك ، لا أريد أن أجرّكِ بالقوّة.”
نبرةٌ لا تلائم تعبيرها الهادئ.
لم تغيّر كلامها ، و فرضت علي التضحية دون مواربة ، لكنني ابتسمتُ معها.
“كنتُ مستعدّةً لهذا على أيّ حال ، فلا بأس. بل عليّ أن أكون ممتنّة. لم تكن لديّ قدرة على التنبّؤ بالمستقبل. كان الأمر مجرّد مقامرة. فعلتُ كلّ ما بوسعي ، و أنا أؤمن أنّ أحدًا ما سيساعدني.”
“إذًا كنتِ مستعدّةً للموت. أقول هذا احتياطًا ، لكن أن تصبحي وعاء الحاكم يعني…….”
“أعلم. لن أتمكّن من التناسخ أو الولادة من جديد مرّةً أخرى. أظنّ أنّ هنفلين قال شيئًا من هذا القبيل. إن سارت الأمور على ما يرام ، أرجو منكِ تلبية طلب واحد من أجلي.”
بدأت القوّة تعود إلى جسدي تدريجيًّا.
نهضتُ بمساندة الكاهنة العظمى التي سبقتني إلى الوقوف ، و كانت ملامحها توحي بأنّها تعرف كلّ شيء ، كما توقّعت.
ثم فتحت شفتيها المطبقتين و قالت.
“سأحرص حتمًا على مساعدة الشخص الثمين على الآنسة ليعيش حياةً سعيدةً و عاديّة.”
الخيوط المتشابكة التي قيّدت كلّ شيء قد انحلّت تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 140"