لكن قبل أن أبادر أنا بالكلام ، طرح ريد تساؤلًا على ماريان.
“ماريان. ماذا قلتِ قبل قليل؟ قلتِ إنّ هذا الصغير الذي تعانقه ليلي قد أُكِـلَ من قِبَـل مَن؟”
كانت ملاحظةً حادّة.
بينما كنت أشعر و كأنني أعتمد عليه، نظرتُ بدوري إلى ماريان.
أمالت ماريان رأسها باستغراب، ثمّ عقدت حاجبيها كما لو كانت منزعجة.
“ما بك فجأة؟ أنا فقط قلتُ ما كان مرسومًا في الكتاب الذي أرتنا إيّاه ليلي. فلماذا تسألني و كأنّك تحقّق معي؟”
كان ريد من النوع الذي يتحدّث براحة مع الجميع ، ذكورًا و إناثًا على حدّ سواء.
لم يكن في نبرة صوته قبل قليل أيّ اختلافٍ عن عادته، و مع ذلك صبّت ماريان غضبها عليه بوجهٍ متصلّب.
الجوّ الذي كان قد تجمّد مع ظهور فينسترنيس لم يلبث أن لان قليلًا بدافع الشفقة ، لكن ذلك لم يدم طويلًا.
حين رسم ريد بدوره تعبيرًا متضايقًا مثلها ، خيّم الصمتُ المزعج مجدّدًا ، و بدأ كلّ واحدٍ يترقّب الوضع محاولًا فهم ما يجري.
رفعت ماريان عينيها المستديرتين بنظرةٍ حادّة ، و شبكت ذراعيها ، ثمّ قالت بنبرةٍ متعالية بعض الشيء.
“كنتُ أفكّر في الأمر منذ فترة. ريد، مَنٔ أنت حتّى تتصرّف دائمًا و كأنّك القائد؟”
“……ماذا؟”
“أليس كذلك؟ منذ الأمس و أنتَ تتصرّف على هواك ، و بصراحة هذا يزعجني.”
عند سماع نبرتها اللاذعة ، عقد ريد حاجبيه و كأنّه لا يصدّق ما يسمع.
و لم تختلف ردود فعل الآخرين كثيرًا. بدا الجميع مرتبكًا ، و كأنّ هذا النوع من الشجارات غير مألوفٍ لهم أصلًا.
قبل أن تقول ماريان شيئًا آخر ، سارعت مينا ، التي كانت بجانبها مباشرةً ، إلى إيقافها.
“ماريان ، توقّفي. لماذا تقولين مثل هذا الكلام؟”
“أنا لم أقل شيئًا خاطئًا ، أليس كذلك؟ ثمّ أنتِ يا مينا ، إلى متى ستظلين تبكين؟ سيغ ، الذي يعاني من إصابة في ذراعه ، كان يتجوّل معنا بحثًا عن الخريطة و الأغراض ، أمّا أنتِ فلم تفعلي شيئًا.”
“…….”
“و أنت يا لاس ، لا تختلف كثيرًا. أنا أيضًا أشعر بالخوف، لكنّك تبالغ. كلّما سمعتَ صوتًا تصرخ ، و هذا يزعجني. و جين ، لماذا أنت عديمُ المراعاة هكذا؟ أنا فتاةٌ ضعيفة ، أليس عليكَ أن تتقدّم أمامي لتتفحّص المكان أو تحرس الخلف؟ ألا تستطيع حتّى فعل هذا؟”
كانت كلماتها القاسية تنساب دون توقّف.
و في اللحظة التي كنتُ أتساءل فيها عمّا ينبغي فعله مع شخصٍ يبدو واضحًا أنّ حالته غير طبيعيّة، تمتم فينسترنيس:
“دخل شيءٌ سيّئ.”
شيءٌ سيّئ.
لم يكن هناك متّسعٌ من الوقت لسؤاله عمّا يعنيه تحديدًا.
ربّـتُّ على ظهر فينسترنيس ، و انحنيتُ و همست:
“هل تستطيع إخراجه؟”
“نعم. استمرّي ، التحفيز…”
“ليلي.”
التفتت ماريان ، التي كانت تُفرغ سخطها بلا توقّف ، نحوي.
و في اللحظة نفسها التي التصق فيها فينسترنيس بي أكثر ، تابعت هي بصوتها:
“أنا أعرف كلّ شيء، ليلي. أنتِ أيضًا فكّرتِ مثلي ، أليس كذلك؟ لذلك قلتِ إنكِ ستتحرّكين وحدك.”
على العكس من حدّة كلامها قبل قليل ، كانت نبرتها الآن ناعمةً و لطيفةً على نحوٍ جعلني أرتجف بدل أن أرتاح.
بقي الآخرون ، لرقّة قلوبهم ، مصدومين لا ينطقون بكلمة ، أمّا أنا فأجبتُها بنبرةٍ متحفّظة.
“لم أفكّر بهذا.”
“……هل تفعلين هذا لأنكِ تريدين التظاهر بأنكِ طيّبة؟”
ما هذا الهراء أيضًا؟
تبدّل وجهي من شدّة الغيظ ، و تذكّرتُ حينها قول فينسترنيس: ‘استمرّي ، التحفيز’.
أطلقت زفيرًا خافتًا ، ثمّ صرختُ في وجه ماريان التي بدت متعجرفةً:
“طيّبة أو غير طيّبة ، أنا فعلًا لم أفكّر بهذا! ما المشكلة في أن يبادر ريد و يتقدّم؟ هو أيضًا لا بدّ أنّه خائف ، و مع ذلك يتقدّم ليحمينا ، أليس هذا مدعاةً للشكر؟ ثمّ تقولين إنّ مينا لم تفعل شيئًا ، لكنكِ أنتِ بنفسك قلتِ قبل قليل إنّ الجميع تفهّم خوفها ، و إنكِ أنتِ أيضًا فعلتِ ذلك. فلماذا تحوّلين الأمر إلى مشكلة الآن؟”
تصلّبت شفتا ماريان ، اللتان كانتا تمتلئان بالسخرية و الازدراء ، في خطٍّ مستقيم.
و مع تمتمة فينسترنيس بكلمة ‘أكثر’ ، واصلتُ الكلام دون توقّف.
“صحيح أنّ لاس جبان ، لكن هل تسبّب ذلك في أذى حقيقي؟ أنتِ أيضًا هربتِ من تلقاء نفسك ، و أنا كذلك اختفيت فجأة ، فهل لامنا أحد على ذلك؟ أمّا افتعالكِ مشكلةً مع جين فـ…… ليس لديّ ما أقوله….”
الجوّ الذي كان متوتّرًا أصلًا ازداد برودةً و قسوة.
سيغ ، الذي كان يراقب الموقف بقلق ، حرّك شفتيه عدّة مرّات قبل أن يتدخّل بحذر.
“ليلي ، ماريان. لنهدأ جميعًا أوّلًا….”
“مزعج. مزعج جدًّا. مَنٔ أنتِ حتّى تتحدّثي معي بهذا الأسلوب؟ أنتِ ، و أمثالكِ…….”
بدأ جسد ماريان ، و هي تهمس بتلك الكلمات ، يرتجف بعنف.
لم يكن ارتجافًا خفيفًا.
كانت تتحرّك كأنّ شيئًا تلبّسها ، بتشنّجاتٍ جعلت مينا و لاس يشهقان و يتراجعان خطوةً إلى الخلف.
انقلب رأس ماريان إلى الأعلى فجأة ، و بدأ يتشنّج بعنف.
“أنتِ ، أنتِ ، بسببكِ ، أنتِ…….”
“…….”
“أنتِ ، أنتِ ، أنا ، أنا ، الحاكمة ، الحاكمة… أنا ، أنتِ….”
كانت جالسةً على الأرض بلا قوّة ، تحرّك مفاصلها كحشرة ، و تصدر أصواتًا غريبةً يستحيل وصف مدى غرابتها.
لم تستطع مينا حتّى التنفّس ، و انهمرت دموعها.
كان لاس على وشكِ الإغماء، و لم يبدُ حال ريد و سيغ و جين أفضل بكثير.
أمّا أنا ، التي كنتُ أواجه ماريان مباشرةً ، فلم يكن خوفي أقلّ منهم.
و في اللحظة التي شددتُ فيها عناقي لفينسترنيس ، و كأنّني أسأله ماذا علينا أن نفعل الآن ، حدث ذلك.
“كيااااااه!”
“آااه!”
“هييك ، هيك ، هييك!”
“آه! آااه! ما هذا؟!”
انفجر من فم ماريان صراخٌ حادّ كصوت كشط الحديد ، و صرخنا جميعًا معها.
و في اللّحظة التالية ، رفع فينسترنيس ، الذي كان ساكنًا بين ذراعيّ ، رأسه و فتح فمه.
‘و كأنّ الأمر ليس مخيفًا بما فيه الكفاية ، لماذا تفعل هذا أنتَ أيضًا!’
هل كان تحفيزي لماريان خطأً؟
كنتُ قد حاولتُ الوثوق بفينسترنيس بعد أن عدنا أصدقاء ، فهل كان ذلك سوء تقدير؟
و بينما كان ذهني يصبح فارغًا ، اتّسع فم ماريان ، التي كانت تصرخ بصوتٍ غير بشري ، أكثر فأكثر ، و خرج منه جسمٌ كرويّ يتوهّج بلونٍ أزرق.
ثمّ دخل ذلك الجسم مباشرةً إلى فم فينسترنيس.
“…….”
غلغل.
صوتُ ابتلاعٍ اخترق آذاننا المتجمّدة.
لم أكن وحدي مَنٔ شهد هذا المشهد الغريب ؛ جميع الآخرين أيضًا كانوا عاجزين عن إصدار أيّ صوت.
في تلك الأثناء ، لعق فينسترنيس شفتيه بلسانٍ صغير ، و قال بصوته اللامبالي المعتاد:
“أكلتُه.”
“……م ، م ، ماذا ، ماذا أكلتَ؟”
“الشيء السيّئ.”
“لا ، أعني…ذاك الشيء السيّئ ، ما هو……؟”
“روح…… سيئة.”
هل كان يقصد تلك الكرةَ الزرقاء التي خرجت من فم ماريان؟
خطر ببالي فجأة الوصفُ المدوّن في حالته: ‘آكل الأرواح’.
لم يكن فينسترنيس وحده ؛ فروين و أسمير و إيديلاين و فريسينغير أيضًا كانوا يحملون ألقابًا مخيفةً و محرجةً بعض الشيء.
لكنّ فينسترنيس كان هادئًا دائمًا ، لذلك لم أُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا___
“……هل أكلتَ روحَ ماريان؟”
انتهى سؤالي بعلامة استفهامز، لكنّي كنتُ أطرحه و أنا أحمل قدرًا كبيرًا من اليقين.
لا أعلم لماذا أصبحت ماريان فجأةً على تلك الحال.
لا أعلم ، لكن ابتلاع الروح يعني الموت ، هذا أمرٌ لا شكّ فيه.
تشابكت أفكاري.
ماذا سيحدث للنهاية الآن؟
هل أخطأتُ أنا؟
إن كان ما حدث لماريان مرتبطًا بحياتها السابقة ، فذلك يعني أنّ الآخرين قد يلقون المصير نفسه.
‘ماذا ينبغي أن أفعل من الآن فصاعدًا…؟’
شعرتُ و كأنّي اصطدمتُ بجدارٍ مسدود بعد أن كنتُ أسير بسلاسة.
و بينما كنتُ أعضّ على شفتي ، أجاب فينسترنيس:
“ما أكلتُه ، روحٌ سيّئة.”
ثمّ ، وسط دهشتي ، سعلت ماريان و قالت:
“أنا… كح …ما قلته…لم يكن أنا!”
“……ماريان؟”
“كنتُ أنزل الدرج ، و دخل شيءٌ غريب ، و تحكّم بجسدي كما يشاء. حقًّا ، أرجوكم ، هذا صحيح…. أنا ، أنا لم أفكّر بمثل تلك الأمور…….”
ظللتُ أحدّق في ماريان ، التي كانت تنتحب ، بلا وعي ، ثمّ نظرتُ إلى فينسترنيس.
كان ينظر إليّ ، و همس بصوتٍ لا يسمعه سواي:
“إذا طال بقاؤه ، يُسلب الجسد. أنتم غير مستقرّين. هنا ، أرواحٌ سيّئة كثيرة.”
“……و إذا سُلب الجسد ، ماذا يحدث؟”
“يُقدَّم للحاكمة. و عندها ، الحاكمة ، تفتح عينيها. و قبل ذلك…… أقتل الجميع.”
التعليقات لهذا الفصل " 117"