لم تكن الإجابة خافية ، و مع ذلك لم تنفرج شفتاي بسهولة.
من دون أن أنبس بكلمة ، انحنيتُ قليلًا و احتضنتُ فينسترنيس بحذر.
كان يبدو كمجنون حين كان يقول ضاحكًا إنّ إلقاء الخرائط للفرائس المختبئة أمرٌ ممتع ، لكن… نعم ، الآن أفهم كلّ شيء.
‘في مكانٍ كهذا ، لا بدّ أنّ هذا وحده كان شكل المتعة الممكن….’
ربّما لهذا السّبب كان أسمير و إيديلاين و فريسينغير يطاردوننا بجنون لإخافتنا.
بعد أن ربّـتُّ طويلًا على مؤخرة رأسه الناعمة ، رفعتُ بصري إلى روين.
[[♡] درجة الحبّ: 1,000
[♥] درجة الإعجاب: 1 ]
تحرّكت درجة الإعجاب ، التي لم تكن تتغيّر إلّا بين 0 و -1,000 ، لتصبح 1.
حتى لو صار الاجتياز بلا معنى الآن ، فقد كنت أراقب الرقم دون وعي ، لذا اطمأننت قليلًا لارتفاعه و لو بمقدار ضئيل.
أطلقتُ زفيرًا خافتًا ، و تمكّنت بالكاد من إخراج صوتي.
“سأفعل أيّ شيء أستطيع فعله. باستثناء الموت.”
كلماتي ، التي نطقتُها بجدّ و كأنّي أعزّز عزيمتي ، جعلت بكاء فينسترنيس يعلو قليلًا.
لم يمضِ وقت طويل بعدها.
طار رأس أسمير نحونا بملامح غريبة.
“ماذا تفعلون الآن ، سيد روين؟ هل هذه الإنسانة كانت تؤذي فين؟”
“……و هل يبدو لكَ هذا أذًى؟”
ليس و كأنّ عينيه مصابتان و لا يستطيع الرؤية بهما ، يبدو أنّه يبحث عن شجار لا أكثر.
و بما أنّ أعصابي أنا أيضًا كانت على وشكِ الانفجار ، أضفتُ بفظاظة:
“و أنتَ… ما قصّة هذا المنظر؟ أين تركتَ جسدك؟”
“فرين أزعجني فواجهتُه…. لا ، لماذا أشرح لكَ أصلًا؟ الأهمّ ، ما قصّتك؟ لماذا جعلتِ فين يبكي؟”
“لم أجعله يبكي…. حسنًا ، ليس تمامًا! لكنك سببٌ أيضًا ، فانتظر قليلًا.”
بدا على أسمير أنه لم يفهم شيئًا ، لكنّه ظلّ هادئًا و هو يراقب تعابير روين.
و لحسن الحظ ، توقّف فينسترنيس عن البكاء سريعًا.
عندها قال روين:
“مير. هل يمكنكَ إحضار فرين و ديلا؟ المكان…. غرفة الصلاة ستكون مناسبة.”
ما إن ذُكرت غرفة الصلاة حتّى ارتجف رأس أسمير.
لم يكن يبدو راغبًا ، لكنّه لم يسأل عن السّبب ، و اكتفى بالقول “نعم…” ثمّ طار بعيدًا بتثاقل.
انتظرتُ حتّى اختفى تمامًا ، ثمّ تمتمتُ بنبرة غير مرتاحة:
“مير لا يتذكّر شيئًا تقريبًا ، أليس كذلك؟”
ظهر في نافذة الحالة وصف ‘يشبه الحبّ الأوّل المنسيّ’ ، لكنّ العداء كان شديدًا على غير العادة.
أجاب روين بدلًا من فينسترنيس ، الذي كان يمسح أنفه.
“الذكريات الكاملة لديّ أنا و فين فقط.”
“هل لذلك علاقة…… بتحوّلهم إلى أرواح شرّيرة عندما يُغمى عليهم؟”
كان ذلك الفارق الوحيد الواضح.
أغمض روين عينيه ببطء ثمّ فتحهما ، و قال: “نعم.”
“إنّهم لا يتذكّرون أنّهم كانوا بشرًا ، و لا ما حدث في هذا المكان. الشيء الوحيد الذي يعرفونه يقينًا هو أنّ البشر يُعاقَبون هنا ، و أنّكم تعودون عبر تناسخٍ متكرّر.”
“….كنت أشعر أنّ فين يحاول إخفاء شيءٍ ما ، لكن لا بدّ أنّ هناك سببًا لعدم إخبارهم ، صحيح؟”
رفعتُ ظهري بشكلٍ مستقيم و طرحتُ السؤال.
التفت روين إليّ.
أغمض عينيه ثمّ فتحهما مجدّدًا ، و أجاب بصوتٍ منخفض:
“لقد أخبرتهم.”
“ماذا؟”
“أخبرتهم بذلك مرارًا. لكن حين يستعيدون الماضي ، يعجزون عن تقبّل الحقيقة و يتحوّلون إلى هيئة الأرواح الشرّيرة. و بعد أن يستعيدوا وعيهم ، تختلط ذاكرتهم ، و في مرحلةٍ ما صاروا يساوون أنفسهم بالأرواح التي التهمتهم. باعتبارنا وحوشًا تتوق إلى دم البشر.”
“…….”
حقًّا ، كانت هناك أشياء غريبة لطالما راودتني.
فريسينغير ، حتّى حين يأتي جائعًا ، لا يصل إلى جرعاتٍ قاتلة.
و روين ، أقصى ما يفعله هو اللعق فحسب.
ناهيك عن أسمير و فينسترنيس و إيديلاين.
رأيتُ هلوسة موت ماريان كسمكةٍ مجفّفة ، لكنّ ذلك لم يكن بسببِ كونهم مصّاصي الدماء ، بل كان مجرّد واحدة من مرّات الموت العديدة.
كون فريسينغير ‘بعوضة ممتازة’ ، و كون أسمير و إيديلاين يتوقان إلى الدم خفيةً ، لم يكن سوى نتيجة ظنّهم الخاطئ بأنّهم وحوش.
أطلقتُ الزفير الذي كنتُ أكبته طويلًا ، ثمّ سألت مجدّدًا:
“فهمتُ. لكن… إن لم يكن شرب الدم ضروريًا ، فلماذا كان دمي لذيذًا إلى هذا الحدّ؟”
كنتُ أذكر بوضوح تعبير روين المسحور حين تذوّق دمي.
بل و احمرّ وجهه قبل قليل.
و لم يكن الأمر مقتصرًا على روين وحده.
‘حتى من ضمن صفاتي أنّني ‘مطعم لذيذ’.’
و بالنظر إلى تأثير المظهر المحبّب على أسمير ، فلا يمكن أن يكون هذا الوصف عبثًا.
كنتُ أتساءل عن ذلك منذ زمن ، و يبدو أنّني سأحصل على الإجابة الآن.
تجمّد روين لحظةً ، و قد بدا عليه الارتباك النادر ، ثمّ أدار رأسه بعنف.
خفـتُ للحظة أن يكون على استعداد لشوائي ، لكن لحسن الحظ عاد الجواب بلا حوادث.
“لأنّ دمـكِ اختلط بالأرواح الشرّيرة.”
“آه ، هكذا إذًا. لكن… ماذا عنكَ؟ أنـتَ و فين لا تتغيّران حتّى لو فقدتما الوعي. أليس هذا لأنّكما غير مرتبطين بالأرواح؟”
“..…أنا ملعون.”
هل روين بصلة؟
لماذا كلّما قشّرتُ طبقة تظهر طبقة أخرى؟
لم أستطع قول ذلك له ، فابتلعتُ تلكَ الكلمات ، و ابتسمتُ قسرًا قائلة:
“فهمتُ. أنتَ ملعون…. لكن بما أنّنا قرّرنا المحاولة بجدّ ، أتمنّى ألا ترمي كلمة واحدة فقط ، بل تشرح السّبب أيضًا. مَنْ السبب؟ و لماذا؟ و أيّ لعنة هي؟”
التخمين وحده له حدود.
لكن يبدو أنّ احمرار وجهه قبل قليل كان محرجًا له إلى حدّ كبير.
لم ينظر إليّ ، و لم يجـب.
في النهاية ، شدّ فينسترنيس طرف ثوبي لينبّهني.
“التي ألقت اللعنة ، كانت الصديقة.”
……يبدو أنّني أنا أيضًا مثل البصلة ، كلّما قُشّرتُ ظهرت مفاجآت جديدة!
“إذًا كنتُ فتاةً موهوبة فعلًا. ما اللعنة بالتحديد؟”
“الخلود.”
“…….”
“و عليّ أيضًا.”
“……عليكَ أنتَ أيضًا؟ أنا؟ لماذا؟ بل كيف أصلًا؟”
الطريقة كانت أهمّ من السبب.
ألم أكن فتاةً عاديّة؟
حتّى نافذة حالتي لم تذكر سوى ‘فتاة من القرية’.
‘و ما علاقة هذا كلّه بشرب الدم!’
رأسي يؤلمني من شدّة الارتباك.
كما في كلّ مرّة ، كلّما حصلتُ على إجابة ظهرت أسئلة جديدة ، لكنّ الوضع كان أفضل ممّا سبق.
و السّبب هو—
“كانت الصديقة ، لكنّها لم تكن الصديقة…..”
جاءت الإجابة فورًا.
و رغمَ أنّ تعبير فينسترنيس كان أقرب إلى لغز بسبب فقر لغته ، إلّا أنّه أفضل من لا شيء.
بدأتُ أفسّر فورًا.
هذه المرّة ، لم يستغرق التفكير طويلًا ، لأنّ عبارة ‘الصديقة لكن ليست الصديقة’ استحضرت شيئًا واضحًا.
“……هنفلين كان يريد استخدام جسدي كوسيطٍ لحلول الحاكمة ، أليس كذلك؟ هل يعني هذا أنّه …نجح؟”
وفق تفكير منطقي ، القدرة على إلقاء لعنة عبثيّة كالخلود لا يمكن لأحد سوى تلك الحاكمة أن يمتلكها.
ما تريده الحاكمة هو التهام روين و فينسترنيس حين كانا فرخين.
لكن روين قال إنّ وباءً انتشر في الدير ، و إنّ الحاكمة غضبت لأنّها لم تحصل على القرابين الموعودة.
كنتُ بحاجة إلى ترتيبٍ واضح ، لكنّ فينستيرنيس نظر إلى روين بقلق.
تنفّس روين بعمق و هو ينظر إلى الممرّ الذي اختفى فيه أسمير ، ثمّ أشار لنا بيده و بدأ يمشي.
و انسقتُ خلفه ، بينما تقودني يد فينسترنيس التي أمسكت بي و وجهه يكسوه حزنٌ خفيف.
تكلّم روين بعدما دخلنا غرفة الصلاة.
“كان ذلك بعد فترةٍ قصيرة من بدء انتشار الوباء. طُلب منّي أن أصلّي هنا لأقدّم نفسي قربانًا . لكي تأكل جسدي و تزيل الكارثة التي حلّت بهذا المكان”
لم يكن جوابًا مباشرًا عن سؤالي ، لكنّي أصغيتُ باهتمام.
في هذه المرحلة ، كان كلّ شيء مهمًّا.
“اغتسلتُ منذ الصباح ، تزيّنتُ بعناية تفوق المعتاد ، و بدأتُ الصلاة ، فرأيتُ عينيّ الحاكمة. بدت… راضية جدًّا. و لكن___”
يبدو أنّ الهلوسة التي رأيتها في غرفة الصلاة كانت هذه.
رمقتُ المذبح بنظرةٍ غير مريحة ، فيما تابع روين:
“من خلال ذلك الثقب ، دخلتِ أنـتِ. بينما تربطين وتدًا إلى ظهرك.”
كان يشير إلى فتحة مربّعة قرب السقف.
لكن حين رأيتها ، شعرتُ ببرودةٍ تهبط في صدري ، مختلفةً عن أيّ مرّة سابقة.
التعليقات لهذا الفصل " 124"