خُتِم روين في هذا المكان في الفترة التي أُغلِق فيها الدير.
و خلال خمسمئة عامٍ من تكرار تناسخنا و مجيئنا إلى هنا ، لم يحصل إلا على بعض المعلومات عبرنا ، أمّا ما يتعلّق بالقرية فلا بدّ أنّه لا يعرف عنه شيئًا.
على الأرجح.
كنتُ أتجاهل إيديلاين و فريسينغير اللذين واصلا الالتصاق بي بإلحاح ، حين فتح روين فمه.
“و كيف تنوين التواصُل مع فرسان المعبد؟”
“لا أعرف أين هم ، لكن إذا حاول أحد الهرب من القرية فسيظهرون. أنا متأكّدة ، لأنّني مـتُّ بهذه الطريقة من قبل.”
لا بدّ أنّهم يراقبون كي لا يتمكّن أحد من مغادرة القرية.
لكن للتواصل مع فرسان المعبد بهذه الطريقة ، كان لا بدّ أوّلًا من الخروج من الدير بسلام.
أي إنّ ذلك يعني ضرورة إقناع روين ، الذي لا يبدو أنّه سيُفلِتُنا بسهولة.
“…….”
ابتسمتُ ابتسامةً محرِجة و أنا أحدّق به.
عاد إليّ نظر جامد خالٍ من المشاعر.
و مع طول الصمت ، تسلّل إليّ شعورٌ سيّئ ، فسارعتُ إلى فتح فمي.
“فرسان المعبد يراقبون القرية. المكان الذي وُلدنا و نشأنا فيه أسّسه أتباعٌ هاربون. قلتُ هذا سابقًا ، لكن الغريب أنّهم تركوا هذا المكان المشؤوم قرب القرية دون تدخّل لخمسمئة عام ، و الأغرب أنّ أهل القرية لا يعرفون أصلًا مفاهيم مثل الحاكم أو المعبد أو الصلاة…..آه؟”
كنتُ أحاول إطالة الحديث قدر الإمكان ، لكن حين أعدتُ التفكير في كلامي ، بدا الأمر غريبًا.
سكان القرية هم أحفاد المتعصّبين ، و هم يتمنّون عودة الحاكمة.
و السّبب في إرسالهم لنا مرارًا إلى الدير هو تقديمنا قرابين للحاكمة.
بينما كنتُ أضغط بأصابعي على جسد أسمير الطريّ ، تابعتُ الكلام بسرعة.
“غياب أيّ معرفة حول هذه الأمور في القرية سببه على الأرجح سيطرة فرسان المعبد. لكن رغم أنّهم يطاردون مَنٔ يحاول الهرب و يقتلونه ، يبدو أنّهم لا يهتمّون بما يجري داخل القرية. لأنّ أهل القرية ، كما تعلم ، كانوا يتناولون العشاء معًا كلّ مساء. و قالوا إنّهم أكلوا في الطابق الأوّل شيئًا يشبه الحساء الأخضر الذي قدّمته أنت.”
و هذا يعني أنّهم ما زالوا ، رغمَ مرور خمسمئة عام ، يتّبعون بعض عادات و ثقافة الدير.
فرسان المعبد يحملون عداءً شديدًا لأهل القرية ، إلى درجة أنّهم أحرقوني حيّة دون أن يستمعوا إلى أيّ تبرير.
و هو أمرٌ مفهوم.
فهم جماعةٌ مجنونة كانت تقدّس عملاقة تلتهم البشر ، و تقدّم الأطفال قرابين.
و بسبب ما ارتكبوه ، ظلّ فرسان المعبد يراقبون القرية خمسمئة عام ، و لا يمكن أن تكون لديهم مشاعر طيّبة تجاههم.
و لهذا ، فإنّ تركهم لثقافة الدير و حياته تستمرّ يبدو ، من ناحيةٍ ما ، أمرًا غير طبيعيّ.
ارتجف روين قليلًا عند سماع كلمة “حساء”.
يبدو أنّه لم يكن يعلم بذلك أيضًا.
“حتّى لو لم يعرفوا ما هو الحاكم، فهم يؤمنون بأنّ ما خُتِم في الدير هو وجودٌ سيخلّصهم. و لهذا يحاولون تقديمنا قرابين. و أنتَ قلتَ بنفسكَ ، يا روين ، إنّك لا تعرف سبب تناسخنا المتكرّر. هذا صحيح، أليس كذلك؟”
طوال الوقت كان يُخفي الأمور أو يراوغ بذكاء ، لكنّه الآن يجيب بصدق عن كلّ شيء.
و عندما طرحتُ السؤال بسرعة دون أن أترك له مجالًا للتفكير ، أومأ برأسه.
بدا و كأنّه أدرك فعلته متأخّرًا ، إذ عبس قليلًا ، لكن الأهمّ الآن هو تعزيز يقيني بفرضياتي.
“فرسان المعبد على الأرجح لم يدركوا كلّ هذا. و ربّما يوجد سببٌ ما يمنعهم من الاقتراب من القرية. لكن الأهمّ هو الكيان الذي يدبّر كلّ هذه الأوضاع…….”
“الحاكمة، أليس كذلك؟”
قاطع صوتُ روين الهادئ كلامي.
الأربعة الذين كانوا يرتجفون كلّما ذُكرت الحاكمة أصبحوا الآن ملتصقين بي تمامًا.
الملمس الطريّ لوحشٍ سائل بين ذراعيّ ، و اليد الصغيرة لفينستيرنيس على يساري ، و ضغط الرأس الضخم على يميني ، و القشعريرة القادمة من الزومبي خلفي.
و مع ذلك ، كان لهذا الوضع جانبٌ إيجابيّ.
فحتّى لو نصب روين فخًّا ، فأنا نسبيًّا في أمان.
‘إنّه مجرّد مظهرٍ غريب. مجرّد مظهر…….’
تمتمتُ بذلك في داخلي و كأنّي أُنوّم نفسي ، و أومأتُ برأسي بخفّة.
“حين رأى فين أتباعًا تحوّلوا إلى تلك الهيئة البشعة ، قال إنّهم يتلقّون عقابهم. و إنّ التهام الحاكمة لهم هو عقابهم. لم أكن أفهم معنى ذلك حتّى قبل قليل ، لكن أليس مَنٔ يعاقب هي الحاكمة نفسها؟”
لم يُجِب روين، بل نظر إلى جانبي.
و حين تبعتُ نظره ، ارتجف فينستيرنيس و تمتم بصوتٍ خافت.
“قالت الحاكمة إنّها لن تُفوّت أحدًا. و إنّ السلالة التي لم تحمِ نفسها ستُعاقَب…….”
“كانت نشِطة جدًّا قبل أن تنام. على أيّ حال ، أظنّ أنّنا نستطيع المساومة بهذه المعلومات مع فرسان المعبد.”
بصراحة ، لا أعلّق آمالًا كبيرة على أنّ فرسان المعبد يعرفون طريقةً للقضاء على تلكَ العملاقة.
فلو كانوا يعرفون ، ألن يكونوا قد حاولوا منذ خمسمئة عام؟
لكن يمكن التفكير بطريقةٍ أخرى.
ربّما كانت هناك طريقة ، لكنها بالغة الصعوبة ، أو كان هناك سببٌ منعهم من تنفيذها آنذاك.
هااا.
هدّأتُ أنفاسي المتسارعة من شدّة التوتّر ، ثمّ قلتُ لروين.
“أرجوك مرّةً أخرى ، يا روين. دعنا نخرج. لن أتجاهلك لا أنتَ و لا الآخرين أبدًا. حتّى لو لم يكن هناك أيّ حلّ ، فلا بأس. سأعود حتمًا ، و سأبقى هنا معكم.”
“……ماذا؟”
انكسرت ملامح روين الجامدة أمام كلماتي التي خرجتُ بها و أنا أقبض على جسد أسمير المتماوج بدلًا من قبض يدي.
و بينما أنظر إلى وجهٍ اختلطت فيه الدهشة و الذهول ، أضفتُ.
“اسمع. لماذا لم يقم فرسان المعبد بإبادة الأتباع كلّهم ، و سمحوا لهم بالعيش في القرية؟ بالتأكيد ليُبقوهم مراقبين كي لا تستيقظ الحاكمة النائمة في الدير. لأنّها حين تفتح عينيها ستأكل البشر. لكنّهم لم يكونوا يعلمون بوجودنا.”
“…….”
“و بصراحة ، أرى أنّ تحميل الأحفاد ذنب أسلافهم أمرٌ قاسٍ جدًّا. فهُم لم يختاروا أن يولدوا من نسلهم. لكن بما أنّ هذا ليس أمرًا أستطيع تغييره ، فلنتجاوزه الآن. إذا شرحنا لهم كلّ هذه الظروف ، فسيرسلوننا نحن ، الذين من المقرَّر أن نُقدَّم كقرابين ، إلى مكانٍ آخر. قد نموت فورًا إن لم يحالفنا الحظّ ، لكن بما أنّ الموت محتوم على أيّ حال ، فمن الأفضل المحاولة.”
إذا كان المصير الموحل محتومًا ، فلا بأس من محاولة تغييره قليلًا.
“و إن لم توجد طريقة لإيقاف الحاكمة ، فسيظلّون بحاجةٍ إلى حارس. سأعرض أن أتولّى ذلك. و أنتَ أيضًا ، يا روين، كنتَ تقتلنا كي لا تستيقظ الحاكمة ، أي إنّ هدفنا واحد. و حتّى لو استولت روحٌ شرّيرة على جسدي ، فيمكن لفين أن يلتهمها ، أليس هذا مقبولًا؟”
الأهمّ هنا هو أنّني لا أحتاج إلى طعامٍ أو ماء.
لا أعلم إلى متى سيستمرّ هذا الأثر ، لكن إن أصبح مشكلة ، فيمكننا ببساطة إنشاء بستانٍ صغير في الحديقة.
“صحيح أنّ الوضع الآن فوضويّ قليلًا ، لكن إذا عقدنا العزم يمكننا تنظيفه ، أليس كذلك؟ لذلك….”
أريد أن أقاوم ، بأيّ طريقة.
و قَولي إنّني سأعود لم يكن كذبًا.
فالعلاقة بيني و بين روين لا تزال تحمل مسائل يجب حلّها.
سأل روين ، الذي كان واقفًا بلا حركة أو تعبير.
“أتنوين أن تصبحي مثلنا؟”
[يبدو أنّ علم النهاية 07—’الفتاة من نفس النوع’ قد تمّ تفعيله!]
عاد العَلَم الذي تمّت إزالته بسرعةٍ مدهشة.
و بينما شعرتُ بانقباضٍ غير مريح ، أدركتُ مدى تعقيد مشاعر روين نحوي.
يريد قتلي.
و لا يريد قتلي.
يريد أن يكون معي.
و لا يريد أن يكون معي.
على الأقلّ كان ذلك أفضل من مشاعرٍ مليئةٍ بالقتل وحده.
نظرتُ إلى نافذة النظام المعلّقة في الفراغ ، و هززتُ رأسي و كأنّي أُبعد هلوسة.
“بصراحة ، فكّرتُ أنّ هذا قد يكون خيارًا جيّدًا أيضًا…… لكن لا ينبغي أن أفعل ذلك.”
“…….”
“حتّى لو لم نصبح وجودًا واحدًا ، سنظلّ معًا. أنا أموت ثمّ أعود للحياة ، أليس كذلك؟ إذًا سنلتقي مجدّدًا.”
حتّى لو لم تُحـلّ أيّ مشكلةٍ متعلّقة بالحاكمة ، فإنّ تدخّل فرسان المعبد سيُحدث تغييرًا ابتداءً من التناسُخ التالي.
“هذه ليست النهاية ، يا روين.”
صمـتَ مجدّدًا ، لكن هذا الصمت لم يكن مزعجًا كما قبل.
و فجأةً شعرتُ بنظرة ، فنظرتُ إلى الأسفل لأجد أسمير (السائل) يحدّق بي بعينين دائريّتَين.
“تشوبّو……؟”
كأنّه يسأل: “هل ستبقين معنا……؟”
لو كان على هيئته السابقة لكان المشهد مرعبًا ، لكن بهذه الهيئة كان الأمر أهون.
أومأتُ برأسي ، فازداد التصاقه بي ، و في الوقت نفسه تعلّق بي كلٌّ من فريسينغير و إيديلاين بهيئتهما كأرواحٍ شرّيرة___
و كان ذلك مُنهِكًا جدًّا.
و بينما كان روين يرتّب أفكاره المعقّدة ، ظلّ صامتًا لبرهة.
ثمّ ، بعد مرور بعض الوقت ، فتح فمه.
“اتبعيني ، ريبلي. لا أحد غيرك. الخروج سيكون لكِ وحدكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 127"