لم يكن موقفًا يمكنني التدخّل فيه ، فاكتفيتُ بمراقبة الأجواء ، إلى أن فتح القائد فمه بصعوبة.
“هل كان ذلك… أفضل خيار؟”
“نعم. كان أفضل خيار.”
“لو لم ألتقِ بهذه الطفلة المسماة ريبلي هذه الليلة ، لما عرفتُ الحقيقة أبدًا.”
“…نعم.”
لو كنتُ مكان القائد ، لما استطعتُ تجاوز الأمر هكذا أبدًا ، لكنّ صوته الهادئ لم يحمل غضبًا و لا خيبة أمل.
إلّا أنّه ، حين أغمض عينيه و تنفس بعمق ، أدركتُ أنّه كان يكبت مشاعره و يحاول تهدئتها.
بعد أن رتّب أنفاسه المرتجفة ، فتح عينيه و سأل الكاهنة العظمى.
“إذا عاد ريجيك حيًّا ، هل يمكنكِ إعادة ذكرياته؟”
“بالطبع. عندما تلقيتُ تقريرًا عنه سمعتُ أنّ حلمه هو أن يصبح فارسًا ، ففوجئت. الأطفال الذين نُرسلهم كمراقبين يكونون غالبًا كذلك. بطبيعتهم ينمّون أحلامهم و هم ينظرون إلى مَنٔ يستحقّ الإعجاب ، لكنّهم جميعًا ، في هذه القرية الخاوية ، كانوا يتمنّون أن يصبحوا فرسانًا.”
“منذُ صغره…… كان كذلك. كانت عيونه تلمع كلّما رآني ألوّح بالسيف.”
“……قد يبدو من السخرية أن أقول هذا و أنا من محوتُ ذكرياته ، لكنّ الذكريات تبقى.”
بعد تلك الكلمات عمّ الصمت من جديد ، لكن على عكس ما قبل ، اختفى الشعور بعدم الارتياح.
بل إنّ الجوّ صار دافئًا قليلًا ، إلى درجة أنّني ، و لأوّل مرّة منذُ زمن طويل ، بدأتُ أُلقّن نفسي: ‘أنا لا أفهم الإشارات. فعلًا لا أفهم. أنا غبيّة اجتماعيًّا!’ ثمّ ناديتهما.
“آه ، أعلم أنّ تدخّلي الآن غير مناسب قليلًا… لكن ، بصراحة ، أودّ أن أسمع عن طريقة ختم الحاكمة ، و هي الأهمّ. إن لم نُسرع ، قد يموت الجميع داخل الدير.”
لم أكن أبالغ في الأمر.
بسبب اختلاف تدفّق الزمن ، قد يكون قد مرّ هناك وقت طويل جدًّا بالفعل.
و بصراحة ، لستُ متأكّدة أصلًا إن كان أصدقائي ما زالوا أحياء.
كلامي المتعجّل جعل القائد باران ينظر أيضًا إلى الكاهنة العظمى.
أطلقت زفيرًا خفيفًا ثمّ قالت بصوتٍ منخفض.
“فرصة الاتحاد مع وجودها العظيم و النبيـل ، إنّها جسد ثمين ستمتلكه حاكمتنا. كان العمدة يكرّر هذه الكلمات لكِ باستمرار. و من ظاهر الأمر ، كنتِ أنتِ أيضًا على علم بذلك.”
“نعم. في الحقيقة ، لا أتذكّر الكثير عن حياتي السابقة. أقصى ما أتذكّره هو أنّ هنفلين كان وغدًا حقيرًا لا مثيل له ، و أنّه كان ينوي تحويلي إلى فرخ ثمّ غيّر خطّته ، سمعتُ ذلك من شخصٍ آخر.”
ومع ذلك ، كانت هناك ذكريات غامضة تلوح في ذهني.
عقدت الكاهنة العظمى حاجبيها و سألت.
“و هذا الشخص الآخر ، أهو ذاك المدعو روين الذي يتردّد اسمه في ذهنكِ باستمرار؟”
أومأتُ برأسي و رويتُ لها بصدق كلّ ما أعرفه ، و كلّ ما توصّلتُ إليه.
على أيّ حال ، لم يكن بإمكاني إخفاء شيء أمامها ، و فوق ذلك أردتُ أن أثـق بها.
إنّها شخص يختار أفضل وسيلة ممكنة و ينفّذها دون تردّد ، لذا لن تكذب.
طوال حديثي لم ينطق القائد و لا الكاهنة العظمى بكلمة.
و عندما انتهيتُ من شرح ‘كيف’ خرجتُ من الدير ، ازدادت التجاعيد بين حاجبيها عمقًا.
“يبدو أنّ لديكِ رغبة قويّة جدًّا في البقاء على قيد الحياة.”
“أليس هذا حال معظم الناس؟”
“و قوّة تحمّلكِ النفسيّة عالية أيضًا.”
“كنتُ أظنّ نفسي جبانة ، لكن يبدو أنّني صرتُ أقوى قليلًا الآن….”
“……كما تعلمين ، أنا شخص يؤمن بأنّ التضحية بشخص ما من أجل سلام العالم أمر لا مفرّ منه. إن كان بالإمكان قتل عشرة لإنقاذ مئة ، فقد أفعل ذلك.”
ابتسمتُ ابتسامة مريرة دون قصد.
من طول المقدّمة ، كان واضحًا أنّ الطريقة للتخلّص من الحاكمة مرتبطة بي بشكلٍ ما.
و من المؤكّد أيضًا أنّ تضحيتي ستكون شرطًا أساسيًّا.
ضحكت الكاهنة العظمى ضحكة منخفضة تحمل التعبير نفسه الذي على وجهي.
“إجابة صحيحة. الحاكمة ، أو تلكَ التي تُعدّ حاكمة ، كاملة و لكنّها ليست كذلك في آنٍ واحد. فمثلما لا يعيش النبات دون أن يغرس جذوره في الأرض ، و الطائر في السماء ، و السمك في البحر ، و الحيوانات ذات الأرجل على اليابسة ، فإنّهم ليصبحوا وجودًا كاملًا و يكتسبوا تأثيرًا أكبر ، لا بدّ لهم من الحصول على جسد. لكنّ قوّتهم كبيرة إلى حدّ أنّ العثور على وعاء قادر على تحمّلها ليس أمرًا سهلًا. و فوق ذلك ، يجب أن يكون الوعاء امرأة.”
“و لِـمَ ذلك؟”
“لأنّ جسد الإنسان هشّ. قد يمرض ، و قد يتعرّض لحادث غير متوقّع ، أو يموت فجأة. لذلك ، من خلال الأمّ ، يتم إنجاب طفل ، و يُتّخذ ذلك الطفل وعاءً جديدًا ليستمرّ الوجود في هذه الأرض إلى الأبد. لكن لا يمكن الجزم بأنّ الطفل المولود سيكون وعاءً مثاليًّا للحاكم. و لهذا يكرّرون الحمل و الولادة بلا توقّف ، إلى أن يولد الوعاء المنشود.”
“…….”
“……أنتِ لستِ صغيرة ، لذا تفهمين ما أقصده ، و ما الذي يعنيه هذا كلّه.”
فهمتُ. بل فهمتُ الأمر جيّدًا جدًّا.
لو سارت الأمور وفق خطّة هنفلين و سُلب جسدي من قِبل للحاكمة ، لكنتُ قد عشتُ في ذلك الدير المغلق ، أقـدَّس كحاكمة حيّة ، و أتعرّض لأمور مروّعة.
مجرّد تخيّل ذلك جعل جسدي يقشعرّ ، و شعرتُ و كأنّ الدم قد انسحب من أطرافي.
أطلقتُ شتيمة بصوتٍ خافت ، فتنهدت الكاهنة العظمى بدورها.
“في عصورٍ سحيقة ، حين كانت الحروب بين المعابد في أوجّها ، قيل إنّهم جعلوا الحكام يدخلون فعلًا في أجساد النساء لفرض نفوذ أكبر. كانت تلك النساء يُدعين قدّيسات. لكن كما قلتُ سابقًا ، العثور على الوعاء ليس سهلًا. و إن أُجبِر الحاكم على الدخول ، يتحطّم الوعاء. تحت ذريعة مطاردة الساحرات ، أمسكوا بنساء بريئات و ارتكبوا بحقّهنّ فظائع كثيرة.”
كان الأمر يشبه مفهوم القدّيسات الذي أعرفه ، و مع ذلك كان مختلفًا بشكلٍ مرعب.
ذلك الوغد هنفلين ، الذي لم يتردّد في تقديم الأطفال قرابين حيّة ، لا بدّ أنّه كان يرتكب مثل هذه الأفعال في الخفاء أيضًا.
ثمّ رأى فيّ احتمالًا آخر ، أنا التي كان ينوي تحويلها إلى فرخ.
رتّبتُ أنفاسي التي كادت تضطرب ، و أعدتُ التفكير في كلمات الكاهنة العظمى.
الاستيلاء على جسد إنسان ضعيف ، و إنجاب طفل من خلاله ليكون وعاءً جديدًا ، و من ثمّ البقاء في هذه المكان إلى الأبد.
لكن ، إن مات ذلك الإنسان الضعيف ، أو فشلوا في الحصول على الوعاء ، فماذا يحدث للحاكم الذي في الداخل؟
نظرتُ إليها بفكرةٍ خطرت لي ، ففتحت فمها بهدوء و قالت.
“إن أُبيد الجسد تمامًا بينما الحاكم في حالة حلول ، فإنّ وجود الحاكم الكامن فيه يزول معه. هكذا ورد في مخطوطات قديمة ثمينة توارثها معبدنا. و قد أُرفقت بحالات واقعيّة ، لذا فالأمر مؤكّد.”
“بعبارة أخرى… عليّ أن أجعل الحاكمة تحلّ في جسدي عمدًا ، ثمّ أموت… أليس كذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 139"