و بالنّسبة لمن علقوا يومًا كاملًا في مكانٍ غريب لا يمرّ فيه الوقت الخارجيّ ، فقد كانا مستقرَّين نسبيًّا.
كان الأمر مختلفًا تمامًا عن المشاهد داخل ‘اللعبة’ التي لا أعرف إن كانت هلوسةً أظهرها سحري أم أحداثًا وقعت فعلًا.
‘كما توقّعت ، كان التحرّك معًا هو الخيار الصحيح.’
كنتُ قلقةً على سلامتهم بعد أماني مباشرةً ، لذلك شعرت بالطمأنينة حين علمتُ أنّ الجميع بخير.
و عندما تجاوزنا الدرج و كدنا نصعد إلى الطابق الثالث.
“شكرًا ، ليلي.”
توقّفتُ عن السير عند كلام جين المفاجئ بعد صمتٍ طويل.
هل فعلتُ ما يستحقّ الشكر؟
عندما أملتُ رأسي بوضوح في حيرة، ابتسم جين بإحراج.
لكنّ الإجابة جاءت من ماريان لا منه.
“ريد قال إنّكِ ظللتِ تقلقين علينا حتّى أثناء افتراقنا. و قال إنّكِ أخبرته بأشياء كثيرة ليحذر منها. لا تتصوّرين كم أفادنا ذلك. صحيح يا جين؟”
“أ ، أجل. كنّا نقسّم العدد و نمسك الأبواب عند الدخول لأيّ مكان ، و كذلك كنّا نفحص السقف و الأرض و الجدران جيّدًا أثناء السير. في البداية لم يحدث شيء ، لكن فجأة من الجدران و الأرض…أمم، خرجت أيدٍ مغطّاة بالدم…….”
“صحيح…… ركضنا كثيرًا كي لا تُمسك بنا…….”
“و عندما نزلنا من الطابق الرابع إلى الثالث ظهرت فجوات في الدرج فجأة ، و كان هناك أشخاص يزحفون منها ، يا له من منظر….”
“آه… ما زلتُ أشمّ رائحة احتراق…كانوا يكلّموننا باستمرار. لكن ريد قال: “ليلي هي التي علّمتني” ، و ضرب رؤوسهم بالشمعدان فدخلت إلى الداخل بسهولة. لو لم يفعل ذلك، لما استطاع لا مينا و لا لاس حتى النزول من الدرج من شدّة الخوف.”
كما تحدّثت ماريان و جين بالتناوب عن أمور أخرى ،
مثل مطاردتهم من وحشٍ نصف علويّ فقط ، و ظهور الفخاخ من السقف أو الأرض مرارًا ، و خروج ماءٍ صدئٍ أحمر كالدم من صنابير الحمّام الكبير ، و انطفاء الأنوار فجأةً ، و غير ذلك من الأحداث.
من الجيّد أنّهم نجوا ، لكنّ الموضوع لم يكن مناسبًا للطرح الآن.
كما أنّ بداية الحديث كانت مفاجئةً أكثر من اللازم.
‘هل يريدان معرفة ما الذي كنتُ أفعله و أين كنت؟’
من نظرتهما لي خلسةً أثناء الكلام ، يبدو أنّ هذا صحيح.
و بعد أن أظهرتُ دهشةً عند سماعي أنّ يومًا كاملًا قد مرّ ، فمن الطبيعيّ أن يفضلهما الفضول.
‘و فوق ذلك ، خرجتُ من القبو الذي لم يتمكّنوا من دخوله.’
و من هذا المنظور ، عدم حذرهم منّي أو شكّهم بي أمرٌ غريب أكثر.
المشكلة أنّني أنا أيضًا لا أعرف سبب اختلاف مرور الوقت ، لكن يبدو أنّهم سيصدّقونني لو تكلّمتُ بصراحة الآن.
“أنا…….”
كنتُ أنوي أن أشرح باختصار أنّني بعد أن افترقتُ عن ريد و بحثتُ عن الخريطة ذهبتُ إلى القبو ، و وجدتُ بابًا يؤدّي إلى الحديقة ، و حين عدتُ كان هذا القدر من الوقت قد مرّ… إلى هذا الحدّ فقط.
“تأخّرتما. هل فُتِح القبو؟”
لكن قبل أن أذكر اسم ريد ، قاطعني صوته.
عندما اختلط ضوء أعواد الثقاب التي يحملها جين و ماريان مع ضوء الشمعدان الذي نحمله أنا و ريد ، أصبح المكان أكثر إشراقًا.
كان ريد يقترب ، ثمّ توقّف عندما رآني في الخلف.
“……ليلي؟”
كانت آثار التعب واضحةً على ماريان و جين ، لكن ريد بدا أسوأ منهما.
و كانت إحدى ذراعيه مكشوفةً من قميص ممزّق و ملفوفةً بضماد ، كأنّه أُصيب.
لوّحتُ بيدي بوجهٍ جادّ.
“نعم ، إنها أنا. لم أختفِ عمدًا ، فاهدأ.”
أضفتُ بسرعة عندما بدا أنّه على وشك إلقاء محاضرة ، فابتلع ريد نفسًا عميقًا.
ابتسمت ماريان بخفّة و انتظرت صعودي إلى الممرّ ثمّ شبكت ذراعها بذراعي.
“الجميع سيتفاجأ. صحيح؟”
بدت متعبة ، لكن ملامحها ما زالت بريئةً صافية.
عند النظر إلى شعرها الأحمر المتمايل ، تذكّرتُ الفتاة ماريان التي رشّت دواءً على وجه إيديلاين بسبب غيرتها منه.
ابتسمتُ ابتسامةً محرجة ، و لوّحتُ باليد التي تحمل الشمعدان و أنا أنظر إلى ريد الذي بدا أنّ لديه الكثير ليقوله.
“سأخبركم بكلّ ما حدث ، فلنذهب إلى المكان الذي تتّخذونه ‘مقرًّا’. كما تعلمون ، هذا ليس مكانًا مناسبًا للحديث.”
لم تكن الغرف آمنةً تمامًا ، لكنّها أفضل من السلالم و الممرّات.
تنفّس ريد الصعداء و قال: “لنذهب” ، مشيرًا بيده.
و كانت الوجهة قريبةً على غير توقّع.
غرفة في نهاية الممرّ جهة اليسار من الدرج.
وقف ريد أمام الباب و طرق:
طرق، طرق، طرق—
پإيقاعٍ متقطّع ، ثمّ همس عبر الشقّ.
“خبز الجاودار.”
فجاء صوت دوران المفتاح ، و انفتح الباب.
يبدو أنّهم حدّدوا كلمة سرّ.
لا أعلم لماذا اختاروا خبز الجاودار تحديدًا.
وقف ريد عند الباب ينظر إلينا ، كأنّه يطلب منّا الدخول أوّلًا.
خطت ماريان و هي تعانق ذراعي.
و عندما دخلنا الغرفة ، صاح لاس الذي فتح الباب بعينين واسعتين.
“ليلي!”
ثمّ أغلق فمه بسرعة كأنّه أدرك أنّ صوته ارتفع.
رفعت مينا و سيغ رأسيهما من حيث كانا جالسَين متقاربَين.
كانت عينا مينا متورّمتَين من البكاء ، حدّقت بي بذهول ثمّ انفجرت بالبكاء فجأة.
“آآآه.”
بكائها الشديد ، جعل سيغ الذي بدا كأنّه على وشكِ القفز نحوي يتململ.
و كأنّ الدموع مُعدية ، بدأت ماريان تنتحب و لاس يشهق أيضًا.
في تلك الأثناء دخل جين و ريد كذلك.
صوت قفل المفتاح تبِعه زفيرٌ طويل من ريد و هو يناديني.
“ليلي.”
“……بالنسبة لإحساسي ، لم يمضِ سوى نحو ساعتين. أعني منذُ أن افترقتُ عنكم.”
كان التعبير غريبًا قليلًا ، لكن تعديل الصياغة الآن سيكون مضحكًا.
عند ذكر الساعتين ، عقد ريد و سيغ حاجبَيهما.
أصدر جين و ماريان صوت “هاه؟” ، و بدا لاس مرتبكًا.
أمّا مينا فواصلت البكاء.
تنفّستُ الصعداء باقتضاب و نظرتُ إلى الغرفة متأخّرة.
كما قالوا ، كانت غرفة أسرّة ، فقد احتلّت أسرّةٌ بطابقين ثلاثةً الجانبين الأيسر و الأيمن.
يبدو أنّها كانت سكنًا جماعيًّا للمؤمنين أو الفراخ.
و في الوسط كانت قطع الخريطة التي كان سيغ و مينا ينظران إليها بقلق.
يبدو أنّهم وجدوا بقيّة القطع أثناء تجوالي بين القبو و الحديقة ، إذ كان العدد كبيرًا.
حرّرتُ ذراعي بلطف من قبضة ماريان و أدخلتُ يدي في جيبي و أخرجتُ قطع الخريطة التي جمعتها.
“سأعطيكم هذا أوّلًا. قطعتان وجدناهما معًا ، و قطعتان وجدتهما أنا.”
اقتربتُ من مينا و سيغ الجالسَين ، و جلستُ على الأرض. ثبّتُّ الشمعدان ، و بدأتُ أفرد قطع الخريطة واحدةً تلو الأخرى.
بحسب نافذة النظام ، عدد قطع خريطة دير لاتري هو 20 قطعة.
الأربع التي معي ، و على الأرض…… 14 قطعة.
تبقّى قطعتان ، واحدة في البرج ، و الأخرى على الأرجح مع روين.
‘الحاكمة… و روين….’
هل جمعها كلّها ممكن أصلًا؟
و بينما كنتُ أتذكّرهما بالتناوب ، جلس الآخرون على مسافات.
و كان سيغ أوّل من تكلّم بعد تردّد.
“ليلي. من الجيد أنّكِ تبدين بخير فعلًا. ألا توجد إصابات؟”
“نعم، أنا بخير. و أنتَ يا سيغ ، هل ذراعك بخير؟”
كان قد نزع الحمالة التي صنعتُها له من الضماد ، و لم يكن وجهه سيّئ اللون.
ابتسم و لوّح بكتفيه مجيبًا.
“نمتُ قليلًا فأصبحت أفضل. لكن ما معنى ما قلتِه قبل قليل؟ ……لم يُغمى عليكِ ، صحيح؟”
“جين قال شيئًا مشابهًا ، لكن لا ، أبدًا. قد يكون الأمر معقّدًا قليلًا ، لذا سأشرح من البداية.”
كان عليّ أن أقرّر بنفسي تمامًا ما الذي سأقوله و ما الذي سأخفيه.
و مع أملي أن يكون هذا طريقًا لاكتشاف دليلٍ جديد ، بدأتُ الحديث من لحظة توجّهي إلى غرفة الصلاة.
التعليقات لهذا الفصل " 115"