“هل الأمور بخير الآن؟ أعني ، من ناحية الأوضاع الدوليّة أو ما شابه…….”
“في هذا العالم يوجد العديد من الجماعات ، فلماذا برأيك نُسمّى نحن فقط بفرسان المعبد؟”
“لو فكّرنا بالأمر بشكل عام ، فربّما لأنكم كنتم الأقدم ، أو لأنّكم الأشهر؟ أو لأنّ قوّتكم طاغية لدرجة أنّ باقي الجماعات لا تجرؤ على الاعتراض حتّى لو استخدمتم هذا الاسم.”
“نعم ، هذا صحيح. حاكمنا يشعر بالرّضا من خلال القضاء على الوحوش ، و الحفاظ على الأمن ، و حماية سلام الناس. و لهذا حظينا بدعم أكبر عدد من البشر منذ خمسمئة عام ، و بدأنا بتفكيك الجماعات التي تقدس الحكام الأشرار واحدة تلو الأخرى. ففي عالمٍ يسوده السّلام ، لا حاجة للأوبئة أو الحروب أو القرابين البشريّ ، أليس كذلك؟”
رغم كوني شخصًا عاديًّا للغاية ، كنتُ أوافق على هذا الكلام تمامًا.
فمجرّد الاستماع إليه يجعل فرسان المعبد يبدون جماعة ذات تأثيرٍ خيّرٍ للغاية.
و مع إدراكي لذلك ، ازداد شعوري بالاختناق ، ففتحتُ فمي مرّة أخرى.
“إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا حاول الكاهن الأعظم إسكاتنا؟”
و عندها فتح القائد فمه بدوره.
“لأنّه شخص فاضل.”
“…….”
لولا أنّه ليس والد سيغ ، لكنتُ قد أمسكتُ بياقته و هززته بعنف.
تنفّستُ زفرةً عميقة من شدّة الإحباط ، و في تلك الأثناء كان أرنو جالسًا القرفصاء إلى جانب جثث الفرسان القتلى ، فأضاف شرحًا.
“الكاهن الأعظم شخص صارم للغاية ، سواء بالمعنى الجيّد أو السيّئ. إنّه يرى أنّ تضحية شخصٍ ما في سبيل سعادة الكثيرين أمرٌ طبيعي. حتّى لو كان هو نفسه مَنٔ سيتم التضحية به.”
هل هذا نوع من النفعيّة؟ لو صدق كلامه ، فهذا يعني أنّ الكاهن الأعظم يختار في كلّ مرّة ما يحقّق مصلحة الأغلبيّة.
بصراحة ، لو كنتُ أنا مَن سيتم التضحية بها ، لكنتُ مصدومة و غاضبة ، لكن لو كان العكس ، فربّما كنتُ سأصمت___
و من هذا المنطلق ، إن كان هذا هو معنى كونه “فاضلًا” ، فأظنّ أنّني أستطيع فهم ذلك إلى حدٍّ ما.
فليس هناك الكثير من الناس المستعدّين للتضحية بأنفسهم ، بل يكتفون بالقول: طالما أنّني لستُ أنا ، فلا بأس بذلك.
“هل انكشاف أمر دير لاتري و وجود الحاكمة يُعدّ خطيرًا إلى هذا الحدّ؟”
إن كان هناك سبب يستدعي إسكاتنا ، فلا بدّ أنّه هذا.
أومأ أرنو برأسه و قد ارتسمت على وجهه ملامح تؤكّد دقّة كلامي.
“يُقال إنّ الحاكمة التي كان تقدَّس في دير لاتري تمتلك قوّةً خطيرة للغاية.”
“قوّة خطيرة؟ هل تقصد أنّها تقتل الناس؟”
“……قد يبدو مضحكًا أن أقول هذا لكِ ، لكن ينبغي ألّا يُعرف هذا الأمر في الخارج ، و لو بنسبةٍ ضئيلة.”
أمام تعبيره الجادّ ، عقدتُ حاجبيّ و أومأتُ برأسي بدوري.
و رغم عدم وجود مَ يستمع ، أخفض أرنو صوته إلى أدنى حدّ.
“قوّة الشباب الأبديّ و الحياة الخالدة ، و قوّة إرجاع الزمن. يُقال إنّه يمكنها إعادة الزمن مع الاحتفاظ بكلّ الذكريات ، و الحصول على المصير الذي تريده بيدها. و العودة إلى الماضي تعني سلب كلّ إنجازات الآخرين و ثمار جهودهم ، و تغيير التاريخ كما تشاء.”
شعرتُ و كأنّ القوّة قد انسحبت من جسدي كلّه دفعةً واحدة.
سقط الخنجر الذي كنتُ أقبض عليه بقوّة على الأرض.
الشباب الأبديّ و الحياة الخالدة ، أي الخلود.
إنّها اللّعنة التي أصابت روين و فينستيرنيس.
ثمّ قوّة إرجاع الزمن ….كان هناك ما يخطر في بالي حيال ذلك أيضًا.
كنتُ قد سألتُ روين داخل الدير.
‘……كان هنفلين يحاول استخدام جسدي كوسيطٍ لحلول الحاكمة ، أليس كذلك؟ لا تقل لي إنّ ذلك قد نجح؟’
لم يجبني روين على هذا السؤال ، لكنّني شعرتُ أنّني أعرف الإجابة يقينًا.
كان هناك بند في نافذة النظام المدوّنة : ‘أنا أموت ثمّ أعود للحياة. هل هذا يُعـدّ موتًا حقًّا؟’
كان عليه علامة إكس ، ممّا يعني أنّ السبب ليس الموت ، بل شيئًا آخر.
و كانت قوّة الحاكمة هي الجواب.
‘هل ذلك الكيان الهائل كامنٌ داخلي….’
شعرتُ بقشعريرة تكاد تُفقدني صوابي ، لكن كما كان يحدث دائمًا ، مع انكشاف حقيقةٍ واحدة ، توضّحت أشياء أخرى أيضًا.
الأسهم التي رأيتها في الحديقة يُرجّح بدرجة كبيرة أنّها من تلاعب الحاكمة.
و كذلك ، فإنّ قوّتها الكامنة داخلي تتصادم مع طاقتي السحريّة.
أمّا نافذة النظام التي ظهرت و كأنّها علقت بخطأ أمام البرج ، فهي نابعة من قوّتي أنا وحدي.
لكن نافذة النظام التي جعلتني أحيانًا أتساءل إن كنتُ قد جُننت ، فلا شكّ أنّ الحاكمة قد تدخّلت فيها.
‘….هل كان روين يعلم؟’
من كونه لم يجب عندما سألته إن كان استخدامي كوسيط قد نجح ، يبدو أنّه كان يعلم ، أو على الأقل كان يشكّ في الأمر.
هل كان تحذيره لي ألّا أعود ، و تهديده بقتلي إن عـدتُ ، بسبب هذا؟
هو بطبيعته لا يُظهر ما في داخله ، و يتقن الخداع بمهارة ، و كلّما سُئل عن شيء ابتسم و قال: “مَنٔ يدري” ، ممّا كان يثير الجنون في كثير من الأحيان.
لكن كلّما فكّرتُ في روين ، كان شعورٌ دافئ و مؤلم يتدفّق في صدري.
بينما كنتُ غارقةً في أفكاري ، كان أرنو و القائد يتبادلان الآراء حول ما إذا كان ينبغي العودة إلى المعبد أم لا.
و كما في السابق ، كان موقف أرنو هو عدم العودة ، في حين أصرّ القائد على وجوب العودة.
هزّ أرنو، و قد شحب وجهه ، رأسه مرّةً أخرى.
“سيّدي القائد ، لا يمكنني أن أموت أبدًا. بعد انتهاء هذه المهمّة ، اتّفقتُ على…. على الزواج!”
……لقد رفع أرنو راية الموت بنفسه.
تردّد القائد للحظة ، و كأنّه لم يكن يعلم أنّ أرنو سيتزوّج قريبًا ، أمّا أنا ففتحتُ فمي بشعورٍ من الشفقة.
“سواء عدنا إلى المعبد أم لا ، ألن يأتوا لإسكاتنا مرّةً أخرى على أيّ حال؟ لقد قطعوا ألسنتهم لمنعنا من الهرب بعيدًا ، لكن إذا جاءت الفارسة غريتل و معها آخرون ، فسنُقتل على أيّ حال.”
“و لهذا أقول إنّ علينا الهرب. علينا أن نُتقن التظاهر بالموت حتّى لا يتمكّن المطاردون من اللحاق بنا. في قرية الآنسة ريبلي ، أليس هناك خيول؟ لنستعر واحدًا على الأقل….”
“لا أظنّ أنّ هناك خيولًا. رأيتُ أبقارًا و دجاجًا ، لكن ليس خيولًا.”
أجبتُه و أنا أتذكّر مشهد القرية الذي رأيته من خلال الهلوسة ، فارتسمت على وجه أرنو ملامح الندم.
“إذًا ، لنستعر بقرةً على الأقل….”
“الدخول إلى القرية الآن خطير ، أيّها الفارس أرنو. لم أذكر هذا من قبل ، لكن كانت هناك حالات خرج فيها أشخاص من الدير أحياء. لكن عندما عادوا إلى القرية ، قُتلوا على يد أهلها.”
“ماذا ، ماذا تقصدين……؟”
“كما قلتُ سابقًا ، ما يريده أهل القرية هو إيقاظ الحاكمة النائمة في الدير. و لهذا قدّموني أنا و أصدقائي قرابين ، لكنّنا عدنا أحياء. و هم يعلمون أنّ مَن يموت يتناسخ ، فيبادرون إلى قتلنا فورًا. لأنّه من الأسهل تكوين صداقة مع أشخاص في العمر نفسه. سيكونون جميعًا مترصّدين لنا ، فهل تظنّ أنّهم سيسمحون لكم بالمغادرة بسلام إن جئتم تطلبون استئجار بقرة؟”
بينما كنتُ أشرح ذلك لهم ، عاد إليّ مجدّدًا شعور بأنّها قرية حقيرة.
ازداد شحوب وجه أرنو ، أمّا تعبير القائد فتصلّب إلى أقصى حدّ.
لم يطل الوقت الذي قضيناه في الحديث ، لكنّه كان كافيًا ليُدرك ذلك الرجل ما الذي تعنيه كلماتي.
و أنا بدوري ، و قد وجدتُ نفسي عاجزة عن معرفة ما يجب فعله ، لم أجد سوى التنفيس بزفرةٍ طويلة.
‘إن عـدتُ دون أن أحصل على أيّ دليل ، فروين سيقتلني فعلًا.’
لكن ذلكَ لن يكون النهاية.
الآن ، و قد بات شبه مؤكّد أنّ قوّة الحاكمة كائنةٌ داخلي ، أستطيع أن أفهم الأمر.
حتّى لو مـتُّ ، فلن يحدث شيء سوى أنّني سأعود إلى الماضي مرّةً أخرى.
المشكلة أنّ تلك القوّة لا تبدو و كأنّها تساعدني بنقاءٍ تامّ.
قبل إرجاع الزمن ، لم تكن نافذة النظام تُعرّضني للخطر.
‘حتّى المال حين يُستدان تُفرض عليه فوائد ، فاستعارة القوّة لا بدّ أن تكون مشابهة.’
في حالتي ، كلّما استخدمتُ قوّة الحاكمة أكثر ، زادت قدرتها على التدخّل فيّ ، على ما يبدو.
لو كنتُ أنا قبل أن أتذكّر حياتي السابقة ، لكنتُ قد هربتُ دون أن ألتفت خلفي.
لكن الآن ، لم أعد أرغب في ذلك.
‘هذا ليس وقت إضاعة الوقت. عليّ أن أضع خطّة ، أيّ خطّة كانت.’
أخذتُ نفسًا عميقًا ثمّ زفرتُه ، و نظرتُ إلى القائد و أرنو بالتناوب و قلتُ.
“الوضع معقّد للغاية ، لكن الأهمّ أنّ الكاهن الأعظم يريد هو أيضًا التخلّص من الحاكمة، أليس كذلك؟ لِنذهب إلى المعبد أوّلًا و نشرح له وضعي….”
“لا حاجة لذلك.”
جعلني الصوت القادم من خارج الإسطبل المفتوح على مصراعيه ألتفتُ مذعورةً.
لم أشعر بأيّ صوت أو أثرٍ لوجود أحد ، لكن في الخارج وقف فرسان يرتدون دروعًا بيضاء.
و الشخص الذي خاطبني كان امرأةً في منتصف العمر ، ذات ملامح ودودة و دافئة إلى حدٍّ لافت.
التعليقات لهذا الفصل " 134"