تمّت السيطرة على القرية في لحظات على يد فرسان المعبد.
كلّ مَنٔ حاول الهرب أو الاختباء أُلقي القبض عليه و ربط كالسجق.
كان عمدة القرية واحدًا منهم.
نظرت الكاهنة العظمى ببرود إلى الناس الراكعين المرتجفين.
أخرجتُ الخرزة من جيبي و قدّمتُها لها.
ما إن أمسكت الكاهنة العظمى بالخرزة حتّى أطلقت ضحكة فارغة.
“حاولتُ مرارًا و تكرارًا الحصول على دليل ، لكن الأمر كان مستحيلًا. كلّ هذا بفضلكِ يا آنسة.”
“……ربّما لا أفقه أمور العالم جيّدًا ، لكنّني لا أظنّ أنّني غبيّة. لذلك حاولتُ أن أستنتج الوضع بشكل عام ، هل كان تخميني صحيحًا؟”
بدأتُ أسرد واحدةً تلو الأخرى الأفكار التي خطرت لي أثناء الاستماع إلى كلام العمدة.
ابتسمت الكاهنة العظمى ابتسامة خافتة ، ثمّ أومأت برأسها.
“نعم. مذهل حقًا. كلّ ما فكّرتِ به صحيح. جلالة الإمبراطور يرغب في قوّتها. لكن ، هناك نقطة واحدة خاطئة.”
“نقطة خاطئة؟”
“جلالة الإمبراطور لم يترك هذه القرية لمجرّد إيمانه بأسطورة عمرها خمسمئة عام ، و لم يبحث عن مكان ما سمّيته أنتِ بالحاكمة فحسب. قارني فورًا بين سكّان هذه القرية و المؤمنين الذين كانوا في الدير سابقًا. ما الفرق ، برأيكِ ، بين المؤمن و غير المؤمن؟”
“الفرق هو مَنٔ رأى قوّة الحاكمة بعينيه و مَنٔ لم يرها… لحظة ، لا تقولي إنّ….”
“عند الهجوم على دير لاتري ، لم يشارك فرسان المعبد وحدهم ، بل شارك أيضًا فرسان القصر الإمبراطوري. و كان جلالة الإمبراطور الحالي بينهم ، و قد نال جسدًا خالدًا بقوّة الحاكمة.”
كلّما سمعتُ أكثر ، ازداد الأمر رعبًا من شدّة التشابك.
سألتُ مرّة أخرى دون أن أُخفي ارتباكي.
“إذًا ، هل جلالة الإمبراطور يحكم و هو على قيد الحياة منذ خمسمئة عام؟ و كان يراقب هذه القرية كلّ هذا الوقت من أجل عودة الحاكمة؟”
“يا آنسة. ما القوّة التي قيل إنّ الحاكمة تمتلكها؟”
“ماذا؟ آه ، إعادة الزمن إلى الوراء ، و الحصول على الشباب الأبديّ و الحياة الخالدة؟”
“صحيح. لكن جلالته لم ينل سوى الخلود وحده. كلّ كائن حيّ يشيخ. هل يمكنكِ تخيّل شكل إنسان عاش خمسمئة عام؟”
“…….”
نظرتُ بلا وعي إلى عمدة القرية.
حتى ذلكَ العجوز ، الذي يصعب تقدير عمره بدقّة لكنّه بلا شكّ تجاوز المئة ، كان ضعيفًا إلى حدّ أنّه لا يستطيع الوقوف مستقيمًا دون عصا.
مهما عاش الإنسان حياة مترفة ، يرى و يسمع و يأكل أفضل ما يكون ، فإنّ شيخوخة الجسد تسلبه الحرّيّة و القوّة.
يكفيني النظر إلى روين الذي يبدو أنّه ليس في كامل قواه العقليّة ، فهل سيكون جلالة الإمبراطور بحالٍ جيّدة؟
“هل… لا يزال بخير؟”
“…سأكون صريحة معكِ. لقد فقـدَ عقله إلى حدّ ما. هو يحتفظ بمكانة الإمبراطور كرمز لهيبة العائلة الإمبراطوريّة لا أكثر. لكن حقيقة أنّه لم يمت طوال خمسمئة عام صحيحة ، و لهذا لم تستطع العائلة الإمبراطوريّة التخلّي عن هذه القرية ، أملًا في الاحتمال الضئيل. و لحسن الحظّ كانت قوّة معبدنا كبيرة ، فاستطعنا منع تدخّلهم المباشر حتّى الآن. لكن كما ترين ، من السهل دائمًا القيام بأفعال مريبة من الخلف. سيكون هذا قيدًا ممتازًا نكبّلهم به.”
“هذا مطمئن ، لكن……سعادة الكاهنة العظمى ، أنتِ لم تعيشي طويلًا مثل جلالة الإمبراطور ، بل ورثتِ المنصب فقط ، أليس كذلك؟ و مع ذلك ، كيف يمكن أن تكوني… يائسة إلى هذا الحدّ؟”
كنتُ قد فكّرت سابقًا أنّها مذهلة ، لكنّ هذا كان شعورًا صادقًا تمامًا.
قتل رفيق ثمّ إنهاء حياته بنفسه ، أمر لا أظنّ أنّني سأقدر عليه خوفًا.
غريتل التي فعلت ذلك كانت مذهلة ، لكن الكاهنة العظمى التي قادت فارسة كهذه كانت أكثر دهشة.
و الأمر الأكثر رعبًا هو أنّ الفرسان الموجودين هنا جميعًا يبدون مستعدّين لبذل أرواحهم دون تردّد ، باستثناء أرنو.
يصعب القول إنّهم تعرّضوا لغسيل دماغ ، بل إنّه شعور قويّ بالواجب و الولاء الراسخ.
فهمت الكاهنة العظمى مغزى سؤالي فورًا ، فابتسمت ابتسامة باهتة.
“كما كان حال الكاهن الأعظم السابق و الذي قبله ، فإنّي لا أعلم ما الذي سيحدث بعد موتي ، و لذلك أشعر بالخوف.”
عندما نطقت بكلمة “الخوف” ، نظرت إليّ بثبات.
كان العمدة قد صرخ بأنّني ‘جسد ثمين ستمتلكه حاكمتنا’.
لم يكن ممكنًا ألّا تكون قد سمعت ذلك ، كما أنّها كانت قد سمعت أفكاري كلّها ، فلا مجال للتظاهر بالجهل.
نظرتُ إليها بهدوء ثمّ تكلّمت.
“الخوف نفسه يسكنني أيضًا ، سعادة الكاهنة العظمى. لأنّني لا أعلم ما الذي سيحدث بعد موتي.”
“يبدو أنّ هناك شعورًا آخر أقوى لديكِ من الخوف أو الرعب. مَنٔ هو روين الذي كنتِ تفكّرين به منذ قليل؟”
“……إنّه أحد الفراخ الذين قُدّموا قربانًا حيًّا للحاكمة ، أو كادوا أن يُقدَّموا. في الحقيقة ، أنا…أريد فقط إنقاذ أولئك الأطفال.”
كما قلتُ في البداية ، دخلتُ القرية.
و حصلتُ أيضًا على دليل يمكنه إيقاف تلاعب العائلة الإمبراطوريّة.
أنا أوفيتُ بوعدي ، و حان دور الكاهنة العظمى لتفي بوعدها.
“ما هي الطريقة الأكيدة التي تحدّثتِ عنها سابقًا؟”
“هاه.”
أغمضت الكاهنة العظمى عينيها ثمّ فتحتهما مع زفير خافت.
ثمّ أشارت بنظرة إلى القائد باران الواقف بصمت.
“القائد باران ، تعال معي قليلًا. أمّا باقي الفرسان فليبقوا هنا في حالة تأهّب. راقبوا المكان بدقّة ، لا تدعوا نملة واحدة تدخل أو تخرج. و إن قام أحدهم بتصرّف مريب ، فاقتلوه فورًا.”
كان صوتها حاسمًا لا يحمل أيّ تردّد ، فابتلع الناس أنفاسهم رعبًا.
تقدّمت الكاهنة العظمى ببطء ، تاركةً خلفها القائد باران الذي اقترب بصمت.
أمسكتُ بطرف ثوبي بقوّة من شدّة التوتّر ، ثمّ تبعتها.
يبدو أنّ هدفها كان الابتعاد قليلًا لإجراء حديث خاصّ ، إذ توقّفت بعد مسافة قصيرة ، فتوقّفنا نحن أيضًا.
“هنا يكفي. أوّلًا ، أيّها القائد باران ، عليّ أن أقدّم لكَ اعتذارًا.”
“……هل يتعلّق الأمر بريجيك؟”
“نعم. و كذلك…… بما أنّ هذه الآنسة يبدو أنّها قد أدركت الأمر ، فسأعترف بنفسي. عندما جئتَ إليّ لأنّ زوجتكَ كانت مصابة بمرض خطير ، قلتُ لكَ إنّه مرض لا علاج له. لكنّ ذلك لم يكن صحيحًا. كان يمكن علاج المرض. تجاهلتُكَ عمدًا كي أرسل ابنكَ إلى هذه القرية.”
كان اعترافًا مفاجئًا إلى حدّ أربكني أكثر من اللازم ، قالته دون تمهيد أو تردّد.
نظرتُ بسرعة إلى القائد ، فكان وجهه لا يزال بلا تعبير ، لكن عينيه كانتا تهتزّان.
أخذ القائد نفسًا عميقًا و سأل بصوت منخفض.
“لماذا…. كان ابني ضروريًا؟”
“كنتُ قد علمتُ من خلال الكهنة العظماء السابقين أنّ سكّان القرية يقومون بتصرّفات مريبة. لكن بسبب تورّط العائلة الإمبراطوريّة لم يكن بإمكاني التدخّل بتهوّر. لو أظهرتُ موقفًا حذرًا تجاه هذه القرية لشكّت العائلة الإمبراطوريّة. لذلك نُرسل طفل فارسٍ من فرسان المعبد كمراقب ، و نجعل ذلكَ الفارس يراقب القرية. كانت تلك الطريقة الوحيدة التي لا يمكن للعائلة الإمبراطوريّة أن تمسك بها كذريعة.”
“…….”
“و هكذا ، و على مدى مئات السنين ، توصّلنا إلى حقيقة. عندما يولد في القرية خمسة أطفال أو أكثر ، ثمّ نرسل طفلًا في عمرٍ مقارب كمراقب ، يصبح مصير ذلك الطفل مجهولًا. و…….”
الطفل الذي يناسب العمر كان سيغ ، أي ريجيك.
كان هذا أمرًا أجابني عنه القائد بنفسه سابقًا ، فلم أعد بحاجة إلى سماعه من فم الكاهنة العظمى.
ظلّ القائد صامتًا ، لكن الكاهنة العظمى نظرت إليه قليلًا ثمّ تابعت.
“أنا مَنٔ محوتُ ذاكرة ريجيك. لو احتفظ بذكرياته لكان قد أدرك غرابة القرية و هرب. لقد ارتكبتُ في حقّـكَ فعلًا قاسيًا.”
كانت الكاهنة العظمى تعلم أيضًا أنّ سيغ سيصبح في عداد المفقودين.
و مع ذلك أرسلته إلى القرية.
و لهذا انحنت بعمق أمام القائد ، لكنّها لم تنطق بكلمة اعتذار واحدة حتّى.
التعليقات لهذا الفصل " 138"