مع مرور الوقت ، انقشعت الغيوم و أشرق ضوء القمر من جديد.
بعد ذلك حاولتُ عبور الباب عدّة مرات أخرى ، لكن لم يتغيّر شيء.
‘لماذا……؟’
مهما فكّرتُ و كرّرت التفكير ، كان من الصعب فهم تصرّفات روين.
أعرف أن روين يحمل مشاعر متناقضة تجاهي.
و أعرف أيضًا أن إخراجي إلى الخارج و قوله “لا تعودي” هو امتداد لتلك المشاعر.
لكنني قلتُها بوضوح.
قلتُ إنني سأبقى إلى جانبه أيًّا كانت النتيجة.
“……من الأساس ، خروجي من هذا المكان وحدي لا معنى له أصلًا.”
تمتمتُ بهذا الحديث الذي لا أدري إن كان سيصل إلى روين أم لا ، و قبضتُ على يدي بقوّة.
ما دام الأمر قد وصل إلى هذا الحد ، فلا بدّ أن أعثر على أيّ خيط مهما كان.
قال إنه إن عدتُ فسيقتلني حقًا ، لكن بعد أن سمعتُ تهديدات بالقتل مرارًا ، صرتُ على نحوٍ غريب غير مبالية.
و مع ذلك ، ما منحني أملًا و لو ضئيلًا هو أن عَلَم “فتاة الحقيقة” لم يتمّ استعادته.
‘لا بدّ أن يكون هناك شيء. لا بدّ من ذلك.’
بينما أُحكِم عزيمتي ، أخذتُ نفسًا عميقًا ، ثم التقطتُ عصًا كانت ملقاة بلا ترتيب ، و بدأتُ أتحرّك.
حتى لو لم يكن طريقًا حقيقيًا ، لم يكن من الصعب العثور على الاتجاه.
كانت المنطقة المحيطة بالدير مليئة بنباتات القصب ،
لكن الأماكن التي لم ينبت فيها العشب كانت تمتدّ كأنها طريق.
و بينما كنتُ أسير بحذر على طول ذلك المسار ، رأيتُ ضوءًا من بعيد.
فانكمش جسدي تلقائيًا و اختبأتُ بين القصب.
كان الظلام يلفّ المكان ، لكن القمر ما زال ظاهرًا.
ضيّقتُ عينيّ و أمعنتُ النظر ، فرأيتُ على نحوٍ باهت شكلًا يُشبه البيوت.
‘تلكَ… القرية التي كنّا نعيش فيها.’
لم تكن المشاعل المتحرّكة في الظلام واحدًا ، بل عدّة مشاعل.
لو كنتُ قد خرجتُ لتوّي من قلعة الوحوش دون أن أعرف شيئًا ، لكنتُ شعرتُ بالاطمئنان عند رؤيتها.
و لقلتُ : ‘إنهم مجتمعون للبحث عنّا.’
لكن بعدما عرفتُ الكثير ، صرتُ أفهم.
إنها علامة.
علامة تقول: لا تذهبوا إلى مكان آخر ، عودوا إلى هناك و موتوا.
و لحسن الحظ ، بدا أنهم لا ينوون التحرّك من هناك ،
إذ بقيت المشاعل مجتمعة في مكانٍ واحد دون أي حركة.
و انطلقتُ و أنا منكمشة ، متّجهةً إلى اتجاه لا هو القرية و لا هو الدير.
لم يكن طريقًا ممهدًا ، و اضطررتُ لشقّ القصب ،
لكن بعد فترة قصيرة ، وطئتُ أرضًا مستوية نسبيًا.
و بالمقارنة مع الطريق المؤدي إلى الدير ، كان هذا طريقًا مصنوعًا على نحوٍ أفضل ، إذ ظهرت عليه آثار عجلات باهتة.
‘هل هو متصل بمدينة أخرى؟’
ربّما كان سيغ قد جاء إلى القرية عبر هذا الطريق حين كان صغيرًا.
و ذلك يعني أنه إن سرتُ على هذا الطريق ، فهناك احتمال كبير أن ألفتَ انتباه فرسان المعبد الذين يراقبون المكان.
شدّدتُ قبضتي على العصا ، و تقدّمتُ بخطى متعمّدة.
‘في حياتي السابقة ، لماذا قتلوني فجأة متّهمين إيّاي بالسحر؟ لا بدّ أن تصرّفاتي كانت مريبة.’
الركض كالمجنونة و شعري يتطاير في كل اتجاه كان سيبدو مريبًا لأيّ شخص.
لذلك ، الآن أسير بهدوء.
ليس و كأنني أهرب ، بل كأنني أبحث عن شخص ما.
طق ، طق ، طق.
في هذا السكون العميق ، لم يكن يُسمَع سوى صوت خطواتي.
كنتُ أسير و قد شددتُ أعصابي كما فعلتُ حين كنتُ أتنقّل داخل الدير ، مترقّبةً أيّ حركة.
و فجأة ، شعرتُ بنذير خطر.
إحساس شبيه بذلك الذي كان يسبق محاولات روين لقتلي.
“……!”
تحرّكتُ سريعًا إلى الجانب دون وعي.
و في اللّحظة نفسها التي أفلتُّ فيها ، انغرس رمح في المكان الذي كنتُ أقف فيه.
لم يكن لديّ وقت لتهدئة قلبي الذي يخفق بسرعة ، إذ ظلّ إنذار الخطر يقرع في رأسي ، و تحرّكتُ وفق تيّار الوعي وحده.
خطوتان إلى اليمين ، قفزة إلى اليسار ، دحرجة أمامية ثم قفز ، ثم إلى اليسار مجددًا.
كلما تحرّكتُ بجنون ، انغرست سهام في الموضع الذي كنتُ أقف فيه ، أو انفتحت حُفر في الأرض.
“آآاه ، آه……!”
كنتُ أحاول كتم صوتي قدر الإمكان ، لكن الصراخ كان يفلت منّي دون إرادة.
و بينما كنتُ أتفادى تلك الهجمات المشبعة بالقتل ، إلى درجة أن زلّة بسيطة تعني موتًا فوريًا ، فكرت أن روين يبدو كملاك مقارنة بهذا الوضع.
‘ما هذا الجنون! كيف يهاجمون مدنيًا يسير بشكلٍ طبيعي هكذا؟!’
لولا مهارتي في استشعار الفخاخ و الأعلام ، لكنتُ قد انتقلتُ إلى العالم الآخر منذ زمن.
لا أعلم كم من الوقت مرّ.
بينما أتفادى الهجمات المتطايرة كأنني أمارس تمارين رياضية تحت ضوء القمر ، اختفى أخيرًا ذلك الإحساس اللاذع.
كان الأمر مُرهقًا بقدر ما كان عليه حين طاردني إيديلاين (الروح الشريرة) في الجولة الأولى.
لكن ما إن جلستُ مترنّحة حتى شعرتُ بشيءٍ آخر مجددًا.
فلوّحتُ بالعصا التي كنتُ أمسكها بلا تفكير.
طاخ.
دوى صوت مكتوم ، و سرى وخز في ذراعي.
فتحتُ عينيّ اللتين كنتُ قد أغمضتهما دون وعي ،
فرأيتُ شبكةً محكمةً مربوطة ، و قد وُضِعت فيها عدّة حجارة.
‘لو أصابتني ، لربّما تحطّم رأسي….’
كان من حسن الحظ أنني أحضرتُ العصا.
فلو حاولتُ صدّ ذلك بيدي العارية ، لتحطّمت يدي تمامًا.
لم تعد هناك قوّة في ساقيّ.
و بينما كنتُ جالسة بذهول ، سُمِع صوت حوافر خيل.
رفعتُ رأسي بتوتّر ، فرأيتُ كما توقّعت ، الفرسان.
ثلاثة رجال و امرأة واحدة.
لم يكونوا يرتدون دروعًا كاملة ، بل تجهيزًا خفيفًا ،
و كانت تعابير وجوههم كلّها متصلّبة.
و بينما أراقبهم ، تقطّبتُ جبيني عند رؤية رجلٍ في منتصف العمر قفز عن حصانٍ أسود أنيق.
‘……سيغ؟’
كان يشبهه.
لون الشعر و لون العينين متطابقان ، حتّى إنني استطعتُ بسهولة أن أتخيّل أن سيغ سيبدو هكذا عندما يكبر.
تقدّم الرجل بوجهٍ جامد لا يبدو و كأن إبرةً يمكن أن تُخرج منه قطرة دم ، و نظر إليّ من الأعلى و تحدّث.
“ألم تفهمي معنى قاعدة القرية التي تقول إننا لا نبحث عن المفقودين ليلًا؟ لا أعلم كيف تفاديتِ الهجوم ، لكن الأمر انتهى.”
قالها بصوتٍ منخفض ، ثم وضع يده على خصره.
انسلّ نصل السيف من غمده مصدِرًا صوتًا باردًا ، و لمع بريقه الأزرق ، ثم رفع السيف عاليًا.
و بينما بدا كأنه سيقطع رأسي بضربة واحدة ، صرختُ على عجل.
“سي ، سيغ! أنتَ من أقارب سيغ ، أليس كذلك؟!”
لشدّة استعجالي خرج كلام غريب.
ليست عائلة بل “أقارب”؟
تساءلتُ في داخلي عمّا حلّ بقدراتي اللغوية ، لكن الرجل توقّف ، و السيف ما زال مرفوعًا.
إن بقيتُ هكذا ، فلن أستطيع حتى التملّص.
شدَدتُ على أسناني و نهضتُ ، ثم تابعتُ فورًا.
“أنا صديقة سيغ. و دخلتُ معه دير لاتري ، ثم خرجتُ وحدي بعدما عرفتُ سرّه. أنتم فرسان المعبد ، أليس كذلك؟ لم أكن أتسكّع لجهلي بقواعد القرية ، بل كنتُ أبحث عنكم لأقابلكم.”
من حديثه عن قواعد القرية ، يبدو أنهم يقتلون كل مَنٔ يتجوّل ليلًا ، سواء كان مريبًا أم لا.
و أمام أشخاص كهؤلاء ، لم يكن هناك داعٍ لجسّ النبض أو إضاعة الوقت.
حين ألقيتُ صلب الموضوع مباشرة ، ارتجف الفرسان بشكلٍ ملحوظ.
و مع ذلك ، تردّدتُ في ذكر الحاكمة مباشرة.
كنتُ أنتظر بقلق أيّ ردّ فعل أو إجابة ، عندها فتح الرجل الذي يُرجَّح أنه من عائلة سيغ فمه.
“نحن نعرف اسمكِ. إنه… ليلي ، أليس كذلك؟ سمعتُ أن سمعتكِ في القرية ليست جيّدة. علاقتك بأوصيائك سيّئة ، و يُقال إنكِ كنتِ تهذين كثيرًا في صغرك.”
لا يكتفون بالمراقبة من بعيد ، بل تصلهم المعلومات أيضًا.
سمعة سيّئة في القرية.
علاقة متوترة مع الأوصياء.
و هذيان في الطفولة.
حتى دون ذاكرة ، كانت تلك الصفات تناسب “ليلي” التي تحدّث عنها أصدقائي ، فأومأتُ برأسي على مضض.
“لأنني أعرف أن أهل تلك القرية هم أحفاد متعصّبين مجانين….”
حذفت الكثير من الكلام ، لكن هذا كل ما استطعتُ قوله الآن.
ظلّ الرجل صامتًا ، لكنني شعرتُ أن حدّة الأجواء قد خفّت قليلًا.
ابتلعتُ ريقي ، و تذكّرتُ روين و هو يودّعني ، ثم أضفتُ برجاء.
“أرجوكم ، ساعدوني. أهل القرية يخطّطون لشيء جنونيّ. علينا أن ندمّرهم قبل أن نُدمَّر نحن.”
كان الجواب الذي أريده واحدًا.
“……علينا أن نستمع إلى القصة بالتفصيل. اتبعيني بهدوء.”
أعاد الرجل سيفه إلى غمده ، و سحب كل نوايا القتل.
و أخيرًا ، تراخى جسدي الذي كان مشدودًا من شدّة التوتّر.
التعليقات لهذا الفصل " 129"