على الرغم من قربهم الشديد ، لم يكن هناك أيّ أثرٍ للحركة كما في المرّة السابقة ، ما جعل المشهد باعثًا على القشعريرة قليلًا.
ربّما لأنّهم مستعدّون للموت في أيّ لحظة متى ما تلقّوا أمرًا بذلك.
“آنسة ريبلي. تفضّلي ، خذي هذا…….”
قالها أرنو و هو يمدّ إليّ المصباح الذي كان يحمله ، و وجهه شاحب.
و حين أمسكتُ بالمصباح ، تابع بصوتٍ خافتٍ جدًّا.
“بما أنّني جئـتُ به من مسافةٍ بعيدة ، فلا بدّ أنّ أهل القرية قد لاحظوا أنّ أحدًا يقترب.”
كان ذلكَ صحيحًا فعلًا.
كنتُ مركّزةً فقط على مشاعل أهل القرية ، لكن من جهتهم ، لا بدّ أنّ ضوء المصباح الذي يحمله أرنو كان واضحًا لهم.
و هذا يعني أنّهم في حالة تأهّبٍ قصوى بالفعل.
المشكلة البسيطة الوحيدة أنّنا لم نأتِ من جهة الدير ، لكن يمكن تبرير ذلك بسهولة.
بعد أن أخذتُ نفسًا عميقًا بهدوء ، حوّلتُ نظري إلى الكاهنة العظمى.
“كنتُ آمل أن أتمكّن من الحديث معكِ على نحوٍ لائق. قبل أن ندخل ، خذي هذا أيضًا ، هلّا فعلتِ؟”
ما ناولتني إيّاه كان حبّةً كرويّةً صغيرة بحجم ظفر الإبهام.
“ما هذا؟”
“أداة لتسجيل الصوت. يكفي أن تحمليها معكِ ، هذا كلّ ما في الأمر.”
يبدو أنّها أشبه بجهاز تسجيل.
لم أشعر بخطرٍ منها ، فأدخلتها في جيبي و قلتُ.
“أقول هذا احتياطًا ، لكنّني لا أعرف تمامًا ما الذي سيحدث إن مـتُّ. لذلك ، إن شعرتِ أنّ الوضع خطير فعلًا، أرجوكِ ساعديني حتمًا.”
الموت فورًا مشكلة ، لكن في الحقيقة العودة إلى الماضي مشكلة أيضًا.
منذُ خروجي من الدير ، لم يظهر أيّ خيار.
و إذا أخذنا في الاعتبار أنّ نقطة العودة بعد موتي في الجسر المتأرجح في الطابق الرابع كانت خيارًا ، فالحذر واجب.
إعادة تكرار كلّ ما حصل حتّى هذه اللحظة ليس أمرًا صعبًا.
لكن تقبّل تصرّفات روين الغامضة و تعابيره من جديد لم يكن سهلًا ، و فوق ذلك ، ما يقلقني أكثر هو أنّني لا أعرف كيف ستؤثّر قوّة الحاكمة ، التي تزداد مع كلّ دورة ، عليّ لاحقًا.
و كأنّها تدرك قلقي كلّه ، أومأت الكاهنة العظمى برأسها و أضافت.
“أعـدكِ بذلك.”
أنرتُ الطريق أمامي بالمصباح ، و سرتُ بلا تردّد نحو المكان الذي تجمّعت فيه المشاعل.
كلّما اقترب الضوء ، بدأ التوتّر يتسلّل إليّ شيئًا فشيئًا.
‘لا بأس. مقارنةً بما تعرّضتُ له داخل الدير ، هذا لا يُذكر.’
لا تنسي الهدف.
عليّ أن أتظاهر بأنّني مرعوبة ، و أجعل أهل القرية يصرّحون بسبب وجوب موتي.
و بينما كنتُ أشدّ أعصابي ، اقتربتُ من المكان الذي يُفترض أنّه الساحة.
و كما توقّعت ، كان أهل القرية متجمّعين بوجوهٍ متجهّمة.
أخذتُ أتفحّصهم بسرعة.
في هلوسات حياتي السابقة ، كانوا جميعًا يستخدمون أدوات الزراعة كأسلحة.
و الآن ، بالفعل ، رأيتُ بعضهم يحمل معاول و مجارف و مناجل.
كما توقّعت ، كانت ذكرياتي عن القرية ضبابيّة ، و لا يوجد وجهٌ واحد مألوف.
لكن بين الجموع ، لفت انتباهي رجلٌ و امرأة بدت عليهما علامات الارتباك بشكلٍ واضح.
و بينما بدا الآخرون مطمئنّين ، أدركتُ أنّ هذين الاثنين على الأرجح هما والداي المزيّفان.
“……ليلي. عـدتِ حيّةً.”
و كما توقّعت ، نطق باسمي و تفوه بكلامٍ ذي مغزى.
بدلًا من الاقتراب أكثر ، تظاهرتُ باللهاث و قلتُ.
“أنا آسفة. قلتُم لي ألّا أدخل القلعة الشماليّة ، لكن بدافع الفضول دخلتُ و علقتُ هناك. تمكّنتُ من الهرب وحدي بطريقةٍ ما ، لكنّ الآخرين ما زالوا محتجزين داخل القلعة. أرجوكم ، ساعدوني.”
ما إن قلتُ إنّ الآخرين ما زالوا داخل القلعة ، حتّى تغيّر جوّ أهل القرية بشكلٍ حادّ.
لم أشعر بالخطر بعد ، لكن كان من الممكن أن يهجموا فجأة.
و بينما كنتُ متأهّبة ، تقدّم رجلٌ عجوز يتّكئ على عصا.
كان الآخرون في الأربعين أو الخمسين من أعمارهم على الأكثر ، لكن كان من الصعب تقدير عمر هذا العجوز.
هل هو عمدة القرية؟
كان ظهره محنيًّا بشدّة ، و وجهه مليئًا بالتجاعيد ، و عيناه باهتتين إلى حدٍّ مخيف.
تأمّلني العجوز بصمت ، ثمّ فتح شفتيه المتشقّقتين.
“يا صغيرتي ، ليلي. يجب أن أسألكِ بعض الأسئلة.”
كان صوته خشنًا كالرمل.
شعرتُ بانزعاجٍ غريب ، لكنّني أومأتُ برأسي.
ثمّ توجّه نظره الضبابي إلى المصباح الذي أحمله.
“من أين حصلتِ على هذا؟ و لماذا جئتِ من هذا الاتّجاه لا من جهة القلعة؟ هل التقيتِ أحدًا في طريقك؟”
كانت أسئلةً حادّة ، لكنّها ضمن ما توقّعته.
تظاهرتُ بالخوف و أجبتُ.
“تعرّضتُ لأمورٍ مرعبة داخل القلعة ، و لم أكن في وعيي الكامل… كلّ ما فكّرتُ به هو الهرب. ركضتُ بلا وعي حتّى وجدتُ كوخًا خشبيًّا. لم يكن فيه أحد ، و وجدتُ هذا هناك.”
“……لم يكن فيه أحد؟ هل أنتِ متأكّدة؟”
“نعم. كان فارغًا تمامًا. لكن…….”
“لكن ماذا؟ تكلّمي! هيا!”
لوّح العجوز بعصاه بإلحاح.
“كان الكوخ في حالة فوضى. كأنّ الناس تشاجروا داخله. و كان هناك إسطبل ، و حين نظرتُ داخله…وجدتُ رجلين غريبين ميتَين. كان الدم يسيل من رأسيهما ، كأنّهما تعرّضا لهجومٍ من الخلف….”
في تلكَ اللّحظة ، تشوّه وجه العجوز الذي أرجّح أنّه عمدة القرية.
لا ، بل يبدو أنّه ابتسم.
ذكري لتفاصيل الشجار أو لموت الفرسان نتيجة هجومٍ مباغت كان مقصودًا.
قالت الكاهنة العظمى إنّها تحتاج إلى دليلٍ على أنّ أهل القرية يسعون لإحياء الحاكمة.
كما فكّرتُ سابقًا ، لم أكن مهتمّةً بالسبب ، لكن عند ربط ردّة فعلها بما قالته ، ظهر الجواب إلى حدٍّ ما.
‘هناك مَن يحاول استخدام قوّة الحاكمة.’
و ربّما هذا الشخص يمنع القضاء على هذه القرية.
لم أفهم أبدًا لماذا تُترك هذه القرية قائمة ، لكن وجود قوّةٍ معارضة يفسّر الأمر.
‘قالت أنها الكاهنة العظمى الوحيدة في معبدهم ، إذًا لا بدّ أنّ هناك مَنٔ يملك سلطةً أعلى منها.’
هذا عالمٌ تهيمن فيه قوة المعابد ، و قد قالوا إنّهم يحظون بتأييدٍ شعبيّ واسع.
و مع ذلك ، تحتاج الكاهنة العظمى إلى دليلٍ على خطورة القرية ، بل و تُصرّ على إسكات الأمر بقتل الفرسان.
إذًا ، مَنٔ يمكنه امتلاك سلطة تُبقي هذه القرية تحت المراقبة لمئات السنين؟
‘على الأرجح ، ملك أو إمبراطور.’
كان مجرّد تخمين ، لكن شعورًا قويًّا باليقين رافقه.
تقديس الحاكمة لا يمنح فقط قوّة إرجاع الزمن ، بل الشباب الأبديّ و الحياة الخالدة أيضًا.
إعادة تشكيل التاريخ كما نشاء ، و العيش بلا موت.
حلم يراود أيّ شخص ، و بالأخصّ إن كان ملكًا أو إمبراطورًا. فطمع البشر لا حدّ له.
لكن تلك الحاكمة تطلب قرابين بشريّة.
و مجرّد تخيّل عدد الأرواح التي ستُلتهم مقابل هذه القوّة أمرٌ مقزّز.
‘ملك أو إمبراطور لا يتخلّى عن حلمه لخمسمئة عام أمرٌ مرعب ، لكن الكاهنة العظمى و فرسان المعبد ليسوا أقلّ رعبًا.’
و الآن ، عمدة القرية الذي يقهقه أمامي بوضوح ، لا بدّ أنّ له صلةً بتلك الجهة.
بدليل أنّه كان يتمتم منذ قليل.
“إنّه هو…… إنّه هو…….”
لا أعرف ما الذي يخطّط له ، لكن من الواضح أنّه كان يحيك مؤامرة.
كتمتُ اشمئزازي الفطريّ ، و فتحتُ فمي بحذر.
“علينا الإسراع إلى القلعة لإنقاذ باقي الأصدقاء. لا بدّ أنّهم ينتظرونني….”
أي ، هيا ، هاجموني و افضحوا سبب رغبتكم في قتلي!
نظرتُ جانبًا إلى والديّ المزيّفَين الواقفين بلا حراك.
لكنّهما كانا يحدّقان في العجوز بوجوهٍ متوتّرة ، من دون أن يقوما بأيّ فعل.
واصل العجوز ضحكه المقزّز ، ثمّ توقّف فجأة ، و كشف عن أسنانه الصفراء و قال.
“آه ، أجل. يجب إنقاذ الأطفال الآخرين؟ ما أطيب قلبكِ. إذًا لنذهب جميعًا معًا.”
“……ماذا؟”
“هيا، هيا. تحرّكوا بنشاط. علينا إنقاذ الأطفال!”
“…….”
لماذا ينحرف الأمر مجدّدًا إلى مسارٍ لم أتوقّعه؟
و بينما كنتُ أشعر بالارتباك ، خطر لي فجأة سبب هذا الانحراف الغريب.
الاختلاف الوحيد بين هذه اللحظة و هلوسات حياتي السابقة هو شيءٌ واحد.
الشخص الذي وصل إلى هنا هو ‘أنا’.
الأطفال الذين عادوا أحياءً في المرّات السابقة لا بدّ أنّهم قالوا إنّني كنتُ أوّل مَنٔ مات.
و إن لم يقولوا ، فلا بدّ أنّ أحدًا سأل.
ماذا حلّ بتلك الفتاة؟ ريب؟ ريبي؟ ريهي؟ ليلي؟
الآن فقط فهمتُ مغزى كلمات والديّ المزيّفَين.
لكن في كلّ الأحوال ، الوضع مأزق حقيقيّ.
صرختُ على عجل في وجه العجوز.
“كان هناك شخصٌ غريب داخل القلعة! هو مَنْ قال ذلك! قال إنّنا وُلدنا مرارًا بالشكل نفسه ، و دخلنا القلعة و متنا في كلّ مرّة! ما معنى هذا؟!”
إذا كان كلّ شيء يسير بعكس المتوقّع ، فلا بدّ من إعادته إلى مساره الأصليّ.
ما إن تفوّهتُ بهذه الكلمات علنًا ، حتّى تصلّب وجه العجوز فجأة.
التعليقات لهذا الفصل " 136"