‘هذا المكان ضيّقٌ جدًّا ، فماذا لو خرجنا أوّلًا؟’
كان هذا ما كنتُ أنوي قوله.
لو لم يكن ذلك الإحساس المُرعب قد اختفى هذه المرّة على عكس السابق.
ما إن سحبتُ يدي التي مددتُها إلى الأمام بسرعة ، حتّى اندفع فريسينغير نحو ذلك المكان.
و كما حدث عندما أظهر عداءً مفاجئًا في المكتبة ، كانت هيئته شرسةً للغاية.
[‘فريسينغير’ يريد أن ‘يذبحك’ ]
[‘فريسينغير’ يريد أن ‘يصطادك’ ]
يبدو مجنونًا حقًّا.
هو يأكل جيّدًا، فلماذا يتصرّف هكذا كلّ مرّة؟
لو كانت المشكلة في دمي ، لما كان روين أو أسمير قد بدَوا طبيعيَّين.
كانت المعول ساقطًا قليلًا في الأمام ، لذا التقطتُ مجدّدًا الشمعدان الذي وضعته فوق المكتب.
لكن أسمير ، على غير المتوقع ، تقدّم.
“اخرجي.”
“هاه؟”
“كنتِ ستقولين لنخرج من هنا ، صحيح؟ سأمسكه أنا ، فاذهبي أنتِ أوّلًا.”
هل ظهر أثرُ تقارُبنا بهذه السرعة؟
لم يبدُ أنّ لديه خطّةً أخرى.
كان من المؤسف أنّه لا مجال لأخذ المعول الذي أحضرته بشقّ الأنفس ، لكن لا حيلة لديّ.
أومأتُ برأسي و بدأتُ أتحرّك ببطء.
لم يفعل فريسينغير شيئًا سوى التحديق إليّ بعينين متّقدتَين دون أن يُصدر أيّ صوت.
لكنّني شعرتُ أنّه يتتبّع حركتي بإلحاح.
و عندما حاول الاندفاع مجدّدًا ، اعترضه أسمير.
[تمّ تفعيل ‘درع الصديق’ الخاصّ بـ ‘أسمير’! (الهدف: أنتِ)]
ظهرت نافذة النظام مع تأثير الدرع ثمّ اختفت.
هذه أوّل مرّة أرى فيها استخدام مهارةٍ فعليًّا.
أنا ممتنّة ، لكنّ الشعور كان غريبًا حقًّا.
أدركتُ الآن أنّ هذا واقعٌ و ليس لعبة.
و مع ذلك ، كلّما جعلوه يبدو كأنّه لعبة ، يكاد الإحساس بالواقعيّة يتكوّن ثمّ يتلاشى.
‘يبدو أنّني بدأتُ أفكّر أنّ الموت هنا لن يكون النهاية…….’
كما أنّ غياب الصدمة النفسيّة تقريبًا كان له دور.
على أيّ حال ، هذا ليس وقت الشرود.
فتحتُ باب القبو سريعًا و خرجتُ ، ثمّ أغلقتُ الباب بهدوء و ركضتُ صاعدةً الدرج.
و عندما رفعتُ الشمعدان في الممرّ المعتم.
“آه، ليلي!”
“يا إلهي……!”
ظهر جين و ماريان و هما يحملان عود ثقاب مشتعلًا.
كان وجههما و ثيابهما متّسخة ، كأنّهما تدحرجا في حفرة غبار.
بدت عليهما علامات الفرح الشديد برؤيتي ، فتقدّمتُ نحوهما بلا تردّد.
“المكان هنا خطير ، لنذهب إلى مكانٍ آخر.”
سواء خرج فريسينغير أم أسمير ، فهذا ليس مكانًا مناسبًا للحديث معهما.
عند كلامي و أنا أُلقي نظرةً نحو القبو ، شحب وجه ماريان و جين فورًا و تبعاني.
تجاوزنا الدرج و اتّجهنا إلى القاعة.
ثمّ وقفنا بجانب المطرقة الضخمة التي سقطت من السقف حين دخلنا إلى هنا أوّل مرّة ، و تنهّدنا في وقتٍ واحد.
لم يدم الصمت طويلًا.
ابتسم جين و بدأ الحديث.
“بعد أن اختفيتِ هكذا ، نادينا اسمكِ و بحثنا عنكِ في كلّ مكان و لم نجدكِ ، لهذا كنا نشعر بالقلق عليكِ ، لحسن الحظّ أنّكِ بخير.”
“صحيح. لقد بحثنا كثيرًا و لم نجدكِ أبدًا ، فخشيتُ أن يكون قد حدث لكِ مكروه ما…….”
امتلأتُ حيرةً من إضافة ماريان و هي تشهق.
صحيح أنّنا تحرّكنا كلٌّ على حدة و مرّ بعض الوقت ، لكنّه بالتأكيد لم يتجاوز الساعتين.
حتّى دون امتلاكي لساعة ، أنا واثقةٌ أنّ إحساسي بالوقت لم يتعدَّ ذلك.
و حتّى لو لم يكن وقتًا قصيرًا ، فالدير واسعٌ جدًّا أصلًا ، و البحث عن شخصٍ فيه ليس سهلًا.
كما أنّ كثرة الفخاخ في كلّ مكان جعلت الانتقال صعبًا.
و هما أيضًا قد جرّبا الوقوع في مأزق بسبب الفخاخ أو الحصار أو المطاردة.
‘و من الأساس ، استغرق اجتماعنا سالمين وقتًا طويلًا.’
لكن بما أنّهما يبدوان متأثّرَين إلى حدّ إظهار الدموع و يظهران الفرح و الدهشة معًا ، فلا بدّ أنّ وقتًا أطول ممّا توقّعت قد مضى.
“جين ، ماريان. كم مرّ من الوقت منذُ أن غادرتُ لأتجوّل وحدي؟”
“هل نمـتِ في مكانٍ ما؟ أو ، أو ربّما…… أنتِ لم تكوني محبوسة ، صحيح…؟”
أنكرتُ بابتسامةٍ محرجة على سؤال جين القلق.
تنفّس جين المتوتّر الصعداء و أجاب.
“لا نملك ساعة لتحديد الوقت، لذا لستُ متأكّدًا… لكن يبدو أنّ يومًا كاملًا قد مرّ.”
“……هل مرّ كلّ هذا الوقت؟”
هذا غير منطقيّ.
لا يمكن أن يكون كلّ هذا الوقت قد مضى.
مع أنّ مظهرهما الذي يوحي بأنّهما تدحرجا في الغبار صار مفهومًا ، فإنّني كنتُ مذهولةً لدرجة العجز عن الردّ.
تابع جين بعد تردّد.
“نعم. لكن الخارج ظلّ مظلمًا طوال الوقت ، و لم نجد طريقًا للخروج. و فوق ذلك ، لم يركِ أحد ، فبقينا ننتظر في الطابق الثالث لعلّكِ تظهرين…….”
كنتُ قد قلتُ إنّ مَنٔ يجد قطعة الخريطة يضعها في خزانة غرفة العلاج في الطابق الثالث.
و بما أنّني لم أضع شيئًا و لم أظهر ، فمن الطبيعيّ أن يقلقوا.
“ميـ ، مينا كانت تقول أنّ الأمر خطؤها و تبكي باستمرار ، و تقول إن حدث لكِ شيء فذلك سيكون بسببها….”
“لا ، كنتُ أنوي التحرّك وحدي من الأصل. قلتُ ذلك سابقًا. هل… قلتم لها شيئًا؟”
كانت مينا قد اختلفت مع الآخرين من قبل و تحرّكت وحدها.
و لو تكرّر الأمر و حدَث لها شيء ، فلا أحد يعلم كيف ستكون نهاية هذا التناسخ.
عند سؤالي بحذر ، تمتمت ماريان بخجل.
“لم يخبرها أحد شيئًا. بصراحة ، كلّنا نفهم خوفها. أنا أيضًا كنتُ خائفة…….”
يبدو أنّهم شعروا بالذنب لأنّهم لم يمنعوني ، بعد أن اختفيتُ يومًا كاملًا دون خبر.
ربّتُّ على ظهرها المرتجف بلطف ، و ابتسمتُ لجين الذي بدا على وشكِ البكاء.
“أنا بخير. و ذلك الأمر لا يهمّني أبدًا ، فلا تحتفظوا به في قلوبكم. و بالمناسبة ، هل نزلتما إلى هنا وحدكما؟”
شدّ جين نظره قليلًا نحو الجهة التي جئنا منها و أجاب.
“جئنا لنتحقّق من باب القبو هناك. فتّشنا كلّ ما يمكن رؤيته من الطابق الرابع إلى الأوّل ، و هذا الباب وحده لم يُفتَح.”
“صحيح. حتّى مع اجتماع الأولاد كلّهم و شدّهم و دفعهم و ركلهم للباب ، لم يتحرّك. لكن…….”
أنهت ماريان كلامها و هي تنظر إلى جين.
أخرج جين بسرعةٍ من جيبه حزمة مفاتيح صدئة.
“وجدتُها في الطابق الرابع. كان هناك في نهاية الممرّ غرفة مخيفة قليلًا ، و بداخلها باب مخفيّ.”
“كانت فخمةً و قديمة الطراز بشكلٍ مدهش. كان هناك فساتين ، و حليّ و أحذية لم أرَ مثلها من قبل…..”
نهاية ممرّ الطابق الرابع ، غرفة مخيفة ، باب مخفيّ ، و مكان مزخرف بفخامة.
إنّها بالتأكيد غرفة إيديلاين.
و تبدو حزمة المفاتيح هذه و كأنّها تضمّ كلّ مفاتيح الدير ، و ربّما كانت تُستخدَم من قِبل رؤساء الدير أصلًا.
لكنّ باب القبو لم يكن مغلقًا بسبب المفتاح.
‘أن يكون أسمير هو مَنْ منعه…… غير معقول.’
كان يبذل قصارى جهده لإخافتنا.
و ليس من طبعه أن يترك فريسةً جاءت إليه بنفسها.
و فوق ذلك ، مرّ يوم كامل.
و من الغريب أيضًا أن ينتظر أسمير بهدوء كلّ ذلك الوقت.
لا أفهم السّبب ، لكن دخول القبو الآن خطر.
“لقد تحقّقتُ من هناك ، فلا داعي للدخول. أين بقيّة الأصدقاء؟”
مثلما تعاون روين ضروريّ لفكّ الختم و إنهاء التناسخ المتكرّر ، فربّما لدى أصدقائي أيضًا أدلّة.
و السّبب هو نافذة النظام التي ظهرت عندما رأيتُ وهم موت سيغ و جين.
‘تمّ حذف مسار فتاة الحقيقة.’
إن كان الشرط هو بقاء الجميع على قيد الحياة ، فمن الأفضل شرح الوضع و لو جزئيًّا.
أجابت ماريان عن سؤالي.
“غالبًا مجتمعون في الطابق الثالث. وجدنا عدّة غرف مليئة بالأسِرّة أثناء تجوالنا ، و جعلنا إحداها كأنّها مقرّ.”
“لي ، ليلي. ستأتين معنا ، صحيح…؟ الجميع قلق ، و سيطمئنّون إن رأوكِ….”
كان القلق واضحًا في صوت جين ، كأنّه يخشى أن أقول: “أفضل أن أكون وحدي” و أرحل.
“علينا أن نركّب القطع التي وجدناها ، و لديّ كلام أريد قوله لكم. هل تأخذانني إلى هناك؟”
عند كلامي و أنا أرفع الشمعدان ، أشرق وجه ماريان و جين.
“نعم!”
تحدّد الهدف.
و اتّجهنا فورًا نحو الدرج.
التعليقات لهذا الفصل " 114"