“كانت تلك الغرفة صغيرةً جدًّا. و كان فيها طاولةُ طعامٍ بهذا الحجم، و أمامها كان مرسومًا نقشٌ ذو أشكالٍ هندسيّة.”
“آه، أليست هذه… الغرفة الجانبيّة ؟”
لمّح لاس بذلك.
عند التفكير في الأمر ، كانوا قد قالوا إنهم تفحّصوا بعنايةٍ كلَّ الأماكن التي يمكن رؤيتها من الطابق الرابع حتّى الأوّل ، و بحسب الموقع فإنّ غرفةَ الصلاة كانت فعلًا إلى جوارها.
حين أومأتُ بالإيجاب ، قال سيغ بملامح متردّدة.
“ليلي ، ذاك…… لا أعرف عنه الكثير بالتفصيل ، لكنه عادةً يُسمّى مذبحًا. على حدّ علمي يُستخدم لتقديم شيءٍ للحاكم أو لإقامة طقوسٍ ما. لكنّي لم أرَ نقوشًا كهذه من قبل. هل تتذكّرين كيف كان شكله؟”
يبدو أنّ سيغ كان قد شرح الأمر مسبقًا للآخرين ، فالجميع لم يُبدِ ردَّ فعل خاصٍّ على المصطلح الغريب ‘المذبح’.
كنتُ قد علمتُ من خلال التجربة السابقة التي نسمّيها اصطلاحًا الجولةَ الأولى أنّ الدائرةَ السحريّة لم تكن تُرى إلّا من قِبلي ، لذلك أجبتُ دون ارتباك.
“كان شكلًا غريبًا ، دائرةً كبيرةً بداخلها حروفٌ أو رموزٌ لم أرَ مثلها من قبل.”
كان الأمر معقّدًا حتّى في التذكّر ، و لو طُلب منّي إعادة رسمه فلن أستطيع فعل ذلك قطعًا.
تمتم سيغ ، و هو يميل برأسه متحيّرًا.
“دائرةٌ سحريّة… ربما؟ سمعتُ فقط بوجود شيءٍ كهذا ، لكنّي لا أعرف ماهيّته. انا آسف.”
“هاه؟ و لماذا تعتذر أنت؟ بفضلك عرفنا أنّ تلك الطاولة كانت مذبحًا. ثمّ إن كان يُستخدم لتقديم شيءٍ للحاكم أو لإقامة طقوس ، فالدائرةُ السحريّةُ التي رأيتُها ستكون ذات غرضٍ مشابه ، أليس كذلك؟”
لا أعلم إن كان لا يزال يشعر بالذنب أم أنّ طبيعته هكذا أصلًا ، لكن على الأقلّ لم يكن هناك ما يدعو سيغ للاعتذار.
ربّتُّ على كتفه و هو يبتسم ابتسامةً محرجة ، و تابعتُ الكلام.
“المهمّ هو أنّني رأيتُ هناك شيئًا غريبًا.”
“شيئًا غريبًا؟”
“نعم. عندما دخلتُ الغرفة ، كان في المنتصف ، أي في موقع الدائرة السحريّة ، صبيٌّ يرتدي ملابسَ بيضاء جالسًا هناك. لكن…… جين ، هل تتذكّر الهلوسةَ التي رأيناها معًا؟ قال الآخرون إنهم رأوها أيضًا ، أليس كذلك؟”
أومأ الجميع برؤوسهم باستثناء سيغ.
“ذلك الصبيّ بدا أيضًا كهلوسة. لم يُبدِ أيَّ ردّ فعل ، و كان يرتجف فقط. كنتُ أتساءل لماذا كان خائفًا إلى هذا الحدّ…… ثمّ ظهرَت مقلةُ عينٍ على المذبح.”
“مقلةُ عين؟ مقلةُ عين…… مخيفة؟ لا ، هي مخيفة و غريبة فعلًا ، لكن…….”
في مكانٍ تطير فيه الرؤوس أو تبرز الأجساد و تتحرّك الأيدي و الأرجل منفصلة ، لم تكن مقلةُ عين واحدة شيئًا يُذكر.
حتّى لاس و مينا و ماريان ، الذين من السهل إخافتهم ، بدت على وجوههم ملامح الذهول ، فنهضتُ قليلًا ثمّ قلتُ:
“كان عرض مقلة العين أطولَ من جسدي.”
ثمّ جلستُ مجدّدًا.
ساد الصمت بين الجالسين متقاربين ، ثمّ أصدر لاس بعد فوات الأوان صوتَ فزعٍ و هو يفرك ذراعه.
تشوّهت ملامح سيغ و ريد ، و تنهد جين بوجهٍ شاحب. أمّا مينا ، التي كانت قد توقّفت لتوّها عن البكاء ، فقد ارتعشت مع ماريان.
ربّما جعلتُ الأمر أكثر رعبًا بلا داعٍ ، لكن لا مفرّ من ذلك. فلا بدّ من قول هذا كي يبدأ صلبُ الموضوع.
“كانت تلك المقلةُ تحدّق في ذلك الصبيّ بنظرةٍ ملحة و جشعة. لكن شعورًا غريبًا بالاعتياد انتابني. أليس في الكتاب الذي أريتُكم إيّاه وجهُ عملاقٍ له مقلةُ عينٍ واحدة؟”
لم أُكمل سوى هذا القدر ، و مع ذلك بدت على وجوههم ملامحُ الفهم لما أريد قوله.
و كان أوّل مَنٔ فتح فمه ، على غير المتوقّع ، هو لاس.
” كانت هلوسة ، أليس كذلك؟ هي لم تظهر فعليًّا……؟”
“نعم. كانت هلوسة. اختفت بسرعة.”
المشكلة هي أنّ صاحبة تلك المقلة نائمة واقفة هناك ، في أعلى البرج.
و المشكلة الأكبر هي أنّ تلكَ العملاقة قد استيقظ قريبًا، و أنّ إحدى قطع الخريطة المتبقّية موجودةٌ بداخله.
‘لو قلتُ ذلك أيضًا فسوف يُغمى عليهم…….’
بالنسبة إلى لاس ، الذي كان يرتجف و هو يفرك جسده و كأنّ القشعريرة تسري فيه ، بدت الحقيقةُ مروّعةً أكثر من اللازم.
تردّدتُ قليلًا في كيفيّة الحديث عن فينسترنيس و أسمير ، ثمّ قرّرتُ أن أكون صادقةً فحسب.
فنحن سنلتقي بهم قريبًا على أيّ حال ، و كان من الأفضل قول الحقيقة الآن بدل أن يُكشف الكذب لاحقًا.
“و كذلك ، في تلك الغرفة…… التقيتُ بأحد الأطفال الذين يُحتمل أنّ العملاقة قد التهمهم ، وصرتُ صديقةً له دون قصد ، و تصرفنا معًا.”
هل كان وقعُ صدمة مقلة العين الأطول من جسدي أكبر ممّا توقّعت ، أم أنّهم لم يستطيعوا مجاراةَ تسلسل الكلام؟
الجميع ظلّ صامتًا بوجوهٍ شاحبة.
يبدو أنّه ينبغي الانتظار قليلًا حتّى يستجمعوا قواهم. و بينما كنتُ أغرق في الصمت بهذا التفكير ، قالت مينا بصوتٍ مبحوح:
“ليلي. ذلك الطفل الذي تقولين إنّه صديقكِ…… كيف كان شكله؟”
“صبيٌّ ذو شعرٍ أسود. عيناه جميلتان جدًّا.”
“بنفسجيّتان؟”
“هاه؟ نعم ، بنفسجيّتان…… لكن كيف عرفتِ؟!”
هل تذكّرت شيئًا من حياتها السابقة من خلال قصّتي؟!
حين سألتُها بلهفة ، اتّجهت نظرةُ مينا إلى ما وراء كتفي.
لا ، لم تكن مينا وحدها. ماريان و لاس و جين ، الجالسين إلى جواري ، فعلوا الشيءَ نفسه.
تمتم لاس ، و هو يكوّر جسده كقملِ الخشب ، بصوتٍ خافتٍ يكاد يتلاشى.
“خلفكِ ، هناك.”
“…….”
استدرتُ إلى الخلف و كأنّي مسحورة.
كان فينسترنيس الصغير واقفًا هناك بملامحَ شاردة ، كروحٍ حارسة ، ينظر إليّ.
عدتُ بنظري إلى الأمام و قلتُ بصوتٍ مرتجف:
“أمممم… سـ ، سأعرّفكم عليه. هذا…… صديقي الذي تعرّفتُ إليه هنا…… فين.”
هل يجوز أن أسمّيه صديقًا و درجةُ الصداقة صارت صفرًا؟
و بينما كان القلق يسبقني ، ظهرت أمامي نافذة النظام المألوفة.
[ [مختوم] الداعي ، السالب ، آكلُ الأرواح
‘فينسترنيس’
يعتقد أنّكِ ‘صديقة★★’ → ‘و مع ذلك ، نحن صديقان……★’.
شهيّته تجاهكِ: ♡♡♡♡♡ ]
[ [☆]درجة الإعجاب: 5 → 50
[★]درجة الصداقة: 0 → 100 ]
نعم ، كنتُ سعيدةً برؤيته.
حقًّا ، إلى حدٍّ لا يُصدَّق.
أحيانًا كان يبعث القشعريرة ، و أحيانًا يتصرّف بغموض ، لكنّ فينسترنيس كان في النهاية أطيب و ألطفَ واحدٍ على الإطلاق.
حتّى لو انخفضت قيمة الصداقة مقارنةً بالسابق ، فما زال هذا أفضلَ من لا شيء.
استدرتُ إلى الخلف مرّةً أخرى بقلبٍ مسرور. كان فينسترنيس لا يزال واقفًا هناك كروحٍ حارسة.
حين ابتسمتُ على اتّساعه و فتحتُ ذراعيّ ، سقط في حضني كأنّه ينهار.
و بينما كنتُ أربّت على شعره الناعم و ظهره ، تجمّد جسدي عند حقيقةٍ خطرت لي فجأة.
فينسترنيس و روين كانا قد أُجبرا على النوم بفعل سحري.
مدّةُ الاستمرار كانت نفسها ، 120 دقيقة. لكن وجودَ فينسترنيس هنا يعني__
“……فين. أ…أين ر، روين؟”
همستُ بذلك بصوتٍ لا يسمعه أحد غيره ، فهمس فينسترنيس بدوره:
“قال إنّه يريد أن يكون وحده.”
“هل قال…… شيئًا آخر؟”
“لا. لكن ، أنا أشعر بالخوف هنا….”
خائف؟ نحن و أصدقائي مَنٔ يُفترض أن نكون الخائفين ، فممّ تخاف أنت___
ذكرني ذلك بمشهدٍ من الجولة الأولى حين كان روين يتفوّه بالهراء مثل: ‘أنا خائف جدًّا ، ليلي’ ، لكن كان عليّ الحفاظ على صداقتي.
“لا بأس. ما دمتَ معي فلن تخاف. انظر ، سأعرّفك مجدّدًا. هذا فين. في الماضي…… كان أحد الأطفال الذين كانوا يرتدون الملابس البيضاء ، و يبدو أنّه لسببٍ ما قد خُتم في هذا المكان.”
جلستُ و فينسترنيس في حضني ، و نظرتُ إلى أصدقائي بابتسامة.
كان ريد يبدو مذهولًا. و أظهر سيغ ارتباكًا واضحًا ، فيما بدا جين متحفّظًا.
لاس و مينا كان الخوف ظاهرًا عليهما ، لكنّ ماريان ، على غير المتوقّع ، بدت هادئةً تمامًا.
و لم يكن ذلك مجرّد مظهرٍ خارجي. بل إنّها ابتسمت بمرح و قامت بتحية فينسترنيس أيضًا.
“إذًا اسمك فين. شكلكَ لطيف. أنا ماريان.”
“…….”
نظر فينسترنيس إلى ماريان بطرف عينه ، ثمّ تجاهل تحيّتها و عانقني بإحكامٍ أكبر.
هزّت ماريان كتفيها و تمتمت بلا اكتراث:
“يبدو أنّه شديد الخجل.”
“م ، ماريان. ألا تشعرين بالخوف……؟”
هي و لاس كانا ضمن ثلاثيّ الجبناء ، و مع ذلك كانت هادئةً على نحوٍ غير معقول.
كأنّه شعر بالحيرة نفسها التي شعرتُ بها ، إذ توجّه صوتُ لاس المرتجف إلى ماريان.
كانت ماريان تنظر إلى ظهر فينسترنيس و هي تهزّ رأسها.
“ألم تقل ليلي قبل قليل إنّه كان أحد الأطفال الذين رأيناهم في الهلوسة ، الذين يرتدون الملابس البيضاء؟ ألا يعني هذا أنّ الحاكمة قد التهمته؟ هكذا كان مرسومًا في الكتاب الذي أرتنا إيّاه ليلي. و يبدو أنّه صغيرُ السنّ أيضًا……يا له من مسكين….”
“نعم… هذا صحيح….”
“صحيح. كان محبوسًا في مكانٍ ضيّق و يردّد تعاويذَ غريبةً فقط. لا بدّ أنّهم قاموا بغسلِ دماغه، أليس كذلك؟”
لأنّهم لم يكونوا أطفالًا أشرارًا بطبعهم ، بدأوا سريعًا يتحدّثون عن الشفقة و الأسى و الحزن متأثّرين بكلام ماريان.
أمّا أنا ، فبينما كنتُ أربّت على ظهر فينسترنيس ، شعرتُ بإحساسٍ خفيفٍ بأنّ الأمور قد ساءت.
التعليقات لهذا الفصل " 116"