تجمّدتُ واقفةً في مكاني على نحوٍ متردّد ، و لم أستطع حتى أن أرمش بعينيّ كما ينبغي أمام سيل الارتباك الذي اجتاحني.
‘لماذا يظهر هذا الآن بالذات؟’
عندما ظننتُ أنّني قد تلبّستُ جسد ليلي ، كان ذلك دافعًا ممتازًا
لكن أن يُقال لي الآن : “ستتمكّنين من العودة” ، فلم أكن أفهم ما المقصود بذلك إطلاقًا.
‘……إلى أين سأعود أصلًا؟’
المكان الذي يُفترض أن أكون فيه لا يتعدّى قريةً ما أو جوار روين.
أو ربّما ديرًا سليمًا لم يُصب بأذى.
نافذة النظام التي كانت تحدّق بي بوجهٍ معقّد اختفت بعد وقتٍ قصير.
و خلفها ، أمال روين رأسه قليلًا إلى الجانب.
كان واضحًا أنّه لاحظ أنّني رأيتُ شيئًا ما مجدّدًا ، لكن لم يكن لديه ما يقوله تحديدًا.
أطلقتُ تنهيدةً خفيفة و فتحتُ فمي.
“هل يجب أن يبقوا على هذا الشكل… باستمرار؟”
أسمير لا بأس به حتّى.
لكن إيديلاين و فريسينغير كانا يبعثان شعورًا مزعجًا لمجرّد وجودهما قريبًا.
وخاصةً إيديلاين ، إذ كان رأسه كبيرًا جدًّا ، و كلّما اقترب منّي دُفِع جسدي إلى الخلف.
كما أنّ مشهد بكائه بوجهٍ مخيفٍ إلى حدّ قد يظهر في الكوابيس لم يكن جميلًا على الإطلاق.
وبما أنّ ما بداخلهم هو نفسه ، فلا يمكنني حتى ركلهم__
و عندما سألتُ روين ، و أنا أشعر بنفورٍ غريزيّ و انزعاجٍ في آنٍ واحد، أطلق زفيرًا قصيرًا ثمّ أجاب.
“قبيحون ، و مقزّزون ، أليس كذلك؟”
“نعم. …آه ، لا. لحظة. إن قلتَها بهذه الصراحة ، فما موقفهم إذًا؟ ليس و كأنهم أرادوا أن يصبحوا على هذا الشكل!”
هل لأنّهم سيفقدون ذاكرتهم ، فلا بأس بالتفوّه بما نشاء؟
رفعتُ صوتي دون أن أشعر أمام هذا التصرّف الذي لا يشبه روين.
ابتسم روين ابتسامةً مريرة.
“السّبب في أنّنا لا نستطيع مغادرة هذا المكان هو الأرواح الشرّيرة المختلطة بأجسادنا. عندما داهم فرسان المعبد الدير ، كان أوّل ما فعلوه هو ختمها حتّى لا تتمكّن من الخروج.”
“هل هذا يعني أنّ الحاكمة النائمة في البرج أيضًا…؟”
أومأ روين برأسه دون أن يجيب.
ثمّ أضاف بصوتٍ خافت : ‘لأنّه لم تكن هناك طريقة للتخلّص منها.’
لا توجد طريقة للتخلّص منها.
كانت عبارةً مخيفة حقًّا.
على أيّ حال ، يبدو أنّ وسم [مختوم] الذي كان يظهر باستمرار في نوافذ حالتهم يشير إلى ذلك.
نظرتُ إلى أسمير (السائل) الذي كان يتماوج قليلًا ، ثمّ سألتُ روين بحذر.
“لكن ، ذلك…… أنتَ قُتلتَ على يدي ، أليس كذلك؟ فلماذا خُتمتَ في هذا الدير؟ و إذا كان فين مصابًا بلعنة الخلود ، فهذا يعني أنّه لم يُلتهم من قِبل روحٍ شرّيرة أو الحاكمة ، أليس كذلك؟”
و مع ذلك، كان كلّ من روين و فينستيرنيس يحملان وسم [مختوم] نفسه.
و كأنّه يقول: ‘ستكون هذه المرّة الأخيرة’ ، أجاب روين فورًا.
“برأيكِ ، ما أوّل شيء ستفعله الحاكمة عندما تفتح عينيها؟”
لم يكن جوابًا عن سؤالي ، لكنّ التوتّر زال فجأة ، فخرج منّي ردٌّ أحمق.
“ربّما تتمدّد….”
فهي نائمة منذ مئات السنين و هي واقفة ، لا بدّ أنّ جسدها متيبّس.
و حين سمع روين كلامي ، بدا تعبيره غريبًا جدًّا ، فاستعدتُ وعيي بسرعة و أضفتُ.
“إذن ، هممم. غالبًا ستكون جائعةو، فستأكل الناس.”
“……صحيح. أنا و فين مجرّد علامتَين. محتجزان هنا كي لا نهرب ، و كي لا نفلت منها”
“و هذا…… أنا مَنٔ فعلته ، صحيح؟”
“الأدقّ أنّه فعل الحاكمة التي ابتلعت جسدك.”
اتّضح الأمر.
إذن ، في حياتي السابقة ، سُلب جسدي فعلًا.
و بما أنّه جسد كان قد تعفّن و اختفى منذ مئات السنين ، فلا يهمّ الأمر كثيرًا ، لكن في هذه الحالة هناك ما هو مهمّ.
“روين ، هل من الممكن أنّ قتلك أيضًا……!”
“كنتِ أنتِ دون شكّ ، ريبلي.”
تجمّد جسدي أمام إجابةٍ خالية من أيّ تردّد.
و بما أنّ أسمير (السائل) بدا و كأنّه يغلي ، تمتمتُ متلعثمةً و أنا أعاود السؤال.
“…..ألا توجد ، و لو ذرّة غبار واحدة ، من الاحتمال؟”
“لا يوجد. فهدف الحاكمة منذُ البداية هو التهامي ، فلا سبب يدعوها لقتلي.”
“لكن ، إن فكّرنا بالسبب ، فأنا أيضًا كذلك…….”
“صحيح. و لهذا سألتكِ. لماذا قتلتِني؟”
ازدادت المعلومات التي عرفتها ، لكنّنا عدنا في نهاية المطاف إلى نقطة البداية.
نظرات روين حادّة ، و نظرات السائل و الرأس الضخم و الزومبي حادّة أيضًا.
شعرتُ و كأنّ الأحداث تسير ضدّي.
و بينما كنتُ أتنفّس متأوّهة ، قمتُ بتغيير الموضوع بسرعة.
“الدّم ، لماذا تشرب الدّم؟ قلتَ إنّها لعنة ، أليس كذلك؟ إذا أُصيب المرء بلعنة الخلود ، فهل يجب أن يتغذّى على الدّم ، و يجده لذيذًا؟”
“لا أستطيع الإجابة.”
عقدتُ حاجبيّ أمام الرفض القاطع.
و بالنظر إلى سلوك روين الذي رأيته حتّى الآن ، كان من الغريب أصلًا أنّه أجاب عن كلّ ما سبق.
لكن صمته الآن كان أكثر غرابة.
قبل قليل تحجّج بالقيد ، لكن هذا لم يكن الحال هنا.
و حين لاحظ تغيّر تعابير وجهي ، تنفّس روين تنهيدةً و أكمل.
“ليس لأنّني لا أريد ، بل لأنّني لا أستطيع. لا أعلم لماذا أشتهي الدّم رغمَ أنّني لم أختلط بروحٍ شرّيرة. و لو كان السبب هو لعنة الخلود ، لكان فين يتفاعل مع دمك كما أفعل. لكن—”
“فين لم يشرب دمي مرّةً واحدة.”
“صحيح. فين لا يحتاج إلى شرب الدّم ، و لا يهتمّ به أصلًا. لهذا افترضتُ وجود سببٍ آخر. سببٍ مرتبطٍ بكِ. فأنا لا أشعر بأيّ عطشٍ تجاه أيّ طعامٍ آخر. وحده دمك ما يثير ردّة فعلي.”
كنتُ أظنّ أنّ روين يعرف كلّ شيء ، لكن حتّى هو كانت لديه مسائل لم يستطع حلّها.
عدم حصولي على إجابةٍ واضحة في وضعٍ يكاد رأسي ينفجر فيه كان شعورًا سيّئًا حقًّا.
ضغطتُ على أسمير الملتصق بصَدري و أنا أرتّب أفكاري.
باستثناء ذلك ، كانت بقيّة الأمور قد توضّحت إلى حدٍّ ما.
“اسمع ، بالعودة إلى ما قيل سابقًا. ختمكم في الدير و تحوّلكم المتكرّر إلى هذه الهيئة سببه اختلاطكم بالأرواح الشرّيرة ، أليس كذلك؟ إذًا ، لو فعلنا شيئًا حيال ذلك….”
“ماذا نفعل؟”
قاطعني الصوت قبل أن أُكمل كلامي ، و عندها فقط أدركتُ متأخّرةً لماذا تطرّق روين فجأةً إلى قبح الأرواح الشرّيرة و بشاعتها.
“……ألا توجد طريقة؟”
“أجسادهم التُهمت منذ مئات السنين دون أن تترك حتّى شظايا عظام. ما ترينه الآن كلّه مزيّف. كون مير يطير و رأسه يتدلّى وحده ، و كون فرين يستطيع تحريك نصفه العلوي و السفليّ كلٌّ على حدة ، و ظهور ديلا بهيئةٍ مشوّهة ، و التحوّل إلى شكل الأرواح الشرّيرة بهذه الطريقة…… كلّ ذلك لأنّه لا أجساد لنا. إنّ قدرتنا على إظهار هيئةٍ جسديّة هي ، و للمفارقة ، بفضل اختلاطنا بالأرواح الشرّيرة. و لولا ذلك ، لكُنّا نهيم كأرواحٍ بلا أجساد ، مثل سائر البشر.”
“…….”
“تكلّمي الآن، ريبلي. أنتِ التي لا تملكين ذكرياتكِ السابقة كاملة حتّى ، بأيّ وسيلةٍ تتوقّعين أن تحرّرينا من هنا؟”
طريقة تحرير أرواحٍ مختلطة بالأرواح الشرّيرة؟ لا أعرف.
طريقة فكّ لعنة الخلود؟ لا أعرف.
طريقة القضاء التامّ على الحاكمة ، أصل كلّ الشرور؟ لا أعرف.
‘لو قلتُ شيئًا عن الإصرار و العناد… قد يقطع رأسي.’
تعرّق جبيني ببرودة بينما أدرتُ ذهني.
أكثر مَنٔ يملك ذاكرةً دقيقة و معرفةً هنا هو روين.
و بمعنى آخر ، من الصعب الحصول على معلومات عبر غيره ، و من الصعب أيضًا اكتشاف ما يجهله هو.
‘…داخل هذا المكان ، على الأقلّ.’
شدَدتُ ذراعيّ ، ثمّ أطلقتُ زفيرًا عميقًا.
و بعدها استدعيتُ نافذة النظام.
لطالما ظهرت تلقائيًّا كلّما اكتشفتُ شيئًا ، لكن هذه المرّة فعلتُ ذلك بإرادتي.
و عندما مررتُ بنظري على النافذة الطويلة ، لاحظتُ تغيّرًا في البنود التي كانت تحمل علامة ×.
[▶لِنُعِد ترتيب الحقائق التي توصّلنا إليها.
…
2. سبب الوفاة → تجنّبنا جميع الوفيّات المقرّرة ، لكن لا يزال الوقت مبكّرًا للاطمئنان. → أجسادنا غير مستقرّة. مع مرور الوقت ، تستولي الأرواح السيّئة على الجسد ، و لهذا كان أولئك الخمسة يقتلوننا باستمرار. (✓)
…
4. أولئك الخمسة لا يستطيعون الخروج من الدير. → مَن ، و لأيّ غرض ، يحتجزهم في الدير؟ → فرسان المعبد ختموا الأرواح الشرّيرة و الحاكمة. أسمير ، إيديلاين ، و فريسينغير اختلطت أجسادهم بالأرواح الشرّيرة ، أمّا روين و فينستيرنيس فقد قيّدتهما الحاكمة التي استولت على جسدي بلعنة الخلود. (✓)
5. موقع مخرجٍ جديد → يبدو أنّه يمكن معرفته عند جمع الخرائط كلّها. → تبقّت خريطتان. واحدة في البرج ، و الأخرى على الأرجح لدى روين. يبدو أنّ الخرائط مسحورة. (✗)
…
8. الأصدقاء لا يعرفون شيئًا عن الحاكم أو القرابين أو الصلاة. → سيغ القادم من الخارج يعرف ذلك. و يُقال إنّ الشخص الذي أوصله إلى القرية حذّره. ما هويّة ذلك الشخص؟ (✗)
…
10. المتعصّبون يتلقّون عقابًا. مَنٔ الذي يُنزل بهم هذا العقاب؟ (✗)
…
12. لا أحتاج إلى الأكل أو الشرب. ما السبب؟ (✗)
…
17. أموت ثمّ أعود للحياة. لا أشعر بالألم. لكن هل يُعدّ هذا موتًا حقًّا؟ (✗)
…
20. قيل إنّ التهام الحاكمة لهم هو العقاب المفروض عليهم. ما معنى ذلك؟ (✗)
21. هل توجد طريقة لتعطيل الحاكمة؟ (✗)
…
24. هل يوجد في هذا العالم مكانٌ يمكن الفرار إليه؟
25. يبدو أنّ لديّ مكانًا أعود إليه.
26. أنا مَنٔ قتلتُ روين. (✓)
27. لدى روين لعنة أخرى غير الخلود ، تجعله يشتهي دمي. لماذا؟ (✗) ]
آلمتني عيناي من كثرة القراءة دفعةً واحدة.
و مع ذلك ، لم يتبقَّ سوى عددٍ قليل من الألغاز التي لم تُحلّ بعد عبر نافذة النظام.
طريقة جمع الخرائط كاملة ، الشخص الذي أوصل سيغ الصغير إلى القرية ، الكيان الذي يعاقب المتعصّبين ، سبب عدم حاجتي للأكل أو الشرب ، مسألة الموت و العودة للحياة ، معنى كلام فينستيرنيس عن كون التهام الحاكمة عقابًا ، طريقة تعطيل الحاكمة ، و اللعنة الأخرى التي أصابت روين.
‘إن كان روين لا يعلم ، فسنبحث عن شخصٍ آخر.’
أغمضتُ عينيّ ببطء ، ثمّ حوّلتُ نظري إليه و قلتُ.
“ألا يمكن أن يكون فرسان المعبد ، على سبيل المثال ، يعرفون شيئًا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 126"