انحنى القائد مرّة واحدة تحيّةً ، أمّا أنا فبقيتُ واقفةً أحدّق بها بذهول.
كنتُ أتوقّع شخصًا رجلاً يشبه العقل المدبّر الذي يعرف كلّ شيء…… لكنّها كانت مختلفة تمامًا عمّا تخيّلته.
امرأة ذات شعرٍ بنيٍّ فاتح ، و عينين بنيّتَين داكنتَين تميلان إلى الاحمرار ، بدت طيّبةً إلى حدٍّ لافت مهما أعدتُ النظر إليها.
لم تكن صارمة كما وصفها أرنو.
‘هل يوجد أكثر من شخص يمتلك منصب الكاهن الأعظم؟’
ما إن خطرت لي هذه الفكرة حتّى هزّت المرأة التي دُعيت بالكاهنة العظمى رأسها.
“مهما كان الشّكل الذي تصوّرتِني عليه يا آنسة ، فالكاهنة العظمى في معبدنا هي أنا وحدي.”
ظننتُ للحظة أنّني نطقتُ بما فكّرتُ به بصوتٍ عالٍ.
و بينما لم يدم ذهولي طويلًا ، تراجعتُ خطوةً إلى الوراء و سألتُ بعفويّة.
“هل تستخدمين قراءة الأفكار مثلًا؟ أعني ، هل تستطيعين قراءة ما في قلب الطرف الآخر.”
“إن أردنا الدقّة ، فأنا لا أقرأ ، بل أسمع. كان صوتكِ يرنّ في أذني من بعيد إلى درجةٍ مؤلمة.”
ضيّقت الكاهنة العظمى عينيها المستديرتين.
و في اللحظة نفسها ، حبستُ أنفاسي.
إذا كانت أفكاري تُسمع كصوت ، فهذا يعني أنّ كلّ ما فكّرتُ به عن روين ، و عن الحاكمة ، قد وصل إليها كاملًا.
حتى لو لم أكن أعرف الكثير عن هذا العالم ، فلستُ عديمة الفهم إلى هذا الحدّ.
كنتُ أنوي الذهاب إلى المعبد و شرح الوضع ، لكنّني في الأصل لم أكن سأكشف سوى ما قلته بالفعل للقائد و أرنو.
أمّا الآن ، فالأمر خرج عن السيطرة ، و لا أدري كيف سيكون مصيري ، فضلًا عن أيّ تعاون.
توجّه بصري دون وعي نحو الفرسان القتلى.
ثمّ إلى القنبلة التي رمتها غريتل داخل المنزل.
‘إنّها شخصٌ يصدر أوامر بقتل فرسانه الموالين من أجل إسكات الآخرين ، فكيف يمكن أن تتركني حيّة؟’
لن تقتلني فورًا ، لأنّها لا تعرف كيف ستتصرّف قوّة الحاكمة، لكنّ الحبس أو التعذيب؟ ذلك ممكن بسهولة.
إن كان لا بدّ من هذا المصير ، فالأفضل أن أعود إلى الدير و أموت على يد روين.
على الأقلّ ، سيعلم روين أنّني لم أكذب هذه المرّة.
…و كلّ هذه الأفكار لا بدّ أنّها تُسمع أيضًا ، و مع ذلك لم تُبدِ أيّ ردّة فعل.
في صمتٍ مشحونٍ بالقلق ، أخذتُ أحرّك عينيّ يمينا و يسارًا.
المواجهة المباشرة مستحيلة ، لكن هناك فتحة تشبه النافذة في الخلف.
فكّرتُ أنّه مهما كانت النتيجة ، عليّ الهرب من هناك ، و حين شددتُ ساقيّ استعدادًا ، تكلّمت الكاهنة العظمى.
“لا أنوي حبسكِ ، و لا تعذيبكِ ، و لا قتلكِ ، فاطمئنّي. لو كنتُ أنوي ذلك من الأساس ، لما كشفتُ عن قدرتي. حسنًا ، أعلم أنّ هذا الكلام وحده لا يكفي لكسب الثقة ، لكن….”
“…….”
“كما قلتِ بنفسك ، هدفُنا واحد. أليس هذا هو الأهمّ؟”
تلألأت عيناها الحمراوان ببرودة.
حتى إنّني شعرتُ بنفحة قتلٍ حادّة ، جعلت الفرسان القريبين ينتفضون ، أمّا أنا فلم أشعر بشيء.
لم تكن غاضبةً منّي ، و فوق ذلك ، بعد كلّ ما عشته داخل الدير ، يبدو أنّ القلب الجبان الذي في داخلي قد صار أقسى قليلًا.
أومأتُ برأسي موافقةً ، فارتسمت على وجهها ابتسامةٌ لطيفة.
“فلننتقل إلى مكانٍ أنسب للحديث. القائد باران ، تعالَ معنا. لا بدّ أنّ لديك ما تودّ سؤالي عنه.”
“نعم.”
يبدو أنّ اسم والد سيغ هو باران.
تقدّم القائد أوّلًا ، و تبعه أرنو بتردّد ، و لحقتُ بهما في المؤخّرة.
لكن ، إلى أين سنذهب؟ المكان المناسب للحديث لا يكون سوى الكوخ الخشبيّ الذي كنّا فيه قبل قليل ، لكنّه صار خرابًا بسبب القنبلة.
‘ثمّ إنّ الكاهنة العظمى يجب أن تكون في المعبد ، و مع ذلك وصلت إلى هنا في لحظة. هل هي تملك سحر انتقال؟’
كان مجرّد تخمين ، لكن ما إن خرجنا حتّى تأكّدتُ منه.
كان عدد الفرسان الذين جاؤوا معها ستّة ، و لم يكن هناك حصانٌ واحد.
من المرجّح أنّهم سيستخدمون الوسيلة نفسها للعودة إلى المعبد ، لكنّ ذلك أشعرني بعدم ارتياحٍ غامض.
و قبل أن أستغرق في التفكير أكثر ، قامت الكاهنة العظمى بمخاطبتي.
“لسنا ذاهبين إلى المعبد ، بل إلى القرية التي تعيشين فيها يا آنسة. بحسب تقرير الفارسة غريتل ، إن عدتِ إلى القرية فسيتمّ قتلكِ ، أليس كذلك؟”
“آه ، نعم. هل ترين تلك المشاعل المتجمّعة هناك؟ يمكن رؤيتها من هنا. إنّهم ينتظرون. وهي أيضًا إشارة تعني: إن خرجنا من الدير ، فلا يجب أن نضيع عن الطريق و نعود مباشرةً إلى القرية.”
“علينا التأكّد إن كان ذلك صحيحًا أم لا. سأقوم بحمايتكِ حتّى القرية. يجب أن نرى بأعيننا كيف سيتصرّف أهل القرية تجاهكِ عندما تعودين وحدكِ.”
“لكن قد أُقتَـل فعلًا…….”
“بحسب ما سمعت ، لقد تفاديتِ هجومًا شنّه فرساننا بنيّة القتل بكلّ سهولة ، أليس كذلك؟ يبدو أنّها قدرة خاصّة لديكِ ، فهل يعجز هجوم أهل القرية عن أن يكون أسهل؟”
“…….”
لم أستطع الردّ ، لأنّها كانت محقّة.
إن كان ما رأيته في الهلوسة صحيحًا ، فالشخص الذي سيحاول قتلي عند عودتي هو والدَيّ المزيّفَين.
‘مع أنّني لا أتذكّر عنهما شيئًا أصلًا.’
قال ريد إنّني ، مثل مينا ، تعرّضتُ للسيطرة بحجّة الحماية المفرطة.
و قال القائد أيضًا إنّ علاقتي بالأوصياء لم تكن جيّدة ، لذا فلا بدّ أنّ علاقتي بهم كانت سيّئة.
‘لكنّهم لن يهجموا عليّ جميعًا دفعةً واحدة كما فعل الفرسان ، لذا سيكون من الأسهل تفاديهم بالفعل.’
لقد فكّرتُ بالموت مرّاتٍ عديدة ، فلم يعد الخوف أو التردّد يعني لي الكثير.
و فوق ذلك ، قالت الكاهنة العظمى إنّها تريد التأكّد.
و هي التي تسمع أفكار الآخرين ، يكفي أن تقترب من القرية لتدرك أنّ أهلها يريدون قتلنا.
و مع ذلك ، فهي تصرّ على الذهاب ، مما يعني أنّها تحتاج إلى دليلٍ قاطع ، مادّيّ أو مكتوب.
فلو عدنا أنا و الفرسان معًا ، لأنكر أهل القرية الأمر حتمًا.
“حسنًا. هل يجب أن أسمع منهم سبب رغبتهم في قتلي؟”
“ذكيّة إلى حدٍّ لا بأس به. نعم ، في اللّحظة التي يصرّحون فيها بسبب وجوب موتكِ ، سنتدخّل فورًا. و بالطبع ، إن وُضعتِ في خطرٍ حقيقي ، فسنتدخّل أيضًا ، فلا تقلقي. و إن تعرّضتِ لهجومٍ ، سنقوم بعلاجكِ.”
لم أكن مهتمّةً بمعرفة لماذا أو لأيّ غاية ، و لا أرى ضرورةً لذلك.
ما يجب أن أسمعه منها هو طريقة القضاء على الحاكمة تمامًا ، أو ختمها على الأقلّ.
و كأنّها سمعت أفكاري ، رمشت ببطء.
“كما قلتُ قبل قليل ، هدفُكِ و هدفي واحد. و إن كان لديكِ ما يثير فضولكِ في الطريق إلى القرية ، فسأجيبكِ عن بعضه.”
“سنذهب سيرًا على الأقدام؟”
“لا يمكننا الركض أو الطيران ، أليس كذلك؟”
و في تلك الأثناء ، بدأ الفرسان الذين تفحّصوا المكان بالسير في صفٍّ متباعد.
انضمّ إليهم القائد باران و أرنو ، و سرتُ أنا إلى جانب الكاهن الأعظم.
بما أنّها قالت إنّها ستجيب عن أسئلتي ، سألتُ دون تردّد.
“هل هناك طريقة مؤكّدة للتخلّص من الحاكمة؟”
“نعم. على حدّ علمي ، هناك طريقة مؤكّدة.”
“و ما هي…؟”
“سنتحدّث عن ذلك بعد دخول القرية.”
كنتُ على وشكِ الجنون من الفضول ، لكن بما أنّني سأسمع الجواب حالما ندخل ، ابتلعتُ شعوري بخيبة الأمل.
و بدلًا من ذلك ، سارعتُ بطرح أسئلة أخرى.
“المسافة بين المعبد و هذا المكان ليست قصيرة ، فكيف وصلتم بهذه السرعة؟”
“هناك حجر انتقال مدفونٌ في الجوار.”
“و ما هو حجر الانتقال؟”
“كما يدلّ اسمه ، أداة تتيح الانتقال لمسافاتٍ بعيدة. دُفن تحسّبًا لأيّ طارئ ، و لم يكن أحدٌ يعلم بأمره سوى الفارسة غريتل.”
“الفارسة غريتل…… بالمناسبة ، إن كنتِ تنوين التفاوض معي بهذه الطريقة ، فلماذا قُتل فارسان آخران؟ و لماذا حاولتم قتل الفارس أرنو و القائد؟”
“إن حصلتِ على قوّة إرجاع الزمن ، هل تظنّين أنّكِ ستستطيعين العيش دون استخدامها؟”
هل هذه سمة مشتركة بين أهل المعبد؟ كلّما سألتُ عن شيء ، غيّروا الموضوع.
لكن يبدو أنّ السؤال ليس بعيدًا تمامًا عمّا طرحته ، لذا أجبتُ بصدق.
“بصراحة ، لا أظنّ ذلك. قال الفارس أرنو إنّ العودة إلى الماضي تعني سلب إنجازات الآخرين و تغيير التاريخ كما نشاء. لكن حتّى دون ذلك ، من الطبيعيّ أن يرغب أيّ شخص في تصحيح أخطاء ارتكبها أو اختيارات ندم عليها.”
“صحيح. الجميع يفكّر بهذا الشكل. و لهذا كان لا بدّ من القتل. إنّها تغوي مَنْ يدرك وجودها ، و مَنٔ يحتاج إلى قوّتها. تخيّلي لو انتشر خبر وجود كيانٍ كهذا نائمٍ هنا ، ماذا سيحدث؟”
“…ألا تثقين بالفرسان؟”
“الأمر لا يتعلّق بالثقة. ما إن يعرف السرّ أكثر من شخص ، لا يعود ذلك سرًّا. قد ينفلت الكلام دون وعي ، في حالة سكر أو أثناء الهذيان. غفلةٌ واحدة قد تجلب كارثة.”
“لكن الفارسة غريتل….”
“الفارسة غريتل أنهـت تقريرها لي ، ثمّ أنهـت حياتها بنفسها”
يا له من جنون.
الآن أفهم لماذا كان أرنو يحاول الهرب بجنون.
لم أعد أملك حتّى الجرأة على طرح الأسئلة ، و اكتفيتُ بالسير بصمت ، إلى أن اقتربنا من القرية.
التعليقات لهذا الفصل " 135"