رأيتُ أيضًا شفتيه الرقيقتين المتشققتين ترتجفان كما لو كانتا تشنّجان.
وسط الصمت الذي خيّم ، أضفتُ قليلًا من الوقود و استفززتُ عمدة القرية أكثر.
“قال أيضًا ألّا نثق بسكّان القرية. سكّان القرية جميعهم أشرار ، خسيسون ، قذرون ، بشعون ، و يقدّسون وجودًا حقيرًا كالمتسوّلين….”
“ألا تستطيعين إغلاق فمكِ! كيف تجرؤين ، كيف تجرؤين……!”
حدّق بي عمدة القرية ، الذي ضرب عصاه بالأرض ، بنظرة و كأنّه يريد قتلي.
و كأنّه متعصّب ، فما إن سمع كلامًا يهين الحاكمة حتى جاء الردّ فورًا.
بعض سكّان القرية رمقوني بنظرات حادّة أيضًا ، لكن المدهش أنّ عددهم لم يتجاوز النصف.
‘إذًا ليس الجميع من الأتباع؟’
صحيح أنّ الوضع كان مختلفًا عن أيّام الدير.
فهم على الأرجح أصبحوا مؤمنين بإرادتهم.
مهما كانت القرية معزولة عن العالم الخارجي ، فهم لم يتعرّضوا لغسيل دماغ ، بل عاشوا حياة عاديّة فحسب.
لو كانوا قد حصلوا على شيء بعد مشاهدة قوة الحاكمة لكان الأمر مختلفًا ، لكن ما دام ذلك لم يحدث فمبادئهم لا بدّ أن تكون ضعيفة.
الوالدان المزيّفان لم يُظهرا أيّ ردّة فعل تُذكر.
خطر لي شيء آخر ، فقرّرت أن أرميه جزافًا. إن أصبتُ الهدف فهذا جيد ، و إن أخطأتُ فلا بأس.
“قال إنّ الوالدين اللذين ربّياني ليسا عائلتي الحقيقيّة. و الأمر الذي لا أريد تصديقه أكثر ، هو أنّه إذا عاد أحدنا حيًّا فسيُقتل على يد تلك العائلات. ظننتُ أنّها كذبة ، لكن لماذا الأشخاص الوحيدون الذين يمسكون بالأدوات الزراعيّة الآن هم آباء أصدقائي……؟ لا تقولوا إنّ ما سمعته كان صحيحًا فعلًا؟ هل أصدرتم حقًا أمرًا سخيفًا كهذا يا عمدة القرية؟ أن تختاروا أشخاصًا لا تحبّونهم عمدًا ليُربّوا الأطفال ، ثمّ تأمرونهم بقتلهم إذا عادوا؟”
“آآآآه…….”
انفجرت إحدى السيّدات بالبكاء.
يبدو أنّ تخميني كان صحيحًا.
لا بدّ أنّهم ، حتّى الآن ، اختاروا أشخاصًا ضعيفي الإيمان أو سيّئي العلاقات مع الآخرين ليقوموا بدور الوالدين.
و لهذا تصرّفوا بلا مبالاة ، أو بالإهمال ، أو بالتدخّل المستمرّ لمنع أيّ تصرّف خارج عن المألوف.
العادات الفاسدة تميل إلى الاستمرار بسهولة ، و لعلّ جميع الأشخاص الذين شغلو منصب عمدة القرية فعلوا الشيء نفسه.
و في مكان كهذا ، عادةً ما تُقمع آراء الأقليّة ، فلم يجرؤ أحد على التفكير في مقاومة العمدة.
……ربّما استنتجتُ كلّ ذلك بسرعة مفرطة ، لكن بما أنّ رأسي كان يعمل بنشاط شديد منذُ قليل ، فهذا يعني أنّ ذاكرتي لم تُمـحَ بالكامل.
صرختُ مرّة أخرى في وجه العمدة ، الذي كان يفتح فمه و يغلقه بارتباك.
“أمم هل من الممكن أنّك أنت أيضًا يا عمدة القرية تعرّضتَ لغسيل دماغ على يد تلك الحاكمة الشريرة ، الخسيسة ، القذرة ، البشعة……!”
“أنتِ ، أيتها الوقحة! أيتها الفتاة الوضيعة! اصمتي! كيف تجرؤين على الإساءة إلى تلكَ العظيمة ، أُغخ…… تلك العظيمة!”
ربّما خدشتُه أكثر ممّا ينبغي ، إذ احمرّ وجهه و كأنّ أنفاسه تكاد تنقطع.
عيناه المحتقنتان بالدماء كانتا تحدّقان بي كما لو أنّه يريد قتلي ، لكن الغريب أنّني لم أشعر بنذير موت حقيقي.
مع ذلك ، كلّ ما لديّ الآن مجرّد تخمينات ، و لم يخرج من فم العمدة اعتراف صريح من نوع ‘نعم ، أردتُ قتلكم جميعًا!’.
كنتُ أفكّر فيما عليّ قوله لأجرّه إلى الحديث عن القرابين.
“أ ، أنا لا أستطيع. يا عمدة القرية ، لا أستطيع…….”
السيّدة التي كانت تبكي أسقطت المنجل من يدها و جلست على الأرض كأنّها انهارت.
الرجل الواقف بجانبها أنزل المعول هو الآخر ، و على وجهه تعبير مثقل.
قالت السيّدة بصوت مليء بالقهر.
“حتّى لو لم يكن طفلًا أنجبته من بطني ، فجين هو ابننا الذي ربّيناه كابن حقيقي…… كيف ، كيف أتركه يموت……؟”
يبدو أنّهما الشخصان اللذان ربّيا جين.
بعد ذلك مباشرةً ، أسقط بعض الناس أدواتهم الزراعيّة و ذرفوا الدموع ، بينما والداي و بقيّة القلّة اكتفوا بالتردّد.
احمرّ وجه عمدة القرية حتّى برزت عروق عنقه ، و لوّح بعصاه و هو يصرخ بوحشيّة.
“أيّها الأوغاد! كيف تجرؤون على معارضة إرادتها؟ إنه ليس قتلًا! ليس موتًا كما تظنّون! إنّه شرف عظيم أن نُؤكل من قبلها لتعود و تنظر إلينا من جديد! ماذا تفعلون؟ أمسكوا بتلك الفتاة حالًا ، حالًا! إيّاكم أن تؤذوها. إنّها جسد ثمين ستمتلكه حاكمتنا!”
مع صراخ العمدة الهستيريّ ، تقدّم أولئك الذين كانوا يرمقونني بنظرات عدائيّة مع الشيوخ ، و وجوههم تنضح بالعنف.
شعرتُ براحة خاطفة عندما قال ألّا يؤذوني ، لكن سرعان ما تساقط العرق البارد.
حينما تصبح حواسي حادّة ، يكون ذلك دائمًا عند اقتراب خطر الموت.
و بعبارة أخرى ، شعرتُ أنّ مجرّد محاولة الإمساك بي لن يكون من السهل تفاديه.
كما توقّعتُ ، عندما اندفع نحوي رجل ذو عضلات سميكة ، لم أشعر بأيّ إنذار مسبق.
رأيته بعينيّ و تراجعتُ بسرعة ، و في اللحظة نفسها قال الرجل بنبرة لطيفة ، لكن عينيه كانتا شاردتين قليلًا.
“لماذا تهربين يا ليلي؟ لقد مُنحتِ فرصة شرفيّة عظيمة لتصبحي واحدة مع تلك العظيمة و النبيلة.”
“……لا ، شكرًا. لستُ بحاجة إلى شرف كهذا…آه!”
من جانب الرجل ، انطلق حبل معقود كخطّاف باتّجاهي.
تفاديتُه على عجل ، فسقط الحبل بدقّة فوق رأسي مباشرةً.
كدتُ أُمسـك.
لم يكن بإمكاني الاعتماد على حواسي ، فكان عليّ أن أتجنّب الهجمات بالنظر فقط.
‘ألم أسمع كلّ ما يجب سماعه الآن؟!’
هل لأنّهم عرفوا أنّهم لا ينوون قتلي فقرّروا تركي؟ أم أنّهم يريدون التأكّد بأعينهم من سحبي إلى الدير؟
لكنّني لم أتحدّث مع الكاهنة العظمى إلّا بعد أن كُشف سبب وجوب موتي أنا و أصدقائي.
إن أُمسكتُ الآن فلن أستطيع الهرب وحدي. و إن سُحبتُ إلى الدير فستكون تلك حقًا النهاية ، لذا تظاهرتُ بالمراوغة و اقتربتُ من عمدة القرية.
“كيه ، كيهكِك! أمسكوا بها! أمسكوا بها! أمسكوا بتلك الفتاة الجرذ…… ما ، ما هذا؟!”
العمدة ، الذي كان يبتسم ابتسامة مقزّزة ، انتفض عندما ضيّقتُ المسافة.
انتزعتُ العصا من يده ، فاختلّ توازنه و ترنّح.
استغللتُ الفرصة و أمسكتُ به ، و ضغطتُ على عنقه النحيل المتجعّد بداخل العصا.
أكره ملامسة الجسد إلى حدّ مقزّز ، لكن لا خيار لي.
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش و هو يفعل ما يريد فقط.
“أُغغخ! هذا ، هذا تصرّف جبان……!”
“و هل الهجوم الجماعيّ ليس جبنًا؟ أيّتها العمّات ، أيّها الأعمام ، لا تقتربوا. إن اقتربتم فستفقدون عمدة قريتكم.”
تراجع الرجل ذو العضلات الضخمة خطوة إلى الوراء.
يبدو أنّهم لم يتخيّلوا أبدًا أنّني سآخذ رهينة ، و الحقيقة أنّني أنا نفسي تفاجأتُ.
كنتُ أخشى أن يندفعوا قائلين إنّهم متعصّبون لا يبالون بالعمدة أصلًا.
‘يبدو أنّ هذه القرية كانت تُدار بشيء يشبه الدكتاتوريّة أو حكم الخوف.’
رغم أنّني لا أتذكّر شيئًا بعد ، إلّا أنّ شعورًا بالاشمئزاز امتلأ في صدري.
كنتُ أفكّر إن كان عليّ الخروج من القرية بهذا الوضع للذهاب إلى مقابلة الكاهنة العظمى.
عند مدخل القرية ، لمعَت عدّة أضواء ، و اندفع الفرسان و أوثقوا سكّان القرية في لحظات.
“آآه! ما ، ما هذا؟ من هؤلاء؟!”
“نحن نعتذر! نعتذر! لم نفعل شيئًا! لم نفعل شيئًا……!”
“ارحمونا ، أرجوكم ، ارحمونا!”
الفرسان الذين وصلوا كانوا ستّة مع الكاهنة العظمى ، و القائد باران ، و أرنو.
ثمانية فقط ، و مع ذلك لم يجرؤ أيّ من سكّان القرية على المقاومة.
العمدة ، الذي كان لا يزال في قبضتي ، أخذ يلهث و يتخبّط ، لكن الأمر بدا و كأنّ دمية قشّ تُضرب بخفّة.
التعليقات لهذا الفصل " 137"