على الرّغم من أنّ درجة الإعجاب كانت تتقلّب باستمرار ، فإنّه ظاهريًا لم يبدُ أنّ هناك تغييرًا كبيرًا.
حتى نافذة النظام التي كانت تكرّر عباراتٍ مرعبة من قبيل “قتل” و “موت” اختفت في لحظةٍ ما.
الغريب أنّ الأصوات المتبادلة في الحوار لم تكن خافتة على الإطلاق ، و مع ذلك لم يخرج أحد إلى الخارج ليتفقّد الأمر.
و بينما كنتُ أرمق الباب بنظراتٍ جانبيّة بقلقٍ خشيةَ حدوث شيء ، قال روين.
“لم أفعل شيئًا سوى جعلهم ينامون. ليست قصّةً تستحقّ أن تُروى ، ثمّ إنّ الجسد يُنتزع بسهولة عندما يكون الوعي حاضرًا.”
“لا ، متى فعلتَ ذلك أصلًا……؟”
“لا يوجد في هذا المكان شيءٌ أعجز عن فعله….ما عدا ما يتعلّق بكٓ.”
كانت النظرات التي تنتقل بيني أنا و فينستيرنيس المتدلّي باردةً على نحو يبعث القشعريرة.
“……سأعتذر لاحقًا.”
لم يكن احتجازي لفينستيرنيس رهينةً أمرًا هيّنًا عليّ أنا أيضًا.
أضفتُ تلك الكلمات بدافعٍ من تأنيب الضمير ، لكن روين لم يُجـب بشيء.
على أيّ حال ، ما دام الأطفال جميعهم نائمين ، فحتى لو طال الحديث ، و حتى لو تكلّمتُ بصراحة ، كان ذلك مطمئنًا.
نعم ، بصراحة.
‘وصلت درجة الإعجاب إلى هذا الحدّ ، لا بدّ من وضع نهايةٍ لكلّ شيء هنا بأيّ طريقة.’
لقد بلغنا أقصى ما يمكن بلوغه.
و كما أنّ لكلّ قصّة بداية و ذروة و خاتمة ، فقد وصلنا نحن أيضًا إلى نهايتنا.
حتّى و إن بقيت أسئلة لم تُحلّ بعد ، فإنّ الأهمّ كان حلّ الصراع مع روين.
و بما أنّ الراية التي أقامها روين لم تختفِ بعد ، فتحتُ فمي من جديد من دون أن أرخِي حذري.
“لا أتذكّر حقًّا لماذا قامَت نسختي في الحياة السابقة بقتلكَ بتلك الطريقة الوحشيّة. و مع ذلك ، إن كان سبب محاولتكَ قتلي الآن هو ذلك ، ألم أدفع الثمن بما فيه الكفاية؟!”
صحيح. لقد دفعتُ ثمنًا كبيرًا فعلًا.
“قلتَ إنّ وتدًا غُرِس في صدركَ و أنتَ على قيد الحياة ، أليس كذلك؟ نعم ، لا بدّ أنّ ذلك كان مرعبًا و مؤلمًا للغاية. لكنّ التحوّل إلى لحم مفروم و أنتَ حيّ أمرٌ مرعب أيضًا…….”
و ليس ذلك فحسب. كباب ، تشريح ، تجفيف ، و شواء كامل. كدتُ أظنّ أنّني صرتُ نوعًا من اللحم.
‘كانت هناك حتّى نهاية اسمها فتاة اللحم…….’
صحيح أنّ اللحم المفروم أدّى إلى موتٍ فوريّ و لم أشعر بالألم حينها ، لكنّني في نهاياتٍ أخرى شعرتُ بالألم يقينًا.
إضافةً إلى ذلك ، احتفظتُ بكلّ ذكرياتي كاملةً و أنا أتناسخ لمئات السنين. لا يمكن لنسختي الحاليّة أن تتخيّل مقدار المعاناة التي مررتُ بها.
“لا أحاول الدفاع عن نفسي لأنّني خنتُـكَ. أيًّا كان السّبب ، فذلك ذنب سأحمله طوال حياتي. لكن هذا شيء ، و ذاك شيء آخر! فكّر جيّدًا يا روين. خلال تكرار التناسخ ، هل سبق أن توسّلتُ بهذه الجديّة لأبقى على قيد الحياة ، أو حاولتُ الهرب من الدير كما أفعل الآن؟”
لو قال إنّ ذلك حدث ، لكنتُ قد ارتبكت ارتباكًا شديدًا و عجزت عن الردّ ، لكنّي أجزم بأنّه لم يحدث.
لم يقل روين شيئًا ، لكنّ صمته وحده كان جوابًا.
“صحيح ، لم يحدث. و ليس الأمر مقتصرًا عليّ. أولئك الأطفال الذين يتناسخون معي ، هل سبق أن تعاونوا مع بعضهم بعضًا؟ هل سبق أن عرفوا كلّ أسرار الدير كما نعرفها الآن؟”
و لو قال إنّ ذلكَ حدث ، لكنتُ ارتبكت بشدّة هذه المرّة أيضًا ، لكنّه لم يحدث.
ظلّ روين صامتًا ، و مجدّدًا كان ذلك الصمت جوابًا بحدّ ذاته.
“انظر يا روين. هذا أمر يقترب من المعجزة حقًّا. لماذا تظنّ أنّني عـدتُ إلى هنا بعدما محوتُ ذكرياتي و عبثتُ بها؟ كلّ ذلك لأنّني أردتُ الهرب من هذا العالم المجنون…… لا ، هذا جزءٌ من السّبب ، لكن قبل كلّ شيء ، كنتُ أريد إنقـاذكَ.”
لم تكن هذه الكلمات مجرّد محاولةٍ لإقناع روين أو تهدئته.
أنا لا أتذكّر شيئًا.
لا كيف عشتُ في الدير ، و لا كيف عشتُ في القرية ، و كلّ ما أعرفه لا يتعدّى هلوساتٍ رأيتُها و سمعتُها.
لكنّ الأمر كان مختلفًا حين يتعلّق بروين. ففي اللّحظة التي استعدتُ فيها ذكرى أنّني كنتُ ‘ريبلي’ ، اندفعت مشاعر كالموج ، تخبرني بمدى عمق إحساسي تجاه روين.
“أرجوك يا روين. لسنا نحن الاثنين وحدنا المحبوسين هنا. ألا تشعر بالشفقة تجاه مير ، و ديلا ، و فرين ، و فين ، الذين يعيشون معنا محبوسين كوحوش…؟”
“…لا أظنّ أنّ هذا كلامٌ يليق بمَنْ يتّخذ فين رهينة.”
كان تعبير روين و صوته حين فتح فمه أخيرًا متحفّظَين إلى حدٍّ كبير.
و بما أنّني كنتُ لا أزال أمسك فين فوق حفرة النار كمَن يختبر الأمور ، فقد بدا ذلك ردّ فعلٍ طبيعيًّا. و في اللحظة التي صرف فيها نظره من دون إجابة ، سمعتُ زفرة روين.
بعد ذلك ، ظهرت أمامي نوافذ نظامٍ صغيرة واحدةً تلو الأخرى.
[‘النهاية 02—فتاة اللحم’ تمّ سحب الراية! ]
[‘النهاية 03—فتاة النصف بالنصف’ تمّ سحب الراية!]
[‘النهاية 11—فتاة الفراشة’ تمّ سحب الراية!]
[‘النهاية 15—فتاة الجحيم’ تمّ سحب الراية!]
[‘النهاية 17—فتاة الغذاء’ تمّ سحب الراية!]
[‘النهاية 18—فتاة القربان’ تمّ سحب الراية!]
لقد اختفت نيّة القتل!
لكنّ فرحتي لم تدم طويلًا.
[يبدو أن راية ‘النهاية 04—فتاة الوجبة الخفيفة’ و رُفعت!]
[يبدو أن راية ‘النهاية 05—فتاة الوجبة الخاصّة’ قد رُفعت!]
[يبدو أن راية ‘النهاية 06—فتاة الطُّعم’ قد رُفعت!]
[يبدو أن راية ‘النهاية 08—فتاة الرفيقة’ قد رُفعت!]
[يبدو أن راية ‘النهاية 09—فتاة التربية’ قد رُفعت!]
[يبدو أن راية ‘النهاية 10—فتاة الدمية’ قد رُفعت!]
[يبدو أن راية ‘النهاية 12—فتاة الاحتجاز’ قد رُفعت!]
[يبدو أن راية ‘النهاية 16—فتاة النسيان’ قد رُفعت!]
أصابني الدوار بسبب نوافذ النظام الجديدة التي حجبت مجال رؤيتي.
يبدو أنّ نيّة القتل قد زالت ، لكنّ نيّة الإفراج عنّي طوعًا قد زالت معها أيضًا.
كانت هناك نهاياتٌ رأيتُ أسماءها من قبل و أخرى أراها للمرّة الأولى ، لكنّ أسمائها جميعًا كانت مباشرةً بما يكفي لتوقّع ما ينتظرني.
‘لكن إن فشلتُ في هذا التناسخ ، فلن يمنحني روين أيّ أملٍ مرّةً أخرى.’
كما أنّ حالة نوافذ النظام كانت غريبة ، لذا كان عليّ أن أعتبر هذا حقًّا المحاولة الأخيرة.
تأكّدتُ من اختفاء الحفرة من الأرض ، ثمّ أعدتُ فينستيرنيس الذي كنتُ أعلّقه إلى صدري و ضممته.
ثمّ همستُ بهدوء.
“آسفة ، يا فين.”
بفضلكَ ، نجوتُ.
ابتلعتُ هذه الكلمات في قلبي ، لكنّ فينستيرنيس فتح عينيه فور انتهائي من الكلام.
تجمّدتُ من شدّة الدهشة حتّى إنّني لم أستطع الصراخ.
نظر فينستيرنيس إليّ بملامحه الشاردة المميّزة ، ثمّ التفت إلى روين. تنفّس روين الصعداء و هو يعقد حاجبيه بتعبيرٍ معقّد.
“كما توقّعتُ ، لم تكون نائمًا حقًّا.”
“أنا آسف ، يا سيّد روين. لكنّني…… أريد الآن أن أغادر هذا المكان.”
إن لم يكن نائمًا ، فماذا إذًا؟ هل كان يتظاهر بالنوم؟
حدّق فينستيرنيس في روين بهدوء ، ثمّ أعاد نظره إليّ.
“صديقة.”
“……هـ ، هـاه؟”
“ريبلي كانت لطيفة. الجميع كانوا يروننا أدوات ثمينة يجب تقديمها للحاكمة ، لكنّ ريبلي لم تكن كذلك. كانت تغضب و تقول: أنتم بشر! “
لم أستطع قراءة أيّ مشاعر من وجهه ، و كان صوته هادئًا للغاية ، و مع ذلك وصلني إحساسٌ واضح.
مودّتـه تجاهي.
“…هل كنتُ في حياتي السابقة شخصًا طيّبًا؟”
“نعم. كنتِ دائمًا تجلبين الطعام لفرين. عالجتِ ديلا حين مرض. و عندما كان مير يبكي باحثًا عن أخيه و يتعرّض للتوبيخ ، كنتِ تحمينه و تأخذينه إلى روين. كنتِ لطيفة مع باقي الفراخ ، و معي ، و مع السيّد روين أيضًا. و بسبب ذلكَ تعرّضتِ للضرب حتّى انكسرت ساقكِ ، و مع ذلك واصلتِ المساعدة…….”
يبدو أنّني قمتُ بالكثير من الأعمال الصالحة قبل أن أرتكب الخطيئة في حياتي السابقة.
و يبدو أيضًا أنّ البشر الذين كانوا في الدير هم أوغاد بلا شكّ.
“صديقة…… لا أعرف لماذا قتلتِ السيّد روين في حياتكِ السابقة. لكن لا بدّ أنّ هناك سببًا. سببًا كان لا بدّ منه. اسمعي ، سأعتذر معكِ. إن وبّخـكِ ، سأتلقى التوبيخ معكِ. و إن قام بضربكِ ، سأتلقّى الضرب معكِ “
التعليقات لهذا الفصل " 123"