كانت قطع الخريطة متفاوتة الأحجام ، مِمّا يُظهِر بوضوح أنّ الناس مزّقوها على مدى مئات السنين.
بل إنّ بعضَها كان أصغر من كفّ اليد ، لدرجةٍ أنّ العثور على كلّ تلك القطع بدا أمرًا مُدهشًا.
“لا بدّ أنّ العثور عليها كان صعبًا.”
تمتمتُ بذلك دون وعي ، فأجاب ريد بصوتٍ خافتٍ بينما كان يلتقط قطعةً يُفترَض أنّها من الحافة و يحاول مواءمتها.
“لم يكن صعبًا. شعرتُ و كأنّها موجودة في ذلك المكان ، فجاءني إحساسٌ بذلك.”
“أنا لم أجد و لو قطعةً واحدةً…….”
عند سماعي كلام سيغ الذي أضافه بحرج ، خطرت لي فكرة.
نحن في حياتنا السابقة كنّا مَنْ مزّق الخريطة و خبّأها. لذا ، ربّما بقيت تلك الذكريات ، فكان استرجاعها سهلًا؟
و إلّا ، فمهما توفّر لدينا يومٌ كامل ، كان من المستحيل العثور على كلّ تلك القطع في هذا الدير الواسع.
‘حتّى القطعة التي عثر عليها أسمير في القبو كانت في مكانٍ لم يخطر ببالي.’
بما أنّنا قيل إنّنا نواصل التناسخ ، فلو وُجد مجرّد دافع ، فقد يتمكّن الآخرون من تذكّر حياتهم السابقة مثلي. و ربّما أستطيع عبر ذلك إحياء ذكرياتي أيضًا.
في الوضع الحالي ، ما دام الأمر لا يشكّل خطرًا ، فمن الأفضل تجربة أيّ شيء.
‘يمكنني على الأقلّ أن أُحدِث صدمةً قويّة في الرأس ، أو أُحفّزهم بالحديث عن حياتهم السابقة….’
واصلتُ التربيت على ظهر فينسترنيس و أنا أتفقّد أصدقائي.
لو استبعدنا أمر الحياة السابقة ، فماريان و لاس قد يتصرّفان باندفاع لأنّهما جبانان، لكنّ طبيعتهما ليست شريرة.
قيل إنّهما حاولا مساعدة بعضهما في المواقف الخطِرة ؛ و لو كانا أنانيَّين حقًّا لهربا تاركَيْن الأصدقاء خلفهما.
أمّا مينا ، فرغم ميلها إلى لوم الآخرين و التلفّظ بكلماتٍ قاسية ، فإنّ نشأتها تجعل الأمر مفهومًا.
يكفي أن نتذكّر صغار الفراخ الذين كانوا يرون أنّ التهام الحاكمة لهم سعادة. بل أليس من حسن الحظّ أنّها بهذا القدر فقط ، رغم أنّها عاشت تحت السيطرة في تلك القرية المنغلقة؟
ريد قد يكون فظًّا قليلًا في كلامه ، لكنّه شديد الإحساس بالمسؤوليّة و فعّال في تصرفاته. يمكن القول إنّه قدوةٌ للقائد.
و سيغ يشبهه في ذلك ، و إن لم يكن للأمر علاقة بالحياة السابقة.
أمّا جين ، فحتّى لو استثنينا إعجابه بي ، فهو في الأصل ودودٌ ، و لا يمكنني تخيّل أن يؤذي أحدًا أو يتسبّب له في معاناة.
بمعنى أنّه مهما قلتُ ، فلن يتجاهلني باعتبار كلامي هراءً ، و لن يردّ بحساسيّةٍ مفرطة.
ما يقلقني هو ما بعد ذلك.
ماذا لو كان بين هؤلاء مَنٔ يحمل فكرةً مجنونة ، كوجوب التضحية بأنفسنا للحاكمة أو أنّ علينا جميعًا أن نموت؟
حين أتذكّر ما فعلته ماريان ، لا يبدو هذا الوهم مستحيلًا.
‘على الأقلّ ، لا ينبغي إحياء ذكريات ماريان.’
و يبدو أنّ عليّ أيضًا إخفاء جزءٍ من الحقيقة عن مينا و لاس.
فكلاهما بلغ حدّه الأقصى من الضغط النفسي.
و لو عرفا الآن حقيقة أنّ “الدير و القرابين كانا هكذا ، و الحاكمة نائمة في البرج……” ، فلن يتحمّلا ذلك أبدًا.
‘يمكنني أن أخبر ريد و جين و سيغ بكلّ شيء.’
لا أعرف ما كانت علاقتنا في حياتنا السابقة ، لكن بالنظر إلى ما مررنا به هنا ، يمكن الوثوق بهم جميعًا.
و هذا مجرّد حدس ، لكنّني أشعر أنّ ريد ربّما كان مؤمنًا مثلي.
‘حتّى لو كان واحدًا من الفراخ ، فلا بدّ أنّه رفض أن تلتهمه الحاكمة.’
ما جعلني أعتقد ذلك هو المتعصّبُ الذي قفز من حفرة الدرج ، و كان يلعنني أنا و ريد.
أيًّا كان الأمر ، فلا بدّ أنّ هناك سببًا لنجاتنا وحدنا من ذلك الجحيم.
‘إن كان عقله سليمًا ، فلا بدّ أنّه يريد التخلّص من هذا التناسخ المجنون….’
أمّا جين ، فذلك لأنّ الروح الشريرة التي دخلت جسد ماريان لم تؤثّر فيه.
قالت فينسترنيس إنّنا إن بقينا غير مستقرّين طويلًا ، فستُسلب أجسادنا.
‘ماريان قالت ذلك. أثناء نزولها الدرج ، دخل شيءٌ غريب و تحكّم بجسدها كما يشاء.’
لكن جين ، الذي كان يتصرّف معها ، لم يُصَب بشيء.
و بالنظر إلى أنّ ماريان كانت مرهقةً نفسيًّا ، فقد تكون الأرواح الشريرة تفترس أوّلًا مَنٔ تكون نفسيّتهم هشّة.
في مكانٍ يدفعك إلى الجنون كهذا ، يمكن الوثوق بمَن ما زال سليم العقل. و أنا كذلك!
‘أمّا سيغ ، فهو غريبٌ مسكين تورّط بسوء حظّ في تناسخنا ، لذا يمكن الوثوق به.’
كما فكّرتُ سابقًا ، كان عليّ وحدي أن أقرّر إلى أيّ حدّ أتكلّم ، و إلى أيّ حدّ أُخفي.
و قد اتّخذتُ قراري.
و خلال انشغالي بالتفكير ، اكتملت هيئة الخريطة.
كانت هناك قطعةٌ مفقودة في الوسط و أخرى عند الزاوية ، لكنّ الكتابة و الرسم كانا باهتَيْن، فصعب تمييزهما.
“هذه… قطعتان ناقصتان ، أليس كذلك؟”
“نعم. شعرتُ بذلك و نحن نجمعها ، لكن لا أدري إن كان جمع البقيّة سيفيد في هذه الحالة.”
عند تنهيدة ريد ، أومأ الجميع برؤوسهم.
كنتُ أوافقهم الرأي.
قيل إنّ إكمال الخريطة سيكشف مخرجًا جديدًا ، لكن بهذا الشكل يصعب حتّى رؤية الطريق.
‘….هل وثقتُ بنافذة النظام أكثر من اللازم؟’
بدا أنّ الجميع كانوا يتوقّعون الكثير ، إذ انتشرت خيبة الأمل على وجوههم.
كنتُ أنا مَن اقترح جمع الخريطة ، و حين هممتُ بالاعتذار لشعوري بالذنب ، ظهرت نافذة النظام بجانبها.
[خريطة دير لاتري (18/20)
— قطعة خريطة رُسِم عليها الهيكل الداخليّ لـ”دير لاتري”. يبدو أنّه يمكن تحديد الموقع إذا جُمِعت كلّها.
— قد تتمكّن من العثور على مخرج.
— مسحورة.]
لم يُضَف إلى الشرح الأصليّ سوى جملةٍ واحدة.
لكن ما إن رأيتُ كلمة “مسحورة” ، أدركتُ أنّ إكمالها يستحقّ العناء.
ربّما إذا جمعنا القطعتين الباقيتين تُرمَّم الخريطة تمامًا.
‘لكن المشكلة أين توجد هاتان القطعتان….’
لو بذلتُ جهدًا كبيرًا ، فقد أستطيع الحصول على القطعة التي مع روين. لكن برج الحاكمة النائمة___
أنا ، على الأقلّ ، لا أريد دخوله أبدًا.
‘و حتّى لو ذهب غيري ، فلا أظنّ أنّ فينسترنيس أو روين سيسمحان بذلك.’
ازدادت الأجواء كآبةً و حزنًا.
لم يكن قلبي مرتاحًا أيضًا ، لكن إن بقينا هكذا فستُسلب أجسادنا للأرواح الشريرة.
إن كان التفكير وحدي بلا جدوى ، فالأفضل أن أثق بحكمة الجماعة.
أخذتُ نفسًا عميقًا و تكلّمتُ بحذر.
“يا رفاق. أعلم أنّ طرح هذا الآن مُحرِج ، لكن لديّ أمرٌ جادّ جدًّا لأقوله. في الحمّام الكبير قالت مينا كيف يمكنني التحدّث مع شخصٍ يحاول قتلنا. كانت تلك…… ملاحظةً حادّةً حقًّا.”
تسلّل الشكّ إلى وجوه أصدقائي حين همستُ دون أن أتحرّك ، حتّى لا يستيقظ فينسترنيس.
و حين ذكرتُ اسمها ، فتحت مينا فمها بحذرٍ أشدّ ممّا كنتُ عليه قبل قليل.
“ما…… معنى ذلك؟”
“من الآن فصاعدًا ، سيكون الحديث خطيرًا جدًّا و صعب التصديق. لذا…… أفضّل ألّا تستمع مينا و ماريان و لاس. لا أحاول إقصاءكم. قبل قليل رأيتم هذا الطفل…… أعني ، هذا الكائن و هو يلتهم الكرة الزرقاء التي خرجت من ماريان ، أليس كذلك؟”
أجابت مينا و ماريان و لاس بصوتٍ خافت ، و قد شحبَت وجوههم ، بعدما سارعتُ بالتوضيح خشيةَ أن يُساء الفهم.
أطلقتُ زفرةً خفيفة و تابعتُ بهدوء.
“في هذا القصر…… الدير ، توجد أرواحٌ شريرة. و ما أصاب ماريان كان لأنّ تلك الروح دخلت جسدها. و هذا الكائن التهم تلك الروح قبل قليل.”
“أرواح…… شريرة؟”
“نعم. و يبدو أنّها تسلب أجساد مَن أنهكهم التعب النفسيّ. يكفي النظر إلى الوجوه لندرك أنّني أنا و ريد و جين و سيغ بحالٍ أفضل نسبيًّا…….”
“……نحن لسنا كذلك.”
أجاب لاس بصوتٍ خافتٍ يكاد يختفي.
لم يُبدِ الآخرون ردّ فعلٍ واضحًا ، لكن تعابير ماريان و مينا وحدها كانت كافيةً لأفهم أنّهما تفكّران الشيء نفسه.
لو شعروا بأنني أحاول عزلهم، فذلك أيضًا شعورٌ سلبيّ.
التعليقات لهذا الفصل " 119"